الرئيسية » إرشادات » استراتيجيات بناء التوافق في الآراء داخل مجتمعات التعلم المهني – الجزء الأول

استراتيجيات بناء التوافق في الآراء داخل مجتمعات التعلم المهني – الجزء الأول

يعتبر التوافق في الآراء أحد أهم عناصر نجاح المؤسسات بصفة عامة، والمؤسسات التعليمية بصفة خاصة لما للموضوعات التعليمية والتربوية من خصوصية، فهي شديدة التعقيد لارتباطها بمتغيرات كثيرة، كما يعد الاختلاف إحدى سماتها الهامة، مما يجعل بناء التوافق في الآراء  مهارة من الضروري توفرها في قيادات تلك المؤسسات، وخاصة عند تبني رؤية جديدة. زد على ذلك أن الأفكار الجديدة غالبا ما تواجه مقاومة، فكم من الأفكار كانت رائعة في مضمونها وتحمل معان قيمة إلا أن طريقة عرضها كانت السبب في إخفاقها.

و عليه سنتحدث في هذا المقال عن:

1- مجتمعات التعلم المهني، وركائزها باعتبارها إحدى أهم التوجهات العالمية في إدارة المؤسسات التعليمية نحو تحسين مخرجاتها.
2- كيفية بناء التوافق داخل مجتمعات التعلم المهني.

 

أولاً- ركائز مجتمعات التعلم المهني

تستند مجتمعات التعلم المهني على أربع ركائز تمثل الأسس الرئيسة لمجتمعات التعلم المهني وهي: الرسالة والرؤية والقيم والأهداف، وكل ركيزة من تلك الركائز تثير سؤالاً مختلفاً، وأصعب ما يواجه  بناء مجتمعات التعلم المهني هو بناء التوافق بين المعلمين والمديرين على إجابات محددة لهذه الأسئلة والوصول إلى إجماع في الآراء فيما يتعلق بمواقفهم الجماعية من كل سؤال، وإذا ما تحقق هذا التوافق فإنهم يكونون قد بنوا أساساً صلباً للمجتمع المهني التعلًمي، وإذا لم يكن هناك حوار جاد ونقاشات عميقة للاتفاق على إجابات محددة لهذه الأسئلة وبناء أرضية مشتركة فيما يتعلق بمواقفهم من تلك الأسئلة، وتكوين فهم مشترك لدى الجميع عما يقصده كل سؤال وما تعنيه كل إجابة؛ فإن كل الجهود المستقبلية لتحسين المدرسة ستكون هباء منثورا وأشبه ما تكون بالنقش على الماء.

أمثلة على الأسئلة التي تثيرها هذه الركائز:

الركيزة الأولى: الرسالة

تطرح هذه الركيزة السؤال: «لماذا نحن موجودون؟» و تبين الإجابة على هذا السؤال بوضوح الغرض الأساسي من وجود المدرسة، مما يساعد في بناء الأولويات و توجيه القرارات.

الركيزة الثانية: الرؤية

إن ركيزة الرؤية تطرح السؤال «ماذا؟» – أي: «ماذا يجب أن نكون عليه حتى نحقق غرضنا الأساسي؟»… تقدم الرؤية إحساسا بالاتجاه وأساساً لتقويم كل من الواقع الحالي للمدرسة والاستراتيجيات والبرامج والأفعال الممكنة لتحسين ذلك الواقع، فالرؤية عبارة عن صورة للمستقبل الذي نسعى لإيجاده معبَرَاً عنه بصيغة الحاضر، وكأنه يحدث الآن. تبين جملة الرؤية إلى أين نذهب وكيف سيكون حالنا عندما نصل. و تعطي الرؤية شكلاً واتجاهاً لمستقبل المؤسسة، وهي تساعد الأفراد على وضع أهداف تقرّب المؤسسة من مستقبلها المرغوب.

الركيزة الثالثة: القيم (الالتزامات الجماعية)

إنها لا تسأل «لماذا نحن موجودون؟» أو «ماذا نأمل أن نُصبح؟» بل، تسأل «كيف يجب أن نتصرف لخلق المدرسة التي ستحقق غرضنا؟» وفي إجابتهم على هذا السؤال، ينتقل التربويون من تقديم تأملات فلسفية فيما يتعلق بالرسالة أو الآمال المشتركة للمدرسة في المستقبل إلى وضع التزامات للتصرف بطرق معينة تبدأ اليوم.
إن الوضوح في هذا الموضوع يوجه العمل الفردي لكل موظف ويضع الخطوط العريضة لكيفية المساهمة في مبادرة التحسين لكل شخص.

الركيزة الرابعة: الأهداف

الركيزة الأخيرة للمؤسسة تتطلب من الأعضاء توضيح الأهداف المحددة التي يأملون بتحقيقها كنتيجة لمبادرتهم التحسينية. إن ركيزة الأهداف تعرف الأهداف والجداول الزمنية التي تمكّن الموظفين من الإجابة على السؤال، «كيف سنعرف إذا كان كل هذا يُحدث فرقا؟»
تعتبر الرسالة والرؤية والقيم والأهداف أهم ركائز مجتمع التعلم المهني التي نعتمد عليها في توجيه المدرسة نحو تحسين مخرجاتها وجعلها دائما في حالة تحسين مستمر، فالتحسين في مجتمعات التعلم المهني ليس برنامجا ولا مبادرة تبدأ وتنهي، بل عادة استراتيجية تمثل الأكسجين الذي تتنفسه المؤسسة لتبقى حية.

ثانيا- كيفية بناء التوافق داخل مجتمعات التعلم المهني

السؤال الرئيس الذي يجيب عنه المقال هو:

كيف سيعمل المجتمع المهني التعلّمي على بناء التوافق في الآراء حول الإجابات عن أسئلة الركائز؟

استراتيجيات بناء التوافق في الآراء:

الاستراتيجية الأولى- استراتيجية المجموعات الصغيرة (لا تواجه الكل معا)
الاجتماع بالمجموعة الكبيرة يمكن المثبطين و المشكّكين في الاقتراح من السيطرة على النقاش، مما يحول دون عرض الفكرة بشكل كامل، و هو ما يجعل عرض الفكرة مبتورة أو ناقصة، ومن ثم تتكون عن الفكرة صورة غير دقيقة فتقابل بالرفض من غالبية الفريق.
إذا كان ولابد أن تواجه بمفردك فلا تواجه الكل معا، بل التقي بمجموعة مجموعة وكما يقول ريتشارد دوفور وآخرون: إنّ مكاناً أكثر حميمية مع عدد قليل من الموظفين سيكون أكثر فعالية، وبناء الإجماع في الآراء في مجموعات صغيرة أمر أسهل من بنائه بين كل أعضاء الهيئة التدريسية.
إذا كنت قائدا تسعى لبناء مجتمعات التعلم المهني، فهيئ الزمان والمكان المناسبين للاجتماع بمجموعات صغيرة لتقودهم نحو مجتمعات التعلم المهني وأفكاره ومبادئه واحرص على أن يكون المستهدفون في الاجتماع قد حضروا بغير ضغط، كأن يكون الاجتماع في غير وقت العمل الرسمي، هيئ البيئة وعدل في الجدول لتستطيع أن تجلس بكل هدوء مع المستهدفين.
والشكل التالي يوضح الاستراتيجية الأولى، استراتيجية المجموعات الصغيرة (لا تواجه الكل معا):

الاستراتيجية الثانية- لا تواجه بمفردك: استراتيجية التحالف التوجيهي أو فريق القيادة
لا أحد بمفرده يستطيع أبدا تطوير الرؤية الصحيحة، وإيصالها لعدد كبير من الناس، وإزالة جميع العقبات، وتولید الانتصارات على المدى القصير، وقيادة وإدارة العشرات من مشاريع التغيير وبناء ثقافة جديدة داخل المنظمة.
عندما يُقترح تغيير كبير فسيكون لدى معظم المعلمين أسئلة، يريدون الإجابات عليها قبل أن يكونوا على استعداد لإعطاء موافقتهم على المضيّ قدماً في تبني سياسة التغيير، ويبدأ القادة في استقطاب أفراد يتوسم فيهم الرغبة في التغيير، والحرص على تحقيق أفضل النتائج بحيث يشكلون تحالفا توجيهيا تدور بينهم نقاشات وحوارات يتفقون فيما بينهم على إجابات مقنعة وصادقة حول الأسئلة التي تثيرها الركائز ويكونون فهما مشتركا لما يقصده كل سؤال، وما الإجابة المناسبة عليه.
لاشك أن حوار قائد التغيير مع مجموعة يثق فيهم ويطمئن إليهم سيكون أسهل في تحقيق الهدف، وستكون الحوارات أكثر هدوء وحميمة مما لو كانت على مستوى المدرسة في وقت واحد في اجتماع كبير يضم جميع المعلمين.
هناك حاجة دائمة لتحالف توجيهي قوي، تحالف على مستوى عالٍ من الثقة والأهداف المشتركة التي تخاطب كلا من العقل والقلب. و بناء مثل هذا الفريق هو جزء أساسي دائما من المراحل المبكرة لأي جهد يتعلق بإعادة هيكلة مجموعة من الاستراتيجيات.

إن بناء مثل هذا الفريق هو جزء أساسي دائما من المراحل المبكرة لأي خطة تستهدف ثقافة تربوية داخل المنظمة قائمة على ركائز مجتمعات التعلم المهني.
و إنشاء تحالف توجيهيّ أو فريق قيادة هو الخطوة الأولى الحرجة في المهمة المعقدة المتمثلة في قيادة المدرسة نحو بناء مجتمع تعلم مهني حقيقي.
أما بخصوص مكونات فريق القيادة فيمكن أن يتألّف هذا التحالف من بعض اللجان أو المجالس الموجودة بالفعل في المدرسة ولا حاجة لبناء تنظيمات جديدة.
يمكن إنشاء تنظيم جديد، مثل لجنة مؤقتة تعقد من أجل هدف محدّد يمكن أن يكون قيادة عملية التغيير نحو مجتمع تعلم مهني.
والشكل التالي يوضح الخطوة الأولى (تكوين فريق لقيادة التغيير):

أما الخطوة الثانية فهي قيادة الفريق للتوجه نحو مبادئ مجتمعات التعلم المهني وبناء ثقافة التحسين المستمر:
يبدأ هذا التحالف التوجيهي (فريق القيادة) في حوارات ونقاشات جادة مع جميع أعضاء المجتمع المدرسي، ومما لاشك فيه أن هذا التحالف سيكون أعظم أثرا في التوجه بالمدرسة نحو مبادئ مجتمعات التعلم المهنية وقيادة التغيير داخل المنظمة مما لو قاده فرد واحد مهما كانت إمكاناته وقدراته.
والشكل التالي يوضح الخطوة الثانية نحو بناء توافق الآراء:

إن كثيرا من محاولات التغيير لم تنجح؛ ليس بسبب الأفكار التي كانت تحملها، أو التوجهات التي كانت تتجه إليها وإنما بسبب الآليات التي كانت تتخذها نحو بناء التوافق في الآراء في بداية قصة التغيير وحكاية التوجه، فلا تكفي النوايا الحسنة لتحقيق الأهداف بل لابد معها من طرق وتكتيكات لقيادة عملية التوافق والإجماع.

و هو ما سنتناوله بشيء من التفصيل في مقالات لاحقة، ولاسيما الفريق القيادي وخطواته العملية في قيادة المجتمع المدرسي نحو مجتمع تعلم مهني حقيقي.

المراجع
1) آن كونزيميس، تيري مورجانتي فيشر (2014). أكثر من مجرد هدف ذكي، ترجمة مدارس الظهران الأهلية، الطبعة الأولى، دار الكتاب التربوي للنشر والتوزيع، الدمام، المملكة العربية السعودية.
2) جان أونيل، آن كونزيميس (2014). قوة الأهداف الذكية: استخدام الأهداف لتحسين تعلم الطلاب، ترجمة مدارس الظهران الأهلية، الطبعة الأولى، دار الكتاب التربوي للنشر والتوزيع، الدمام، المملكة العربية السعودية.
3) ريتشارد دوفور وآخرون (2014). التعلم عن طريق العمل: دليل للمجتمعات المهنية التعليمية أثناء العمل، ترجمة مدارس الظهران الأهلية، الطبعة الأولى، دار الكتاب التربوي للنشر والتوزيع، الدمام، المملكة العربية السعودية.
4) كيم بيلي، كريس جاكيسيك (2014). التقويم التكويني المشترك: أدوات عملية للمجتمعات التعليمية المهنية أثناء العمل، ترجمة مدارس الظهران الأهلية، الطبعة الأولى، دار الكتاب التربوي للنشر والتوزيع، الدمام، المملكة العربية السعودية.


مقالات يمكن أن تعجبك




عن الكاتب

د.أيمن أصلان  
كتب ما مجموعه 1 مقالات اضغط هنا لقراءتها

المدير التنفيذي لمركز صناعة القيادات. مستشار وخبير تربوي متخصص في مجال الإشراف التربوي.





تعليقات الفيسبوك



تعليقات الموقع


8 تعليقات

  1. عبد الله عبد النبي

    هذا عهدنا دائما بالأستاذ الدكتور أيمن … العلم الغزير والفهم الدقيق … بارك الله فيك يا أبا عبد الله ونفع بك وجعل ذلك في ميزان حسناتك

  2. زكريا عبد الله عميرة

    ما شاء الله
    علم وعمل

  3. Yasser Alsayad

    مقال رائع. زادك الله علما يا دكتور

  4. محمد رفعت

    كلام رائع يا دكتور

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة البريدية للموقع

لتستقبل أحدث مقالات " تعليم جديد "

أدخل بريدك الإلكتروني في المربع

أسفله

ثم أنقر فوق زر " اشترك "