الرئيسية » مفاهيم » القوة الناعمة و آليات استخدام التعليم كقوة ناعمة
القوة الناعمة

القوة الناعمة و آليات استخدام التعليم كقوة ناعمة

مقدمة:

يعتبر مصطلح القوة الناعمة من المصطلحات الحديثة نسبياً، فقد أطلقه صاحبه “جوزيف ناى” لأول مرة عام 1990 وسرعان ما انتشر استخدام هذا المفهوم. ويمنح مفهوم القوة الناعمة قوة نظرية وتطبيقية هائلة، لأنها توفر قواعد أساسية لقياس ظواهر عديدة يصعب قياسها عن دور الدول وقدرتها على تحقيق النفوذ. فمن خلال التقارير العالمية للقوة الناعمة يمكن معرفة ترتيب الدول الأكثر تقدماً في مؤشرات القوة الناعمة على مستوى العالم. (جوزيف ،2013،8)

و تختلف القوة الناعمة عن القوة الصلبة المادية، والمعنى واضح فاعتماد الدول على القوة الناعمة يتمثل في الهيئات والمؤسسات غير الحكومية، مثل الشركات المتعددة الجنسيات ومنظمات المجتمع المدني، بينما استخدام القوة الصلبة يتم بالاعتماد على كل عناصر القوة المادية الموجودة داخل الدول لفرض النفوذ والوصول إلى الغايات والأهداف المنشودة.

انتشر مفهوم القوة الناعمة في التعليم بشكل ملحوظ في هذه الآونة، حيث لا يزال يشكل جزءا مهما من معادلة التعليم الدولية، وأصبح هذا المفهوم منطلقاً مهماً للمشاركة الدولية في التعليم وتعزيز التبادلات الدولية بين الدول وبعضها البعض، والتعاون في مجال التعليم خاصة بين الدول التي تفتح أبوابها للطلاب من جميع دول العالم.

و تساعد مؤسسات التعليم الطلاب على معرفة ثقافات الشعوب الأخرى، و مساعدة الطلاب في التعبير عن دولهم وثقافاتهم، وفي نفس الوقت التعرف الفعلي على ثقافات الدول المضيفة، ويؤدى ذلك إلى زيادة جاذبية تلك الدول لدى عودة الطلاب إلى بلادهم مما يدعم القوة الناعمة للبلاد. (إبراهيم ،2017،51)

إن تزايد الضغوط على مؤسسات التعليم لإعداد خريج للعمل في إطار إقليمي ودولي يتطابق مع قواعد العولمة ومجتمع المعرفة من أهم الغايات التي تبحث عنها مؤسسات التعليم، ومن هنا يتم الاعتماد على التعليم كقوة ناعمة. فهيا بنا لنعرف ما دور التعليم في القوة الناعمة للدول والآليات التي تجعل من التعليم قوة ناعمة حقيقة.

تعتبر الجودة المتميزة في التعليم أحد العوامل التي تبني القوة الناعمة للبلاد في العلاقات الدولية، فدور التعليم في المكانة الدولية وفهم بلد ما قد زاد بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى التحولات الرئيسية في الاقتصاد العالمي وقيم التحول الحادثة في الوقت الراهن.

أدى التحول الاقتصادي إلى حدوث ثورة معرفية تتضاعف في كل  لحظة، الغرض منها هو جمع الأموال سواء عن طريق إتاحة المعرفة للكل، عن طريق مواقع الإنترنت والربح من وراء هذا، أو عن طريق التجارة بالمعرفة، مثل الجامعات التي تعطى الشهادات عن بعد ولا تكون عندها مصداقية.

أصبح التعليم أكثر أهمية في سياق التحول إلى اقتصاد المعرفة، ويجعله شرطًا ضروريًا و يعتبر أحد العوامل الكثيرة للنمو الاقتصادي والقدرة التنافسية الاقتصادية. والتعليم هو أيضًا عنصر مهم ولكن نادر الحدوث في بناء الدولة.

والتعليم الجيد ليس فقط عاملاً هامًا للقدرة التنافسية الاقتصادية العالمية، بل إنه يلعب أيضًا دورًا رئيسيًا في تعزيز مثل هذه القيم، وتمكين المجتمعات والأفراد المحرومين.

أصبح التعليم أكثر أهمية، لا سيما مع تنامي أهمية المعرفة في عملية العولمة حيث  يصبح العالم نفسه أكثر متخطياً للحدود، نظرًا لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتقدم العلمي والانتشار العام للوعي بأهمية المعرفة عبر الحدود.

التعليم ضروري للحاق بركب سباق المعرفة، على التعليم أن يتجاوز متطلبات سوق العمل، ويعكس التحول إلى القيم ما بعد المادية، و يمكن أن تكون هذه التأثيرات مصدرًا لجاذبية الأقطار بالنسبة إلى الدول الأخرى، وبالتالي بناء قوتها الناعمة. وبالنظر إلى الجوانب التحولية الموصوفة في الحياة الاجتماعية ، فالتعليم أصبح عاملاً مهمًا بشكل متزايد.

الجانب التعليمي من القوة الناعمة للدول يتحقق بوضوح الهدف، لذا يجب النظر إلى ما يلى:

أولاً- إلى سياسة التعليم الناجحة والدبلوماسية العامة في التعليم، أي أننا ننظر إلى جوانب مختلفة من التدويل المتزايد للتعليم، والتنقل، والترقية، وكذلك أمثلة على استخدام التعليم كقوة ناعمة خارج حدود الدولة.

 ثانياً-  نقوم بتحليل مكاسب القوة الناعمة من التعليم، كناتج وتقنيات.  ليقودنا التحليل التجريبي إلى وضع تصور للقوة الناعمة التعليمية، ويظهر أنها تعمل من خلال ثلاث آليات: باعتبارها حاملة للقيم الأصلية، والتي قد تكون جذابة للجمهور الأجنبي  كمصادر، ثم نقوم بعرض مفهوم خاص على تفعيل الجانب التعليمي للقوة الناعمة.

إن القوة الناعمة الدولية يمكن أن تؤدي إلى النجاح في مجال التعليم وقد تحقق هذا النجاح لأسباب بحتة ولم يتم متابعته بنشاط من أجل بناء قوة ناعمة ناجحة للتعليم الجيد،  و يمكن استخدام التعليم أيضًا كأداة مقصودة لتعزيز القوة الناعمة، وهو مفهوم تميز بوضوح مصادر وآثار الجذب.

تكمن قدرة الطلاب في نفس الوقت على بناء القوة الناعمة والتأكد من ذلك. ومفهوم القوة التعليمية الناعمة يعمل عبر ثلاث آليات  كما هو مبين في (الشكل رقم 1) (خالد ،2018،120)

أولاً-  التعليم يبني القوة الناعمة لأنها حاملة لقوامه، والتي قد تكون جذابة للجماهير المستهدفة. و من بين القيم التي تم تعريفها: الحداثة، والمساواة، والحياة الجيدة، والقدرة التنافسية.

ثانياً-  تتولد هذه القوة عن الموارد التي تمتلكها الدولة، والموارد المرئية بشكل خاص في النهاية، و هي نوعية التعليم الذى يحظى به نظام مستوى التحليل الداخلي.

ثالثاً- يمكن العثور على البعد الثالث للقوة الناعمة التعليمية عندما تستخدم الدولة التعليم كأداة لتحقيق أهداف معينة في السياسة العامة. على سبيل المثال: في حالات سياسات التنمية الناجحة، والمعرفة والتعليم والمعونة أو المساعدات الخارجية للتنمية من وجهة نظر محايدة

القوة الناعمة

الشكل رقم (1) نموذج لمفهوم التعليم كقوة ناعمة

تعد القوة الناعمة التعليمية فكرة مثيرة للاهتمام لإجراء مزيد من الدراسات، حيث إن المقارنات الدولية للبلدان والأنظمة السياسية تهتم بشكل متزايد بجودة الحياة والتقدم الاجتماعي والتنمية والسعادة، و ينصب التركيز هنا على عكس مقاييس القوة الصلبة التي تركز حصريًا على العوامل المادية فقط.

الأسس التي تقوم عليها القوة الناعمة  

ساعدت تكنولوجيا الاتصالات الحديثة على كسر الحواجز الجغرافية التي كانت تقف حائلاً أمام التواصل، و من هنا نشأت فكرة شبكات التعارف والمحادثات بين جميع أفراد العالم ككل، والتي ساهمت بشكل كبير في تشكيل وعي الأفراد، ولذلك كان الاهتمام بالقوة الناعمة غير المباشرة أو القدرة على التأثير على الآخرين، وذلك ما يعرف بالقوة الناعمة وهو نتاج طبيعي لذلك.

تمثل القوة الناعمة للتعليم دوراً مهماً في مساعدة الدولة على تطوير وتحسين مؤسساتها وسياساتها الداخلية والخارجية، وذلك من خلال التعرف على فاعلية النظم الاجتماعية داخل الدولة ومدى كفاءتها. فالتعليم هو أساس بناء القدرات والارتقاء بالمجتمع وتدعيم عناصر القوة الناعمة. (اليونسكو ،2004،48)

و تولي الدول الاهتمام بالتعليم باعتباره أفضل وسيلة لتعزيز مصالحها الوطنية على الساحة العالمية، وكأداة فعالة للقوة الناعمة، حيث يستطيع التعليم أن يلعب دوراً مهماً وفعالاً في القوة الناعمة من خلال تدويل التعليم، والذي يعزز من شعبية ومكانة الدولة بين الدول الأخرى، بالإضافة إلى نشر ثقافتها وزيادة شعبيتها وتكوين صور إيجابية عن طريق الطلاب الذين يعتبرون سفراء غير رسميين لبلادهم في الخارج.

العوامل التي توضح الدور الذي يلعبه التعليم للارتقاء بالفرد والمجتمع   

رأس المال الثقافي : الذي يمكن الفرد من محو الأمية الثقافية وتفعيل مهارات التواصل بين الثقافة الفعالة وتعزيز الكفاءة الثقافية، من خلال التفاعل مع الزائرين الدوليين ورغبة الأفراد في التعليم المستمر واكتساب المهارات والمخزون الثقافي والحضاري للمجتمع والقدرة على تمثيله واستيعابه.

رأس المال الاجتماعي : والذي يمكن الفرد من الاتصال الاجتماعي الأكبر بالشبكات الدولية والاتصال المحلي والمشاركة بين الأفراد والمؤسسات التي تشكل روابط اجتماعية على المستوى الدولي، بالإضافة إلى صياغة روابط مع الأفراد الآخرين والمؤسسات داخل المجتمع المحلي، التي يمكن الاستفادة منها لسد الاحتياجات المحلية وتبني النماذج الإيجابية وروح المخاطرة وبناء المجتمع من خلال تعزيز المشاركة المدنية والتطوع ودعم برامج التبادل.

رأس المال المعرفي : والذي يمكن الفرد من الحصول على معلومات أفضل عن الدول الأخرى والشؤون الدولية والحصول على فهم أعمق للسياسة الخارجية للدولة.

ولكى يعزز التعليم القوة الناعمة لأي بلد يجب أن يتمتع الأفراد القائمون على التعليم بمظاهر القوة الناعمة والتي تعتمد على الجذب والإقناع والمبررات وتشكيل تفضيلات الآخرين على المستوى الشخصي، والتي ترتبط إلى حد كبير بالثقافة والقيم وقوة الإقناع والتأثير، وتتمثل تلك المظاهر على النحو التالي:

المظهر الأول: حث الآخرين على العمل، وما الذي يمكن أن يفعله الآخرون بخلاف ما يقومون به، لأن القوة الناعمة تستخدم الجذب والإقناع لتغيير استراتيجيات الأفراد نحو العمل.

المظهر الثاني: وضع جدول العمل تستخدم القوة الناعمة أساليبها لجذب الأفراد، حتى يروا جدول الأعمال، الذي ما هو إلا مشروع يقومون به ويستمتعون بتنفيذه.

المظهر الثالث: تشكيل أفضليات للآخرين، حيث تمنح القوة الناعمة الإقناع والجذب لتتشكل الأفضليات عند الآخرين. (منظمة التنمية ،2010،104)

يعد التعليم من المؤشرات الحاكمة في القوة الناعمة للدولة، ويشمل سمعة وشهرة نظام التعليم الخاص بالدولة، بالإضافة إلى نسبة الإنفاق الحكومي على التعليم، و عدد الجامعات المصنفة ضمن أفضل الجامعات على مستوى العالم، وعدد المدارس الدولية الموجودة داخل الدولة  وعدد الطلاب الدوليين الموجودين داخل الدولة وعدد المدارس المعتمدة داخلياً أو دولياً وإعارات المدرسين وأعضاء هيئة التدريس والبعثات والمنح الدراسية وتصدير مناهج الدولة للدول الأخرى وعدد المقالات الأكاديمية والعلمية والأبحاث المنشورة في الدوريات. (سيرجى ،2009،16)

وأود في الختام عرض الآليات المقترحة لاستخدام التعليم كقوة ناعمة كما يلي:

  • تبنى استراتيجيات التغيير داخل المؤسسات التعليمية حتى يكون لديها تأثير داخل المحيط الإقليمي والدولي.
  • تحسين البنية التحتية لمنظومة التعليم وفق التقارير العالمية للقوة الناعمة.
  • التحديد الدقيق لأهداف الدولة من التعليم ومن استخدامه كقوة ناعمة مؤثرة في الآخرين.
  • نشر مفهوم القوة الناعمة بين المؤسسات المختلفة داخل الدولة والتعريف بأهميتها في تحسين الأوضاع الدولية.
  • غرس البعد الدولي في المناهج والمقررات التعليمية بصفة عامة لإعداد خريجين على مستوى عالٍ.
  • توفير الاستثمارات اللازمة بمشاركة مؤسسات المجتمع المعنية، وبناء خطة استراتيجية طويلة الأجل لتطبيق مفهوم القوة الناعمة على كافة المستويات.
  • رصد التجارب والخبرات الرائدة في هذا المجال وتجريبها ثم تعميمها للاستفادة منها في تطبيق مفهوم القوة الناعمة بنجاح.
  • الاحتفاظ بالعقول المتفتحة والرائدة داخل الدولة وتقليل خروجها للعمل بالخارج للاستفادة منها في دعم القوة الناعمة.
  • عقد مؤتمرات دولية ناجحة تساهم في تدعيم القوة الناعمة للدولة وخاصة في مجال التعليم سواء قبل الجامعي أو الجامعي.
  • وضع خطط لمتابعة مستوى تقدم الدولة في القوة الناعمة وتطبيق خطط لتحسين الأداء كلما تطلب الأمر ذلك.

قائمة المراجع

  1. إبراهيم نوار(2017)، مصادر القوة الناعمة ومكانة مصر في العالم، مجلة آفاق سياسية، المركز العربي للبحوث والدراسات، نوفمبر ع30.
  2. جوزيف سز ناى(2013)،القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسات الدولية، ترجمة: محمد توفيق البجريمى، الرياض، مكتبة العبيكان،ط2
  3. خالد عبد الفتاح عبد الله(2018)، التعليم والقوة الناعمة لمصر، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام،يناير،مج18،ع69.
  4. سيرج لاتوش(2009)، قاموس التنمية: دليل المعرفة باعتبارها قوة، ترجمة احمد محمود، سلسلة العلوم الاجتماعية، الهيئة المصرية العامة الكتاب.
  5. منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي والبنك الدولي(2010)،مراجعات لسياسات التعليم الوطنية، التعليم العالي في مصر، منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي.
  6. اليونسكو(2004)التعليم العالي في مجتمع العولمة، وثيقة توجيهية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة باريس.

البحث في Google:






كاتب المقال

د. إيهاب ابراهيم السيد محمد  
كتب ما مجموعه 12 مقالات اضغط هنا لقراءتها

دكتوراه الفلسفة في التربية النوعية، كلية التربية النوعية جامعة عين شمس. تخصص تكنولوجيا التعليم زميل كلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية العليا - جمهورية مصر العربية





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *