الفرق بين المقاربة التواصلية والتعليم بالمهام

مقدمة:

يعتبر المدخل التواصلي Communicative Approach ، أو تدريس اللغة التواصلي Communicative Language Teaching أكثر مناهج تدريس اللغة انتشارا، وهو مظلة تشتمل على عدد كبير من الممارسات التدريسية، رغم أن أتباع هذا المذهب يعتنقونه بناء على أسس حدسية بدهية لا على أسس نظرية. والهدف الأساسي لهذا المنهج هو تنمية قدرة المتعلم على التواصل باللغة الهدف في المواقف الحقيقية وليس تطوير المعرفة النظرية بقواعد اللغة (صالح ناصر الشويرخ، 2016). و مثّل هذا المدخل تحولا مهما في مجال تدريس اللغات الأجنبية لأنه جعل الهدف الأهم هو اكتساب الكفاءة التواصلية، عكس الطرائق والمقاربات التي سبقته التي كانت تهدف إلى إكساب الطالب الكفاءة اللغوية فصار تدريس القواعد مهملا وغير مرغوب فيه. وقد ظهر هذا المدخل في أوربا في سبعينيات القرن العشرين. ومظاهر التحول في هذا المدخل تمثلت في الانتقال من تدريس الأنظمة اللغوية (مثل المفردات، القواعد) بشكل معزول إلى تدريس الطلاب كيفية استعمال هذه الأنظمة اللغوية كلها في التواصل الحقيقي. و بعبارة أخرى، كان تحولا من التركيز على اكتساب الكفاءة اللغوية التي كانت الغاية من تعلم اللغة إلى اكتساب الكفاءة التواصلية. هذا التحول استوجب مراجعة شاملة لأهداف المقرر الدراسي ولكيفية بنائه: المواد الدراسية، الممارسة الصفية، الاختبارات اللغوية. والمحاولات الأولى لتحديد أهداف المقرر الدراسي من منظور تواصلي أنتجت ما يسمى ب:

«المقرر الوظيفي-المفاهيمي  Functional-notional Syllabus » الذي حل محل المقرر التقليدي الذي يركز فقط على تعليم الطلاب التراكيب اللغوية والقواعد مع إهمال معانيها ودورها في التواصل. والفرق بين المقررين يتمثل في أن المقرر الوظيفي-المفاهيمي يتضمن مجموعة من المعاني العامة الموجودة في أغلب الأنظمة القواعدية للغات مثل: المكان، التكرار، المدة، الإمكانية، الزمن الماضي الاحتمال، علاقة السبب/النتيجة التي يتم ربطها بمبان قواعدية معينة. هذه المعاني العامة تسمى« المفاهيم  Notions ». يتضمن المقرر الوظيفي-المفاهيمي أيضا مجموعة من« الوظائف اللغوية Fonctions » مثل (الالتماس، الاقتراح، الاعتذار….). هذه المفاهيم والوظائف اللغوية تكون المنطلق الذي يبدأ به لتصميم المقرر، حيث يتم تحديد المباني اللغوية المناسبة لكل مفهوم أو وظيفة لغوية عكس ما جرى به العمل في المقررات التقليدية التي كانت تتضمن مجموعة من التراكيب اللغوية المرتبة ترتيبا معينا التي يتم تدريسها بناء على معانيها المشتركة واستعمالاتها. على سبيل المثال لنفترض أن الوظيفة اللغوية التي يسعى مقرر دراسي (مقرر وظيفي -مفاهيمي) لتدريس اللغة العربية لغة أجنبية لتعليمها للطلاب هي: (تأكيد الكلام من أجل الإقناع) فسيتم اختيار التراكيب اللغوية التي تناسب هذه الوظيفة مثل: المفعول المطلق، نون التوكيد، القسم. أما فيما يخص الأنشطة الدراسية التواصلية، فهي تركز على الأنشطة التعليمية التي تستند على وضعيات تواصلية حقيقية أو شبه حقيقية من خلال استعمال مواد تعليمية أصيلة وليس مصطنعة. الأنشطة التواصلية التفاعلية مثل: (نقل المعلومات من شخص لآخر، نقل المعلومات من وسيط لآخر، جمع المعلومات من مصادر متعددة أو من أشخاص مختلفين، اعتماد المهام اللغوية في نجاحها على المهام التي قبلها) شكلت أهم الأنشطة التي يحرص عليها المعلم في المدخل التواصلي.

و وقع أيضا تغيير في الاختبارات اللغوية، فبعد أن كانت الاختبارات اللغوية التقليدية تختبر قدرات الطالب الكلية في المهارات الأربع (القراءة، الكتابة، الاستماع، المحادثة)، فقد صارت تركز على الأغراض اللغوية التواصلية المختلفة لكل فئة من الطلاب، من خلال تحديد وتحليل حاجيات كل فئة منهم وتصميم مقررات دراسية تستجيب لهذه الحاجات مما مهد لظهور ” تدريس اللغات لأغراض خاصة” الذي يقابل تدريسها لأغراض عامة.

المدخل التواصلي كما سبق بيانه سابقا مظلة كبيرة تتضمن مجموعة من المبادئ التي تدعو إلى جعل التواصلِ المحورَ الأهم في تدريس اللغات، لذلك وقع خلاف كبير بين المدافعين عن هذا المدخل في كيفية تنزيل المبادئ النظرية في الممارسة العملية. هذا الاختلاف نتج عنه ظهور نسختين منه: النسخة القوية، والنسخة الضعيفة.

– النسخة القوية Strong Version

يدعو أنصار هذه النسخة إلى تغيير جذري في تدريس اللغات الأجنبية من خلال التخلي نهائيا عن المقاربات التقليدية، عبر جعل محتوى المقرر الدراسي قائما على التواصل من خلال قيام الطلاب بمهام لغوية تواصلية في إحدى المهارات الأربع (القراءة، الكتابة، الاستماع، المحادثة) يتعلمون فيها اللغة الهدف ويتواصلون بها من خلال استعمالها. هذا التيار يدعو أيضا إلى عدم تحديد التراكيب اللغوية والقواعد التي ستدرس في المقرر الدراسي، فمنهجية التدريس وفق هذا التيار تهدف إلى إكساب الطلاب الطلاقة اللغوية من خلال استعمال اللغة من أجل التواصل بدل التدرب على الاستعمال الصحيح لها. و حسب مناصري هذا التيار، تعلم اللغة الهدف لن يكون فعالا إلا إذا كان مشابها للتعلم الطبيعي للغة (1983، (Huges). كما أنهم يعتقدون أن تعلم اللغة يجب أن يتم بطريقة عفوية من خلال بذل الطلاب الجهد للتواصل فيتم الانتباه للمباني اللغوية والتغييرات التي تقع فيها في سياق تواصلي يركز على المعاني ابتداء ومنتهى مع تجنب التعليم الإظهاري الصريح لقواعد اللغة التي يجب أن تتعلم بطريقة إضمارية ضمنية غير قصدية. و هذا التيار الفرعي في المقاربة التواصلية هو الذي يسمى التعلم بالمهام Task-based Learning .

– النسخة الضعيفة Weak Version

أصحاب هذا التيار لم يقوموا بتغيير جذري في المقاربات السابقة لتدريس اللغات الأجنبية، لكن حافظوا عليه مع التركيز على أهمية التواصل باللغة الهدف من خلال تعلم تراكيبها ومفرداتها ثم استعمالها. و حسب هذا المنظور، يجب على الطلاب تعلم الأنظمة اللغوية قبل استعمالها في وضعيات تواصلية بطريقة متدرجة من خلال القيام بأنشطة لغوية مقيدة مرورا بأنشطة تركز على المعنى والفهم وانتهاء بأنشطة تواصلية خالصة. و يمكن تلخيص خصائص النسخة المعتدلة للمقاربة التواصلية في العناصر الآتية مع نقد موجز لبعض منها:

  • تقوم على منهجية تدريس تهدف إلى إكساب الطلاب السلامة اللغوية في اللغة الهدف.
  • تستند أيضا على النظريات التي تركز على الجانب الوظيفي والاجتماعي للغة.
  • المقرر المعتمد مقرر وظيفي -مفاهيمي Fonctional -notional Syllabus يتضمن لائحة من المفاهيم والوظائف اللغوية التي يتم تدريس القواعد من خلالها. مثلا وظيفة الالتماس يتم تعلمها من خلال التركيب الآتي: هل يمكنني أن…؟ أ لا تمانع أن…؟ لكن تعلم الوظائف والعبارات المأثورة formulaic sequences لا يضمن اكتساب الطالب للقواعد التي تسمح له بإبداع أكبر قدر من التعبيرات التي تسهل التواصل.
  • حسب هذا التيار، من المفترض أن يكون اهتمام الطلاب موجها إلى دلالات ومعاني التراكيب اللغوية وليس إلى المبنى فقط لكن هذا الأمر لا يتحقق إلا في في مرحلة الإنتاج الحر من كل درس مما يعني أن التركيز منصب على المبنى، رغم أن أنه من المفترض أن يركز على المعنى.
  • التركيز يجب أن يكون على العبارات المأثورة (الأمثال، المتلازمات اللفظية، العبارات الشائعة…) شفهيا أو كتابيا بفضل دورها في تسهيل التواصل باللغة الهدف.
  • تدريس اللغة يجب أن ينمي لدى الطالب القدرة على استعمال اللغة الهدف استعمالا صحيحا، بطلاقة وبعفوية.
  • يتم تعلم القواعد تعلما إضماريا من خلال التدرب على استعمال العبارات المأثورة تدربا يجعل الطالب قادرا على إنتاج أخرى جديدة في سياقات تواصلية مماثلة ومختلفة.
  • الدخل اللغوي المسهل لتعلم اللغة متوفر بغزارة مقارنة مع الطرائق الأخرى (السمعية الشفهية على سبيل المثال تسمح للطالب بالاشتغال على دخل لغوي محدود) من خلال استعمال أكبر قدر من المفردات في التواصل الشفهي والكتابي.
  • مهارتا المحادثة والكتابة تحظيان بأهمية كبيرة لدى هذا التيار من خلال خلق وضعيات تواصلية تدفع الطلاب إلى استعمال مواردهم اللغوية حسب مستوى كفاءتهم لإنتاج تعابير جديدة غير متوقعة.
  • خلق فرص للتفاعل اللغوي عنصر جوهري عند هذا التيار من خلال التدرج من التفاعل المقيد في مرحلة التدرب إلى تفاعل مطلق واستعمال حر للغة في مرحلة الإنتاج. وكذلك العمل الجماعي والزوجي يساهم في تفاعل الطلاب وتحسين استعمالهم للغة في وضعيات تواصلية حقيقية وشبه حقيقية.
  • لا يوجد في أدبيات هذا التيار اهتمام بالأنشطة التي تستجيب للحاجات الفردية للمتعلم لأنّ تركيزها موجه للعملين الجماعي والزوجي المبنيين على التعاون.
  • بالنسبة للاختبارات اللغوية فهي شمولية تركز على المهارات والعناصر اللغوية كلها، وليست تجزيئية تركز على عنصر وتغفل آخر. كذلك تهتم كثيرا بالإنتاج الإبداعي العفوي الحر للطالب وليس الإنتاج الناتج عن تقليد أو تكرار عبارات محفوظة.

مما سبق نجد أن التيار الثاني في المقاربة التواصلية لم يشكل قطيعة مع أدبيات مناهج تدريس اللغات الأجنبية، بل شكلا امتدادا لها من خلال إضافات تحسينات لها لجعل التواصل باللغة المتعلمة أحد أكبر أهداف تعليم اللغة. هذا التيار لا يجد حرجا في استعمال منهجية التدريس السائدة في الطرائق والمقاربات التي سبقته، وهي المنهجية المعروفة بالإنجليزية اختصارا ب(PPP):  التقديم Presentation، التدرب Practice ، الإنتاج   Production   رغم تحفظ بعض رواد هذا التيار على اتباع هذه المنهجية. فمثلا اقترح Brumfit (1984) منهجية بديلة سماها (PPP)  أيضا لكن مدلولها مختلف: الإنتاج  produce، التقديم  present، التدرب  practice وذلك من خلال البدء بمهمة تواصلية لتحديد عوائق التعلم التي يمكن التغلب عليها في مرحلتي التقديم والتدرب على عناصر لغوية معينة. مناصرو هذا التيار يهملون أيضا التعليم الصريح الإظهاري لقواعد اللغة مما يجعل تعلم الظواهر النحوية والصرفية منوطا بالطالب. وهذا التيار لم يقدم تصورا صحيحا لتنمية الكفاءة القواعدية عند الطالب لذلك تم لاحقا تصحيح هذا الأمر، فتم تعديل المقررات الوظيفية المفاهيمية لتصير مقررات هجينة من خلال زيادة مكون القواعد بالإضافة إلى المكونات الأخرى (المفردات، اللغة الوظيفية، المهارات الأربع ) من أجل الاستجابة لحاجات الطلاب المختلفة. كما أن التحسينات والتعديلات التي لحقت هذه النسخة المعتدلة من المقاربة التواصلية هي التي جعلتها تنتشر في المناهج الدراسية في العالم الغربي وفي العلم كله وصارت معيارا تقاس به مناهج تدريس اللغات الأجنبية في الغرب، 2006 ScottThornbury).)

المراجع المعتمدة في كتابة هذا المقال:

  • Scott Thornburry (2006). An A–Z of ELT. London. Macmillan Books for Teachers
  • Rod Elis and Natsuko Shintani (2014).Exploring Language Pedagogy through Second Language Acquisition Research. London and New York. Routledge.
  • صالح ناصر الشويرخ (2016). قضايا أساسية في تعليم اللغة الثانية. الرياض. مركز الملك بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية.

البحث في Google:





عن عبد الرحيم نشيط

أستاذ التعليم الابتدائي المغرب - حاصل على إجازة في الدراسات الإنجليزية و ماستر تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، مهتم بمناهج و طرائق تدريس اللغة العربية لغة أجنبية و طرائق و مناهج تدريس اللغة الإنجليزية لغة أجنبية.

تعليق واحد

  1. خالد كردادي

    مقال مفيد جدا، أشكركم على نشره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *