الرئيسية » بيداغوجيا » ليف فيجوتسكي والنظرية الثقافية الاجتماعية

ليف فيجوتسكي والنظرية الثقافية الاجتماعية

ولد ليف فيجوتسكي (Lev Vygotsky) في بيلورسيا سنة 1899 ونال شهادة الأدب من جامعة موسكو عام 1917 وعمل عام 1924 في معهد علم النفس بموسكو، واشترك في تطوير برامج تعليمية بشكل واسع وخاصة تعليم الأطفال الصم والبكم، وتعاون مع ألكسندر لوريا (Aleksandre Luria) وآن لينتيف (AN Leontiev) في تكوين نظرية علمية جديدة في علم النفس، وهي نظرية الثقافة الاجتماعية والتي لم تعرف في الغرب، ولم تنشر كذلك حتى عام 1992 (2001 ,Blunden).

ولفهم كيف بدأت نظرية الثقافة الاجتماعية لفيجوتسكي من المهم معرفة الأوضاع السياسية في ذك الوقت، حيث حلت الماركسية بدلاً من قانون قيصر روسيا، حيث أكدت الفلسفة الجديدة للماركسية على مبدأ المشاركة الجماعية داخل المجتمع وتشجع على المشاركة والتعاون، فهي تتوقع من الأفراد أن يضحوا بأغراضهم الشخصية وإنجازاتهم من أجل تحسين المجتمع الأكبر، وأن نجاح أي فرد ينظر إليه على أنه انعكاس لنجاح الثقافة، ويعتقد الماركسيين أن أي ثقافة يمكن فهمها فقط من خلال اختبار الأفكار والأحداث التي شكلتها. وقد دمج فيجوتسكي (Vygotsky) هذه العناصر في نموذج التطور البشري والذي أصبح يطلق عليه مصطلح الثقافة الاجتماعية، وأكد أن تطور الفرد يحدث نتيجة لثقافته، والتطور ينطبق بشكل رئيس على التطور العقلي مثل التفكير، واللغة، وعمليات التفكير، هذه القدرات تتطور خلال التفاعلات الاجتماعية مع الآخرين خاصة الوالدين (Doolittle, 1997).

بالإضافة إلى ذلك أكد نموذج المعرفة الاجتماعية الفيجوتسكي على أن الثقافة هي المحدد الأساسي الأول لنمو الفرد وأن البشر هم الجنس الوحيد الذي يصنع الثقافة، وكل طفل بشري يتطور في ظل الثقافة ولهذا فإن تطور تعلم الطفل يتأثر بشكل أو بآخر بالثقافة متضمنة ثقافة العائلة التي وجد فيها. فمن خلال الثقافة يكتسب الأطفال كثيرا من محتوى تفكيرهم متمثلا في معرفتهم، وتزودهم الثقافة المحيطة بهم بعمليات أو وسائل التفكير والتي يسميها فيجوتسكي (Vygotsky) أدوات التكيف العقلي، وباختصار تبعا لنموذج التعلم المعرفي الاجتماعي فإن الثقافة تعلم الأطفال كلاً من: بماذا نفكر؟ وكيف نفكر؟ (Doolittle, 1997).

كما أن جوهر نظرية فيجوتسكي (Vygotsky) هو ذلك التفاعل الاجتماعي الذي يلعب دورا أساسيا في تطوير الإدراك. ويظهر مدى تطور الطفل الثقافي مرتين: الأولى على المستوى الاجتماعي ولاحقا على المستوى الفردي، فبداية يظهر بين الناس وبعد ذلك داخل الطفل، وهذا ينطبق على حد سواء على الانتباه الطوعي والذاكرة المنطقية وتشكيل المفاهيم، وكل الوظائف العليا التي تنشأ كعلاقات فردية. والسمة الثانية لنظرية فيجوتسكي هي أن التطوير الإدراكي يعتمد على منطقة النمو القريبة المركزية (ZPD) فمستوى التطوير يتقدم عندما ينخرط الأطفال في السلوك الاجتماعي. فالتطوير يلزمه تفاعل اجتماعي كامل، ومدى المهارة التي تنجز بتوجيه بالغ أو تعاون أقران يتجاوز ما يمكن أن ينجزه الفرد لوحده، فالوعي لا يوجد في الدماغ، بل في الممارسة اليومية؛ هذه الفرضية هي التي شكلت قاعدة عمل فيجوتسكي (1996 ,Kearsley).

وفي سياق مرتبط اختار فيجوتسکی كلمة المنطقة (Zone) لأنها تحمل تطويرا، وليس كنقطة على مقياس وإنما استمرارية السلوك أو درجات النضج. وكلمة الأدنى أو القريبة (Proximal) تعني بأن المنطقة تحدد بتلك السلوكيات التي ستتطور في المستقبل القريب، فهي تعني أن السلوك أقرب إلى الظهور في أي وقت، فليس كل سلوك محتمل يجب أن يظهر في النهاية. ويرى فيجوتسكي (Vygotsky) أن السلوك يحدث على مستويين يشكلان حدود منطقة النمو القريبة المركزية (ZPD) . المستوى الأدنى وهو أداء الطفل المستقل الذي يعرفه الطفل ويعمل لوحده، ويمثل المستوى الأعلى الحد الأعلى الذي يمكن أن يصل إليه الطفل بالمساعدة ويدعى أداء مساعد (1995, Leong& bodrova).

ويمكن تعريف منطقة النمو القريبة المركزية (ZPD) بأنها المسافة بين مستوى التطوير الفعلي الذي ينشأ من حل المشكلة بصورة مستقلة وبين مستوى التطور المحتمل حدوثه خلال حل المشكلة بتوجيه بالغ أو التعاون مع الأقران، أو هي ما ينجزه الطفل اليوم بمساعدة الآخرين ويتمكن من فعله غدا بشكل مستقل(Chaiklin, 2002) ..

فيجوتسكي

وذكر عبدالكريم (2000) الركائز الأساسية لمنطقة النمو القريبة (ZAD) في عملية التدريس والتعلم في الفصل المدرسي والتي تعتمد على أربعة ركائز مهمة:

  • أولاً: طبيعة التفاعل الاجتماعي للتعلم و يقصد بذلك عدم الفصل بين الفرد والمجتمع في بناء السياق المعرفي؛
  • ثانياً: دور الأدوات النفسية والفنية مثل (اللغة والقطع الفنية والكتابة والحوار..)، واللغة هي الأداة القوية التي تجلب الأفكار الداخلية من خلال الحوار الخارجي، فالأدوات لا يمكن أن تكون في العزلة، ومثال الأدوات الفنية (الأجهزة والمقاييس والميكروسكوب …) فنرى المفهوم من خلال الأدوات النفسية ونحصل على المعرفة من خلال الأدوات الفنية؛
  • ثالثاً: دور التفاعلات الاجتماعية كوسيط لتفكير المتعلم والممارسة الثقافية ومثال ذلك دور المعلم الخبير في الحوار والتفاوض مع المتعلم، وأشكال التدريس الوسيطة (التمهيد للمتعلم حتى الوصول للمعرفة)، والمعلم والدعائم التعليمية (السقالة)؛
  • رابعاً: الدور المتبادل بين المفاهيم اليومية والعلمية وهنا يفسر بيجوتسكي بضرورة التكامل ما بين ما نتعلمه يومياً وبين ما نتعلمه في المدرسة، في البيت نتعلم المفاهيم من المحسوس إلى المجرد والعكس يحدث في تعلم المفاهيم العلمية بالمدرسة، والتعلم بالاتجاهين ذهابا وإيابا ضروري للفهم.

وفي المقابل لابد من بيان العلاقة ما بين فيجوتسكي وجان بياجيه، حيث لم يتقابلا أبدًا، فقد قرأ جان بياجيه عددًا من أعمال فيجوتسكي بعد وفاته، ووافق على بعض وجهات نظره حول التعلم، واختلف معه في فهمه للتعلم والتطوير، واتخذ موقفًا نظريًا مختلفًا عن فيجوتسكي في موضوع الكلام الداخلي، حيث أكد بياجيه أن الكلام المتمركز حول الذات لدى الأطفال “يتلاشى” مع نضوجهم، بينما أكد فيجوتسكي أن الكلام المتمركز حول الذات أصبح داخليًا، وهو ما نسميه الآن الكلام الداخلي، وفي أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي غير بياجيه رأيه جذريًا بشأن نظريته وأثنى على فيجوتسكي علنًا لاكتشافه الأصل الاجتماعي لخطاب الأطفال واستدلالهم وأحكامهم الأخلاقية  Michael,2013)).

أخيراً توفي فيجوتسكي في موسكو بسبب مرض السل في 11 يونيو 1934، وبعد وفاته مباشرة  أُعلن فيجوتسكي أنه أحد علماء النفس البارزين في الاتحاد السوفيتي، وبالرغم من بعض الانتقادات والرقابة على أعماله  في الستينيات والثمانينيات، ظل فيجوتسكي دائمًا من بين أكثر العلماء المقتبسين في هذا المجال وأصبح شخصية بارزة لعدد من المثقفين والممارسين المعاصرين في روسيا والمجتمع النفسي والتربوي الدولي على حد سواء، ومما لا شك فيه أن ليف فيجوتسكي كان له تأثير كبير على علم النفس الروسي والعالمي، وكذلك على العلوم ذات الصلة – علم أصول التدريس، وعلم العيوب، واللغويات، وتاريخ الفن، والفلسفة. وقد وصفه أقرب صديق وتلميذ له، إيه آر لوريا ، بأنه عبقري وإنساني عظيم في القرن العشرين (Yasnitsky,2015).

 


المراجع:

عبد الكريم ، سحر (۲۰۰۰): فعالية التدريس وفقا لنظريتي بياجيه فيجوتسكي في تحصيل بعض المفاهيم الفيزيائية والقدرة على التفكير الاستدلالي الشكلي لدى طالبات الصف الأول الثانوي، الجمعية المصرية للتربية العلمية، المؤتمر العلمي الرابع “التربية العلمية للجميع”، المجلد الأول، القرية الرياضية بالإسماعيلية

Fraser, J.; Yasnitsky, A.; (2015). Lajkik Vygotsky’s Hurt Novel: A Re-examination of the ‘Stalinist Repression’ of Vygotsky’s System, A History of Humanity’s Thought

AB Hassard, Jack. Dias, Michael (2013). The Art of Teaching Science: Inquiry and Innovation in Middle and High School. Oxon: Routledge.

Blunden, A. (2001): The Vygotsky School “Spirit, Money and Modernity” Seminar, University of Melbourne.

Doolittle titled, P.E. (1997): Vygotsky’s zone of proximal development as a theoretical foundation for cooperation learning. Journal on Excellence in College Teaching

Kearsley, Greg (1996): Learning with Software(Pedagogies and Practice Bock), from Social development theory (1. vygotsky),

Leong, Deborah J. & Bodrova, Elena (1995): Vygotsky’s Zone of Proximal Development. Of Primary Interest, Published co-operatively by the Colorado, Iowa, and Nebraska Departments of Education

Chaiklin, Seth (2002): The zone of proximal development in Vygotsky’s analysis of learning and instruction. University of Miami & Florida International University, from Chat Seminar.

البحث في Google:






كاتب المقال

صالح سعد فيضي الغامدي  
كتب ما مجموعه 1 مقالات اضغط هنا لقراءتها

معلم حاسب في وزارة التعليم بالمملكة العربية السعودية، بكالوريوس علوم حاسب، ماجستير تقنيات التعليم (جامعة الباحة). باحث دكتوراه في تقنيات التعليم بجامعة القصيم - المملكة العربية السعودية





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *