الرئيسية » دراسات » الإشراف التربوي بالمملكة العربية السعودية، الواقع والمستقبل
الإشراف التربوي

الإشراف التربوي بالمملكة العربية السعودية، الواقع والمستقبل

مقدمة:

تعرف العملية التعليمية تداخلَ مجموعة من المتدخلين والفاعلين التربويين والإداريين، الذين يسعون جميعا إلى ضمان جودة التعليم وتحقق أهدافه وغاياته المتنوعة، كل من زاوية تخصصه والأدوار المنوطة به. ويعد الإشراف التربوي أحد الآليات الحديثة التدخّل التي يقوم عليها أي نظام تعليمي، وذلك من أجل “تشخيص واقع العملية التعليمية من حيث المدخلات والعمليات والمخرجات، ويعمل على تحسينه وتطويره ومعرفة المعوقات التي تحول دون تحقيق أهدافه والعمل بحلها” (الجهني، 2020، ص. 120). والإشراف التربوي كمفهوم تربوي ومؤسساتي يحيل إلى مجموعة من العمليات المستمرة التي تقوم بها هيئة مختصة تسمى: وحدة الإشراف التربوي، في مديريات التربية والتعليم، والتي تسعى لمتابعة المعلمين والمعلمات وتقديم الدعم الكافي لهم لتحسين الأداء المهني وتحقيق الأهداف التربوية (المرشود والعوهلي، 2020)، والوصول للهدف الأسمى المتمثل في نمو المتعلمين في كل المراحل التعليمية وتحسين تعلّمهم.

وقد مر الإشراف التربوي في النظام التعليمي السعودي، كما في غيره من الأنظمة العالمية، بمجموعة من المراحل والتطورات منذ بدايته إلى اليوم، بداية بإحداث نظام التفتيش سنة 1377هـ الذي اقتصر دوره على تأهيل المعلمين الذين فيهم نقص على مستوى الكفاءة المهنية والاشراف الفني على المدارس عبر زيارات دورية لها، مرورا بمجموعة من المحطات التي كان أخرها محطة الاشراف التربوي منذ سنة  1416، القائم على تعدد الاختصاصات والفاعلين في الاشراف والارتباط أكثر بتنمية المهارات للمعلمين وليس فقط تقويم أدائهم (آل ناجي، 2016).

وفي هذه المقالة ستتحدث الباحثة عن واقع الإشراف التربوي في الملكة العربية السعودية ومعوقات تحقيقه للأهداف المنشودة، ثم كيف يرى الفاعلون التربويون مستقبل الإشراف التربوي ورهاناته المستقبلية من أجل تحسين الأداء المهني للمعلمين والمعلمات وتحقيق الغايات الكبرى من التربية والتكوين في إطار رؤية 2030.

1- واقع الإشراف التربوي 

يقوم الإشراف التربوي في المملكة العربية السعودية الذي تشرف عليه هيئة الإشراف التربوي التابعة لوزارة التعليم على هدف عام يتمثل في تطوير الموقف التعليمي والتعلّمي بالمدرسة وتقويمه لضمان فاعلية الأداء التربوي والتعليمي (وزارة التعليم، 2020)، وذلك من خلال مهام متعددة منها بالأساس فيما له علاقة بالمعلمين بـ:

  • متابعة تنفيذ الخطط التشغيلية والبرامج الخاصة بالإشراف التربوي، بعد إقرارها من صاحب الصلاحية.
  • متابعة سير العملية التربوية والتعليمية في مدارس الإدارة (التعليم العام، ومدارس تحفيظ القرآن الكريم ومدارس رياض الأطفال، ومدارس برامج محو الأمية، ومعاهد وبرامج التربية الخاصة).
  • اقتراح تطوير اللوائح المنظمة لعملية الإشراف التربوي، ومتابعة تطويرها بعد إقرارها.
  • إعداد احتياج الإدارة من المديرين / المديرات ومن المساعدين/ المساعدات مكاتب الإشراف التربوي، ومن المشرفين التربويين/ المشرفات التربويات، والإداريين/ الإداريات.
  • اقتراح ترشيح الهيئة الإشرافية بالمدارس التابعة للإدارة (المدير/المديرة والوكيل/ والوكيلة) وفق الضوابط وبالتنسيق مع إدارة شؤون المعلمين/المعلمات.
  • متابعة مستوى أداء الإدارة المدرسية بالمدارس، والمعلمين/ المعلمات، ومحضري/ محضرات المختبرات، ومحضري/محضرات معامل الحاسب الآلي، والعمل على تطويرهم بالتنسيق مع إدارة التدريب التربوي، مع مراعاة مهام مكاتب الإشراف التربوية الفرعية.
  • تنظيم وإجراء المقابلات الشخصية لخريجي الجامعات والكليات المتقدمين للتدريس في (مدارس التعليم العام، ومدارس رياض الأطفال، ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، ومدارس برامج محو الأمية، ومعاهد وبرامج التربية الخاصة).
  • معالجة العجز من المعلمين / المعلمات، والإداريين /الإداريات في المدارس التابعة للإدارة والناتج عن الإجازات أو الحالات الطارئة وتسديده، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.
  • التأكد من تفعيل المواد التعليمية والوسائل والمختبرات والتقنيات التربوية في بيئات التعليم من خلال الزيارات الميدانية لعينة من المدارس.
  • التأكد من توزيع المواد الدراسية على المعلمين/ المعلمات، وتوزيع المقررات المدرسية على الأشهر الدراسية، ومتابعة سير الدراسة وفق جدول التوزيع من خلال الزيارات الميدانية لعينة من المدارس التابعة للإدارة.
  • التنسيق مع المشرفين التربويين/ المشرفات التربويات التابعين للإدارة ولمكاتب الإشراف التربوية الفرعية (داخل المدينة) لانتقاء كل ما يتعلق بالأساليب الحديثة لتطوير عمليات التعليم والتعلم، والأساليب الإشرافية المناسبة، وتبادل الخبرات فيما بينهم.
  • المشاركة مع الجهات ذات العلاقة في تقويم عمليتي التعليم والتعلم في المراحل الدراسية المختلفة ووضع الخطط لتحسينها.
  • تنظيم المعاملات والمعلومات الخاصة بالإدارة وشعبها وحفظها بشكل يساعد على استخراجها بيسر وسهولة.
  • إعداد التقارير الدورية والفنية عن سير العمل الإشرافي التربوي، وعن نشاطات وإنجازات الإدارة وشعبها ومعوقات الأداء فيها وسبل التغلب عليها ورفعها للمساعد(ة) للشؤون التعليمية..

إلى غيرها من العمليات التي تهم مراحل العملية التعليمية على مستوى التخطيط، التدبير، التقويم والتتبع، للمعلمين من أجل الوصول معهم إلى أقصى حد ممكن من الجودة وتحقق الأهداف والوقوف عند التعثرات والمشاكل التي تواجههم في سبيل ذلك، والعمل معهم على معالجتها، وذلك في إطار أساليب إشرافية متعددة ومتنوعة كالزيارات الصفية والدروس النموذجية والاجتماعات واللقاءات والبحوث التربوية وغيرها (الطواري، 2018).

ويقوم الإشراف التربوي في المملكة العربية السعودية على ثلاثة مستويات من التدخل، الأول يتمثل في الوزارة التي تضع الخطط العامة للإشراف التربوي على مستوى إدارات التعليم، أما الثاني فيكون على مستوى إدارات التعليم، من خلال إدارة الإشراف التربوي أو مركز الإشراف التربوي، وفيه يكون الإشراف شبه اليومي للمعلمين في مدارسهم. أما المستوى الأخير فهو الذي تتولاه الإدارة المدرسية ممثلة في مديرها بالإشراف على المعلمين الذين يشتغلون معه في نفس المؤسسة التعليمية (الشهري، 2014).

لكن واقع الاشراف التربوي في الميدان يعرف مجموعة من المشاكل والتحديات التي تحول بينه وبين الغاية التي وضع من أجلها، أو على الأقل يجعل المطلوب منه لا يتحقق بشكل كامل. وهذا ما رصدته مجموعة من الدراسات في المملكة، فقد وجد الجهني (2020) أن مشكل انعدام أو ضعف التواصل والاتصال الإداري في المؤسسات التعليمية يحول دون تبادل فعّال للمعلومات والبيانات الخاصة مع هيئة الاشراف التربوي من أجل الاستفادة منها وتدقيقها واتخاذ قرارات إجرائية بشأنها. كما أن هناك إشكاليات أخرى ترتبط بعدم الإشراك الفعلي للميدان في بناء الخطط الإشرافية لدى جهاز الوزارة، وانتهاء أثر الزيارات الإشرافية بمجرد انتهائها، نظرا لانعدام المتابعة (الفنتوخ، 2017). كما أن دراسة المشعل (2019) خلصت إلى أن ميدان الاشراف التربوي في المملكة يواجه العديد من المعوقات، منها ما هو مرتبط بالجانب المالي من خلال قلة الوسائل التعليمية في المؤسسات التربوية، وعدم وجود تحفيز للمشرفين والمعلمين، ومنها ما هو تربوي ومهني يرتبط أساسا بضعف الكفاءة ومقاومة التغيير لدى البعض وقلة الدورات التدريبية للمشرفين التربويين والمعلمين.

هذا بالإضافة لما هو مرتبط بالسياق العالمي والتحديات المرتبطة بتطور نظم التعليم المتسارع وعدم مواكبة الاستراتيجيات الوطنية على مستوى التأهيل المهني للمعلمين للمتطلبات التقنية والمهارية وحاجيات سوق الشغل، في ظل نظام للإشراف يمتاز بالجمود وعدم التحيين لآلياته وطرق عمله، وهذا ما جعل المملكة في إطار رؤية 2030 تضع مجموعة من التوجهات لتطوير التعليم بالمملكة وجعل الإشراف التربوي في مستوى التحديات والحاجيات المعاصرة.

2- مستقبل الإشراف التربوي 

إن العمليات التربوية التي تهدف إلى تربية النشء وتحقيق الأهداف التعلمية والغايات الفلسفية للتربية، لا يمكن ولا يجب أن تظل ثابتة مستقرة، فهي محكومة بالتغيّر المستمر من أجل مواكبة التطورات ومسايرتها. ولعل الإشراف التربوي أيضا خاضع لهذا المنطق. فلا بد أن يتطور من أجل تحقيق تطوير الموقف التعليمي والتعلمي بالمدرسة وتقويمه لضمان فاعلية الأداء التربوي والتعليمي.

ومن أجل ذلك وضع تصور لمستقبل الإشراف التربوي لا يمكن أن يتم بمعزل عن القفزة التكنولوجية التي غزت العالم، فالإشراف التربوي مستقبلا سينبني على استعمال هذه التكنولوجية الحديثة عبر منصات للتعليم عن بعد والتكوين المستمر عبر “الاستفادة من التقنيات التكنولوجية في تدريب المشرفين من أجل انعكاسها وتوظيفها في مجال الاشراف التربوي على المعلمين” (الفايز، 2019، ص. 434). فالإشراف التربوي الإلكتروني هو أحد ملامح مستقبل الإشراف الفعال الذي يستثمر التكنولوجية الحديثة لحل أهم المشاكل المتعلقة بقلة المشرفين التربويين، وتعزيز قنوات التواصل وتنويعها (أحمد، دت).

وقد أعطت الرؤية الملكية 2030 أهمية كبيرة لإصلاح التعليم، والإشراف التربوي أحد أهم مداخل هذا الإصلاح، وذلك من خلال خمس مرتكزات أساسية، وهي حسب القحطاني (2020):

  • المرتكز الأول: الكفاءة والخبرة والمقومات الشخصية التي لابد أن تتوفر ويتم تنميتها في المشرف التربوي للقيام بدور الإشراف على أكمل وجه.
  • المرتكز الثاني: اعتبار الخصائص العامة والأهداف المعاصرة للتعليم في ظل العولمة ومجتمع المعرفة.
  • المرتكز الثالث: الاستفادة من التجارب العالمية في مجال الإشراف التربوي واستثمارها وطنيا حسب ملاءمتها.
  • المرتكز الرابع: تبني وتفعيل مخرجات الدراسات التي أجريت حول الموضوع والعمل على إنزالها على أرض الواقع.
  • المرتكز الخامس: اعتماد آليات في اختيار المشرفين وفق منظور رؤية 2030، وبرنامج التحول الوطني 2020.

كما أن غايات الإشراف التربوي لابد أن تتغير لتبتعد قليلا عن التقويم المعرفي. فمع هذا التطور الرقمي أصبحت المعلومة متاحة ولا يملكها فقط المعلم والمشرف، وبالتالي فدور المدرسة الجديد هو التربية على المهارات والقيم وعلى الاختيار والتوقع، أكثر مما هو على اكتساب المعارف وحفظها. فالمشرف لابد أن يُجدد تقنيات العمل ويوجِّهها نحو تنمية المهارات التواصلية أكثر من أجل مد جسر بين جيل المتعلمين وجيل المعلمين. وهذا العمل ليس يسيرا في ظل هذا الشرخ الذي بدأ يتسع بين الجيل الحالي والأجيال السابقة.

إنه إذن اشراف تكاملي يسعى للعمل التشاركي الديموقراطي بعيدا عن عقلية التفتيش القديمة. إشراف تربوي فني يسعى لخلق مجموعة من وضعيات التعليم والتعلم مع كل شركاء التربية والتعليم وليس فقط المعلمين. إشراف أصيل ينطلق من التراث والقيم ويبحر في عالم المعرفة من أجل تقديم كل ما يلزم من كفايات واستشارات وتدريبات. كما لابد أن يكون منفتحا على الأراء الأخرى والخبرات المختلفة من المعلمين والمديرين وعلماء التربية.

وفي إطار هذا المد الكبير لمبادئ المقاولة على التربية والتعليم وتأكيدها على نجاعتها في المجال التربوي، سيكون على الإشراف التربوي أن يستمد أيضا هذه المبادئ في عمله وذلك عبر العمل بالمشاريع، سواء مشاريع المؤسسات التعليمية أو مشاريع الفصول أو المشروع الشخصي للمعلم. وذلك لخلق نسق محدد الأهداف والغايات والنتائج المنتظرة، ويحفز الشركاء والفاعلين لتحقيق أهداف المشاريع التربوية تلك.

خاتمة

وهكذا فالإشراف التربوي في المملكة العربية السعودية كغيرها من الدول أثبت أهميته وضرورته من أجل الربط بين مدخلات المناهج التعليمية ومخرجاتها ، وبأنه المساعد الأول للمعلم من أجل تحقيق الأهداف التربوية العامة والخاصة. لكن وفي إطار السيرورة التاريخية لهذا النظام، ومن خلال ملامح المستقبل لابد أن يخضع هذا الاشراف للتطور سواء على مستوى الخلفيات النظرية أو الوسائل المعتمدة أو الأهداف والأدوار المنوطة به.

لائحة المراجع والمصادر:

  • أحمد، محمد علام. (دت). فوائد استخدام التقنيات الحديثة وتطبيقاتها في الإشراف التربوي. مجلة الدراسات العليا. ع:1. 293-318.
  • آل ناجي، محمد بن عبد الله. (2016). الإدارة التعليمية والمدرسية، نظريات وممارسات في المملكة العربية السعودية. منشورات رفد للاستشارات الإدارية والتربوية – المملكة العربية السعودية. ط:7.
  • الجهني، ماجد سعيد فنيقش. (2020). تصور مقترح للتغلب على معوقات الاتصال الإداري في المدارس الابتدائية بالمملكة العربية السعودية في ضوء اتجاهات الإشراف التربوي المعاصرة. مجلة البحث العلمي في التربية. ع: 21. 111- 134.
  • الشهري، خالد بن محمد. (2014). تجديد الإشراف التربوي. مكتبة الملك فهد الوطنية. المملكة العربية السعودية.
  • الطواري، عدنان ناصر محمد. (2018). الإشراف التربوي: مفهومه ونطاقه وطبيعته وأنواعه. مجلة علوم الرياضة وتطبيقات التربية البدنية. ع: 8. 108-119.
  • الفايز، عبير عبد الرحمان. (2011). معوقات الإشراف التربوي في المملكة العربية السعودية. مجلة البحث العلمي في التربية. ع: 20. 425- 436.
  • الفنتوخ، عبد الله بن عبد الرحمان. (2017). واقع تقويم الأداء الإشرافي من وجهة نظر مديري إدارات الإشراف التربوي بإدارات التعليم في المملكة العربية السعودية. مجلة العلوم التربوية. ع: 10. 167- 230.
  • القحطاني، عبد الهادي ناصر عبد الهادي. (2020). تطوير معايير اختيار المشرف التربوي بالمملكة العربية السعودية في ضوء رؤية 2030م. المجلة العربية للعلوم التربوية والنفسية. م:4، ع: 13. 125-149.
  • المرشود، أشواق عبد العزيز سليمان، العوهلي، خالد بن ناصر. (2020). واقع أداء معلمات التربية الفنية في المرحلة المتوسطة في ضوء معايير الإشراف التربوي في الرياض. مجلة كلية التربية ببنها. ع: 123. ج: 4. 109-140.
  • المشعل، مريم محمد فرحان. (2019). الإشراف التربوي بين معوقات الواقع وحلول للمأمول. مجلة دراسات عربية في التربية وعلم النفس (ASEP). ع: 116. 459-478.
  • وزارة التعليم السعودية (2020). الإشراف التربوي، على موقع الإدارة العامة للتعليم بمحافظة جدة: https://edu.moe.gov.sa/jeddah/Departments/AffairsEducationalAssistant/Pages/EducationalSupervision.aspx

البحث في Google:






كاتب المقال

أمل محمد دخيل الله الحافظي  
كتب ما مجموعه 1 مقالات اضغط هنا لقراءتها

طالبة ماستر قيادة تربوية (سياسة تعليم)، ومعلمة لغة عربية - المملكة العربية السعودية





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *