الرئيسية » إرشادات » العبور الآمن لدورات انكماش الاستثمار في التعليم و التربية

العبور الآمن لدورات انكماش الاستثمار في التعليم و التربية

من الرؤى النهضوية المتوازنة التي تساعد على تفعيل الطاقات المتاحة في مشاريع التنمية، الرؤية القائلة: “إن مشاريع نهضة الأمم لابد أن تُترك فيها مساحات وأدوار للمجتمع ومؤسساته”، ومن أهم مجالات التنمية المعاصرة في العالم العربي التي طُبِّقت فيها هذه الرؤية مجالُ التعليم؛ فبجانب وجود التعليم الحكومي الرسمي وُجِدَ أيضا التعليم الأهلي الذي أحدث في العقود الزمنية الأخيرة تطورا كبيرا في آليات ووسائل التعليم والتعلُّم، وهو ما جعل بعض الباحثين المعاصرين يتعاملون مع (التعليم الأهلي) بالجملة على أنه إحدى مؤسسات المجتمع التي يمكن أن تلعب دورا رئيسا في التطوير والنهضة.([1])

وعلى نقيض ما سبق لا يمكن أن نتجاوز وجود رؤية أخرى تعتبر التعليم الأهلي في العالم العربي -نتيجة بعض الممارسات الخطأ من بعض المؤسسات التعليمية الأهلية- مجرد مؤسسات ربحية هدفها جمع المال فحسب!؛ فلا تاريخ لها ولا إسهامات في تطوير العملية التعليمية بها!

والحقيقة أن التعميم في الرأي المذكور آنفا غير مقبول؛ فلا يُعرف مانع شرعي أو قانوني معاصر يحرم الاستثمار في مجال التعليم؛ بل إن المتأمل لمنظومة القطاع الخاص في التعليم الأهلي بالجملة في بعض الدول؛ يجد أن لهذا التعليم إسهامات كبيرة في التقدم التعليمي بل والعلمي، كما أنه كان بالفعل شريكا فاعلا للتعليم الحكومي في الرقي بالعملية التعليمية، كما نجد مؤسسات تعليمية استثمارية ومستثمرين فضلاء استثمروا في بناء الإنسان قبل أن يستثمروا في تنمية الأموال، فخرَّجوا أطرا (كوادر) تعليمية رائدة، وطلابا نابهين بلغوا درجات عالية من العلم، وبالتالي فلا يمكن تعميم القول السيء في تعليم القطاع الخاص الأهلي؛ ففي ذلك ظلم وإجحاف.

كما أنه بالإمكان عمليا -حالة توافر تقوى الله عز وجل، وابتغاء مرضاته، وتغليب الأفكار الإنسانية على الأفكار المادية- الجمع بين الاستثمار المؤدي للربح المادي المعقول وبين تقديم خدمة تعليمية تربوية ناجحة ومميزة، وما تجربة بعض المدارس الإرسالية في عالمنا العربي عنا ببعيد، وذلك مع الفارق طبعا بين مآرب التعليم الأهلي المعاصر بما له وبما عليه، وبين مآرب المدارس الإرسالية في العالم العربي والتي حامت حولها الكثير من الشبهات.([2])

وعلى أي حال؛ فإن أي مشروع استثماري قد يمر في وقت من الأوقات نتيجة عوامل خارجية أو داخلية بما يسميه الاقتصاديون: “دورة انكماش “، والتعليم الأهلي من حيث كونه مشروعا استثماريا قد يمرُّ أحيانا بتلك الدورة؛ فتتأثر خدماته التعليمية التربوية، وتتأثر تبعا لذلك إسهاماته المجتمعية، وهو ما يتوجب على المستثمرين فيه تمرير تلك الدورة بأمان، فمجرد المرور منها وبقاء الشركات وعدم انهيارها هو في حد ذاته مكسب، وذلك يتطلب عددا من الاستعدادات والاستراتيجيات سنعرض أبرزها في هذه المقالة.

وأحب أن أقرر هنا أن الأغراض التي تروم هذه المقالة تحقيقها هي في الأساس أغراض معرفية، فهي لا تروم مناقشة جدليات فكرة الاستثمار في التعليم سلباً أو إيجاباً، معه أو ضده، فقد كثرت الدراسات في ذلك؛ وإنما تروم هذه المقالة النظر إلى الواقع كما هو من حيث اكتشاف كُنْهِ جملة من المحفزات على جذب وتشجيع الطلاب وأولياء أمورهم للاستمرار في مدارس التعليم الأهلي، وعرض بعض الأفكار لتمرير أي دورة انكماشية محتملة قد تعاني منها بعض شركات التعليم الأهلي، بل واستمراره كرافد معاصر من روافد التربية والاستثمار والاقتصاد المعرفي وبناء ثروة بشرية واعية تسهم في إدارة وتشغيل التنمية ويستفيد منها سوق العمل الوطني.

باختصار، يمكنني أن أقدم هنا لشركات التعليم الأهلي أطروحة موجزة  مفادها ما يلي:

– أولا 

عدم الاعتماد على الصيارفة وكبار الموظفين فقط في التعامل مع الأزمات؛ بل يتم تشكيل “فريق إدارة أزمة” من العاملين في أي شركة تعليمية حالة حدوث أي تعثرات اقتصادية في الشركة؛ بحيث يضم الفريق كبار الموظفين في الإدارة والمالية والموارد البشرية والعلاقات العامة والإعلام؛ بالإضافة إلى صاحب فكر تربوي، وآخر صاحب فكر إداري([3])، وثالث صاحب فكر اقتصادي([4])؛ ليقوم الفريق بإدارة الأزمة بطريقة أكثر كفاءة من حيث التكلفة واستثمار الموارد لتجاوز أوقات الانكماش بأمان دون إشاعة جو من اليأس والإحباط والفزع الوظيفي بين منسوبي الشركات التعليمية؛ بل وتحقيق أعلى وأفضل الأرباح عندما تبدأ دورة الازدهار التي غالبا ما تعقب أي دورة للانكماش في اقتصاد الشركات.

– ثانيا 

العمل على إعادة الهيكل الوظيفي للشركة على أسسٍ مهنية واقعية تُلبي متطلبات واحتياجات الخدمات المقدمة لكل طالب وطالبة؛ فيتم توزيع الوظائف وتحديث مهامها داخل نظام العمل التربوي بحيث لا يتم المساس بالخدمة التعليمية/التعلُّمية أو تقليصها، بل تتم زيادتها وإعلاء جودتها؛ وهذا يعني أنه في أوقات الانكماش بقدر ما قد تكون هناك حاجة للاستغناء عن وظائف مساندة([5]) لا علاقة لها بعملتي التعليم والتعلُّم أو الإشراف عليهما، ولا تُفقد الشركة كوادرها التعليمية المميزة الذين هم جزء حقيقي من رأس مالها؛ بقدر ما قد تكون هناك حاجة ضرورية لاستحداث وظائف جديدة أو التوسع في وظائف قائمة مؤثرة في تسيير العمل والإشراف عليه، ورفع كفاءة الخدمات التربوية المقدمة، وتحقيق نواتج تعليمية فائقة؛ بحيث تكون المحصلة النهائية تقليل النفقات العامة مع زيادة الخدمة، أو على الأقل رفع كفاءة سير العمل التعليمي والتربوي مع عدم زيادة الإنفاق.

– ثالثا 

تضافر جهود عدد من الشركات التعليمية الكبرى على القيام بحملات دعائية توجيهية غرضها حث المجتمع على الانتفاع بالخدمة التعليمية التربوية التي تقدمها مدارس هذه الشركات؛ بحيث تعمل تلك الحملات على جذب القطاع المجتمعي الذي يساوي بين الصحة والتعليم في إنفاقاته؛ وجذبه نحو التعليم في المدارس الأهلية، وكذلك تشجيع القطاع المجتمعي الذي يجعل الإنفاق في التعليم تاليا للإنفاق على الصحة؛ وتشجيعه على رفع مستوى إنفاقه على التعليم ليكون مساويا لإنفاقه على الصحة.

– رابعا 

تقديم الشركات التعليمية الكبرى من خلال مكاتب الإشراف التربوي خدمة تعليمية تربوية رائدة ومغنية عن الاستعانة بالمدرس الخصوصي، وهو ما يجعل القطاعات المجتمعية متوسطة الدخل تتوجه نحو التعليم الأهلي -حالة وجود تلك الخدمة الرائدة- اكتفاءً به واستغناءً عن المعلمين الخصوصيين.

– خامسا 

عمل كل شركة تعليمية من خلال الإشراف التربوي والقيادة الإدارية بها على إيجاد خدمات تعليمية تربوية متنوعة متفاوتة المستوى المادي داخل مدارسها، وتعريف أولياء الأمور بذلك، وهو ما يضمن لهذه الشركات -خاصة إذا كانت ذات أسماء تجارية كبرى- إعادة توزيع داخلي للطلاب أثناء أوقات الانكماش.

– سادسا 

تقديم الشركات التعليمية الكبرى عروضا ترويجية ومنحا للدراسة فيها؛ بحيث تعمل هذه العروض على جذب قطاعات جديدة؛ فتجذب الطلاب أصحاب التميُّز النوعي في التحصيل الدراسي أو المواهب العلمية والأدبية وحفظ القرآن الكريم وغير ذلك، وهو ما يقدم في النهاية صورة مشرفة للمخرجات التعليمية لهذه الشركات.

– سابعا 

دعم تنوع نُظُم التعليم الموجودة بالفعل داخل الشركات التعليمية([6]) أو استحداث نظم جديدة، وتقديم الإشراف التربوي خدمات تعليمية وتربوية رائدة لكليهما.

– ثامنا 

التوسع  في موارد التعليم التكنولوجية المفتوحة ([7]) وتحسين جودتها وكفاءة التعلم من خلالها؛ سواء كانت متزامنة أو غير متزامنة؛ كالفصول الافتراضية، ومنصات التعلُّم، ومنتديات النقاش؛ و(الفيديو التفاعلي)، والشبكة النسيجية، وغير ذلك؛ لنصل في النهاية إلى تصميم تعليمي ([8]) مؤثر في نجاح برامج التعليم والتعلُّم.

– تاسعا 

تقديم عروض ترويجية على أسعار التعلُّم عن بُعد؛ فذلك التوسع غالبا ما يوسع محيط دائرة الطلاب الملتحقين بكل مدرسة، وهو ما يعني جذب عدد من الطلاب والطالبات أكبر.

– عاشرا 

إعداد منظومة مهنية تصاعدية للحوافز والمكافآت المادية تقوم على معايير خاصة أساسها تقييم الموظف على أدائه وإنتاجه المتميز وليس الاعتيادي؛ فتربط الحصول على الحافز بتحقيق إبداعات متعلقة بالخدمة التعليمية والتربوية، كما تربطه أيضا بزيادة أعداد الطلاب المسجلين في الشركة أو المحافظة على عددهم بلا نقصان على الأقل.

– حادي عشر 

فتح الشركات التعليمية آفاقا تشغيلية جديدة عن طريق تميزها في الإدارة وفي إشرافها التربوي؛ فمازالت بعض الشركات الاستثمارية الكبرى التي تمتلك مدارسا مخصصة لأبناء العاملين فيها تطرح عقودا مميزة لتشغيل هذه المدارس، كما أن وزارة التربية والتعليم ربما تطرح عقودا تشغيلية لبعض مدارسها التي تهدف إلى النهوض بها، وذلك كله يمكن أن يكون روافدا تشغيلية جديدة للشركات التعليمية الاستثمارية.

وأخيرا

فإنني أود أن أقرَّ بأن هذه الأطروحة لن تقطع كل نزاع وتفض كل جدل حول كيفية قيام الشركات التعليمية بالعبور الآمن للدورات الانكماشية، ولكنها ستبقى محاولة لتحديد وعرض أبرز المداخل المنهجية التي ينبغي مراعاتها لجعل بعض شركات التعليم الأهلي تُبقي على مستوى معين من النجاح، وتٌحقق الهدف المأمول منها على مستوى المستثمرين فيها، وعلى مستوى تقديم خدمات تعليمية تربوية تعود بالنفع والخير على تنمية المجتمع أيضا.

الهوامش

([1]) أصحاب هذه الرؤية لا يعيرون اهتماما لبعض الممارسات المتجاوزة من بعض المتطفلين على مجال الاستثمار في التعليم.

[2])) من أمثلة ذلك مدرسة (فكتوريا كولدج) (Victoria College) التي أُنشِئَت في مدينة الإسكندرية عام 1902م، واحتوت استثمارات ليهود مصريين آنذاك؛ حيث استمرت تلك المدرسة لفترة زمنية طويلة في تحقيق ربحية مرتفعة علاوة على تقديم خدمة تعليمية متميزة ومنجزة جعلت بعض أبناء الحكام والسياسيين والتجار في العالم العربي يلتحقون بالدراسة فيها.

[3])) صاحبا الفكر التربوي والإداري لن يكونا مجرد موظفين ينفذان ما يُطلب منهما بل سيكون لديهما رؤية ونظرة للأمور تمكنهما من التعامل مع أي مستجدات وإشكاليات طارئة؛ بل والتغلب الآمن عليها بلا ضرر بالغ على المستوى القريب أو البعيد.

[4])) الصيارفة في الأعم الأغلب أهم ما يعنيهم عدُّ المال عند خروجه وعند دخوله، وذلك يجعلهم أميل لتعقيد الإنفاق مهما كان الداعي له، وهو ما يسهم في تسريع وتيرة الانكماش! أما المفكرون الاقتصاديون فهم الذين يعلمون متى وأين وفِيمَ ينفقون المال، ليتم في النهاية جني الأرباح جرَّاء ذلك الإنفاق.

([5]) هي الوظائف الإدارية التي لا تتعامل مباشرة مع الطالب ولا تشرف أو تدير عمليتي التعليم والتعلُّم.

[6])) من أمثلة هذه النظم: نظام المقررات، نظام المناهج، نظام مسار اللغة الإنجليزية، نظام المنتسوري، وغير ذلك.

([7])  يطلق على الدمج بين إستراتيجية التعلم المباشر في الصفوف التقليدية مع أدوات التعليم الالكتروني اسم التعليم المدمج أو المتمازج أو المخلوط.

([8]) التصميم التعليمي هو ذلك العلم الذي يتم من خلاله الربط بين نظريات التعليم والتعلم وبين تطبيقاتها في الواقع والذي من خلاله يتم تكوين حلقة اتصال بين النظريات التربوية وبين التكنولوجيا الحديثة.

ان عملية التصميم التعليمي هي فرع من فروع المعرفة التي تهتم بالبحث في النظريات المتخصصة في استراتيجيات التعليم وعملية التطوير والتنفيذ لهذه الاستراتيجيات.

ويمكن تشبيه عملية التصميم التعليمي كما يرى ) الموسى والمبارك ، 5002 م ( بأنه يشبه المخطط (الكروكي (لما يجب أن تكون عليه عملية التدريس بجميع مكوناتها.

إن عملية التصميم التعليمي تساعدنا على أن نقوم بالعملية التعليمية بطريقة لعل كل جزء منها يستند على بعضه بعضا، بحيث تكون مخرجات كل عملية مدخلات للعملية التي تليها، أي تحديد أهدافنا بناء على المشكلات التي تواجهنا، كما نعمد الى اختيار الاستراتيجية والتقنية الملامة لهذه الأهداف؛ ثم نقيس مدى تحقق هذه الأهداف من أجل عمليات التحسين والتعديل الكاملة، ومن ثم نقوم بتجميع ذلك وضمه في قالب واحد حتى نحصل على المنتج النهائي.

انظر: زيتون، د. حسن حسين (تصميم التدريس.. رؤية منظومية) عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط2/ 2001م

البحث في Google:






كاتب المقال

د. تامر طه بكر  
كتب ما مجموعه 1 مقالات اضغط هنا لقراءتها

كاتب وباحث مصري، حاصل على درجة دكتوراه دراسات المجتمع والتربية – تخصص الإرشاد الأسري- (جامعة القاهرة)، زميل غير متفرغ لعدد من المراكز البحثية والتربوية في القاهرة والرياض، له العديد من الدراسات البحثية المنشورة عبر بعض دور النشر وبعض الدوريات والمواقع الإلكترونية الرصينة.





2 تعليقان

  1. السيد سالم

    رفع الله قدركم وبارك فيكم وفي علمكم

  2. شاكر مأمون

    بارك الله فيك د.تامر
    دراسة رائعة
    نفع الله بعلمكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *