المهارات الحياتية

تعلم المهارات الحياتية وتعليمها وتقويمها

يطلق على المهارات الحياتية تسميات مختلفة إلى جانب هذه التسمية، فيطلق عليها البعض مهارات القرن الحادي والعشرين (21st Century Skills)، وهناك من يسيمها المهارات الأساسية (Core Skills). وتعرف المهارات الحياتية بأنها المهارات التي يكتسبها الفرد ليوظفها في حياته اليومية التي تتسم بسرعة التغيير والتعقيد والتحديات، والتي تمكنه من التعامل بإيجابية وثقة واقتدار ونجاح مع مواقف هذه الحياة ومشكلاتها، واتخاذ القرارات المناسبة حيالها.

رغم أن المصطلح الشائع هو المهارات الحياتية ، وقد يكون المقصود من وراء ذلك الدعوة إلى التركيز على الجانب المهاري وتطويره، وليس التركيز على الجانب المعرفي فقط، حيث أن كثيرا ما يتم عند تدريس هذه المهارات في المدارس الاكتفاء بعرض مفهوم المهارة والتعريف بمكوناتها ومزاياها على نحو مستعجل، إلا أنني أفضل النظر إلى هذه المهارات ككفايات، حتى نأخذ بعين الاعتبار المكونات الرئيسة الأربع للكفاية، وهي: المكون المعرفي، والمكون المهاري، والمكون الوجداني (الاتجاهات والقيم)، والمكون السياقي الذي تتم فيه ممارسة المهارة، سواء كان سياقا تعليميا أو مجتمعيا.

إذن لا مانع من الاستمرار في استخدام مصطلح “المهارات الحياتية”، مع النظر إليه ككفاية بمكوناتها المتكاملة الأربع، حتى يستمر التركيز على تعلم المهارة واكتسابها لدى المتعلمين، مع الأخذ بالاعتبار السياق والجوانب المعرفية والوجدانية فيها، أي تعلم القدرة على القيام بالمهارة بدقة وسرعة وإتقان في المواقف المختلفة.

مستويات المهارات الحياتية

أشارت اليونيسف (2022) إلى أنه قد تم تحديد مجموعة تتكون من اثنتي عشر مهارة حياتية رئيسة باستخدام نموذج التعلم رباعي الأبعاد: “تعلم أن تعرف” (البعد المعرفي)، و”تعلم أن تفعل” (البعد الأدواتي)، و”تعلم أن تكون” (البعد الفردي)، و”التعلم من أجل العيش معًا” (بُعد التعلم الاجتماعي والمواطنة).

أود أن أقترح نموذجا آخرا للمهارات الحياتية يتمثل في  تناول أثرها على المستوى الشخصي، أو مستوى التفاعل والعلاقات مع الآخرين، أو مع المجتمع على نحو عام، إذ يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مستويات، كما هو مبين في الشكل أدناه، وهي:

 

  • المستوى الأول (المهارات الحياتية المتعلقة بالذات): تحتل هذه المهارات قاعدة الهرم، وتحتل الجزء الأوسع منه وتعد الأساس للمستويات الأخرى، وتشمل مهارات الوعي الذاتي، والتعلم الذاتي، وتقدير الذات وتوكيدها، وإدارة المصادر والمشاعر، والتفكير، واتخاذ القرارات وحل المشكلات.
  • المستوى الثاني (المهارات الحياتية المتعلقة بالآخرين): تأتي هذه المهارات في وسط الشكل، وتحتل موقع القلب منه، وتشمل مهارات التواصل وبناء العلاقات، والتعاطف والتشارك، وإدارة النزاعات.
  • المستوى الثالث (المهارات الحياتية المتعلقة بالمجتمع): تأتي هذه المهارات في رأس الهرم، وترتكز على الأجزاء والمستويات التي تسبقها، وتوجه نحو التفاعل مع المجتمع سواء كان المحلي أو العالمي، وتشمل المشاركة والمواطنة والتضامن.

تعليم المهارات الحياتية للطلبة

عندما يتم تعليم المهارات الحياتية للطلبة، أرى أنه يجب البدء بالمستوى الأول والمتعلق بالذات، فالأفضل في رأيي البدء بتعليم الطلبة وعي ذواتهم وتقديرها وتوكيدها، وكيفية التفكير وإدارة المصادر والمشاعر وحل المشكلات، قبل أن ينتقلوا إلى المستوى الثاني المتعلق بالتواصل مع الآخرين وبناء العلاقات السوية معهم، والعمل المشترك وإدارة النزاعات. كذلك، ينبغي العمل على تدريب الطلبة على كيفية دمج المهارات الحياتية في السياقات التعليمية والحياتية المختلفة. ويجب أن يأخذ هذا المستوى الجزء الأكبر من الوقت والاهتمام عند تدريس المهارات الحياتية للطلبة، كما يجب التنويع في أساليب تعليم المهارات الحياتية، والتركيز على المواقف العملية في السياقات التعليمية والحياتية، وتوظيف التعليم عبر الأقران، والتعلم بالمعايشة (Coaching)، والاستعانة بالمصادر الإلكترونية مثل المنصات والتطبيقات التي تخاطب المهارات الحياتية.

تطوير قدرات المعلمين فيما يتعلق بالمهارات الحياتية

حتى نتأكد من تملك المعلمين والمعلمات للمهارات الحياتية، وتمثلهم لها في المواقف المختلفة، وكذلك تمكنهم من قدرتهم على مساعدة طلبتهم على اكتسابها، لا بد من تضمين برامج إعداد المعلمين سواء قبل الخدمة او في أثنائها مساقا أو برنامجا عمليا يركز على المهارات الحياتية، ويتضمن المكونات الأساسية الأربعة الآتية:

  • تعلم المهارة: إذ لا بد من أن يتعلم المعلم المهارات الحياتية، ويكتسبها ويطورها لديه ويمارسها قبل أن يبدأ بتعليمها للطلبة. وإذا كان تدريب المعلمين على تعلم المهارات الحياتية وتعليمها سيتم في أثناء الخدمة، أرى ان يتم ذلك على مستوى المدرسة، وفي سياقها، بحيث يتم أولا إعداد فريق من المدربين في كل مدرسة، ثم يتم تدريب بقية المعلمين فيها في نفس المدرسة، ويذلك نضمن الاستدامة.
  • دمج المهارة: ينبغي أن يتعلم المعلم أيضا كيف يوظف هذه المهارات في حياته وعمله من جهة، وكيف يدمجها بفاعلية في السياقات التعليمية (المناهج التعليمية مثلا) والحياتية المختلفة من جهة ثانية، فالهدف من هذه المهارات هو توظيفها في الحياة والعمل.
  • تدريس المهارة: يتوقع من جميع المعلمين دون استثناء، ومهما كانت تخصصاتهم، أن يتعلموا المهارات الحياتية، وأن يكونوا قادرين على تدريسها لطلبتهم في سياق الموضوعات المدرسية المختلفة. وينبغي الانتباه إلى أهمية المكون الوجداني لهذه المهارات، والمتمثل في الاتجاهات والقيم، إذ يجب أن يشعر الطلبة بأهمية المهارة الحياتية وأثرها وقيمتها، وأن يتبنوا مواقف إيجابية نحو تعلمها. لذلك من الأهمية بمكان أن يتعلم المعلم الأساليب المختلفة والمتنوعة لتعليم المهارات الحياتية، والتركيز على المواقف العملية في السياقات التعليمية والحياتية، وتوظيف التعليم عبر الأقران، والتعلم بالمعايشة، والاستعانة بالمصادر الإلكترونية مثل المنصات والتطبيقات التي تخاطب المهارات الحياتية.
  • تقويم تعلم المهارة: لما كان يخشى أن يلجأ المعلم، من أجل تقويم تعلم الطلبة للمهارة الحياتية، إلى الاختبارات التقليدية التي تتضمن أسئلة تركز على معرفة مفهوم المهارة وحفظها وتذكرها من خلال أسئلة عرف وعدد واملأ الفراغ، واختيار الإجابة الصحيحة، فإنه ينبغي تدريب المعلمين على كيفية تطبيق التقويم الحقيقي في تعلم المهارة من خلال المواقف العملية والحالات والمشكلات التي تتطلب اتخاذ موقف معين.

تعليم المهارات الحياتية على نحو مستقل أم تكاملي

المنحى التكاملي: أرى من الأفضل أن يتم دمج المهارات الحياتية في الموضوعات التعليمية المختلفة، بحيث يتم تعليمها على نحو تكاملي فعال، ويتطلب ذلك توافر الشروط الآتية: إعداد مصفوفة للمهارات الحياتية المستهدفة في الصفوف المدرسية المختلفة والمواد الدراسية المختلفة، وإبراز المهارة الحياتية المستهدفة في المادة، وربطها بسياق الدرس، وتوفير الوقت الكافي لتعليمها وتطبيقها وتقويم تعلم الطلبة لها من خلال مواقف عملية.

وتتمثل جوانب القوة في هذا المنحى في تضمين هذه المهارات في جميع المواد الدراسية، وليس في مادة واحدة، وتوفير فرص عديدة لتعلمها وممارستها في السنوات الدراسية المتتالية. ومن المحاذير التي يجدر لفت الانتباه إليها، هي قيام بعض المعلمين بالقفز على هذه المهارات في دروسهم، أو الاكتفاء بتدريسها وتقويمها نظريا، وتلخيصها، دون إعطاء الوقت الكافي لتعليمها وتعلمها وتقويمها، وذلك بحجة ضيق الوقت، وإعطاء الأولوية للموضوعات المهمة في المادة.

المنحى المستقل: نظرا لأهمية تعلم المهارات الحياتية للطالب ومجتمعه، لا بد من التأكد أنه يتم تعلمها على نحو عميق، وانتقال أثر تعلمها إلى حياة الطالب في مدرسته ومجتمعه المحلي والعالمي، لذلك، يمكن أن يتم تعليم هذه المهارات في مادة تعليمية مستقلة تخصص للصفوف من الأول حتى السادس، ويتم التمهيد لها في رياض الأطفال، وذلك حتى يتم التأسيس لها، وتوفير الوقت والاهتمام المناسبين لتعليمها وتعلمها، وهذا يتطلب تصميم المادة التعليمية الخاصة بها على نحو عملي يتضمن مواقف وحالات ومشكلات وسياقات مختلفة تتطلب تطبيقها. وهذا المنحى في رأيي، لا يتعارض مع المنحى التكاملي، بل قد يتطلب الأمر السير في الاتجاهين معا في الصفوف الأساسية الأولى، والاكتفاء بالمنحى التكاملي في الصفوف من السابع فما فوق. أما المحاذير التي يجدر لفت الانتباه إليها في تطبيق المنحى المستقل، فهي تقريبا نفس المحاذير التي وردت في الحديث عن المنحى التكاملي، إذ يخشى أن يقوم بعض المعلمين بالاكتفاء بتدريس هذه المهارات وتقويمها نظريا، وتحويلها إلى ملخصات للحفظ والتذكر في الاختبار، وعدم إعطاء الوقت الكافي لتعليمها وتعلمها وممارستها وتقويمها.

سواء تم تبني المنحى التكاملي أو المنحى المستقل، أو كليهما، من المهم توافر أداة لقياس مدى تعلم الطلبة للمهارات الحياتية في مراحل معينة من دراستهم، بحيث تركز هذه الأداة على المواقف والحالات العملية، ويمكن تطبيقها على مستوى مدارس الوطن.

تعلم المهارات الحياتية خارج المنهاج

لا يفترض أن يقتصر تعليم المهارات الحياتية على المواد التعليمية المقررة ومناهجها، بل يجب أن يمتد تعليمها للطلبة وممارستهم لها إلى خارج هذه المواد، إذ يمكن أن يتم ذلك من خلال الأنشطة الطلابية المختلفة، مثل الأندية والمسابقات والندوات، وكذلك من خلال جلسات الإرشاد التي يقوم بها المرشدون التربويون في المدارس، أو من خلال الأنشطة المتعلقة بالصحة المدرسية والمخيمات الصيفية.

 


المراجع:

اليونيسف. (2022). أداة تعليم المهارات الحياتية والمواطنة: تغيير التعليم من خلال تعليم المهارات الحياتية والمواطن. تم الاسترجاع بتاريخ 20 نيسان 2022 من: https://cutt.us/2FrwQ

البحث في Google:





عن د. وحيد جبران

استشاري تربوي ومدرب مستشار معتمد، دكتوراة في التطوير الإداري، والماجستير في التربية. يعمل حاليا في الاستسشارات والتدريب في مجالات التطوير التربوي والقيادة والتطوير الإداري. رئيس مجلس الإدارة في جمعية المدربين الفلسطينيين، وأحد مؤسسيها. ومدرب معتمد من جمعية المدربين الأردنيين، ومدرب مستشار معتمد من اتحاد المدربين العرب. وفاز بالجائزة الثالثة كمدرب مستشار معتمد في إطار المدرب العربي المتيز 2018 التي أعلن عنها اتحاد المدربين العرب. عمل في عدة مواقع إدارية وتعليمية في وكالة الغوث الدولية. له عدة كتب وأدلة ومواد تدريبية، منها: كتاب في التعلم النشط، ودليل مرجعي في التدريب من 15 فصل، ودليل في التربية المدنية، وكتاب جامعي في أساليب تدريس العلوم في جامعة القدس المفتوحة، ودليلين تحت عنوان مسيرتي في جامعة خضوري فرع رام الله، وغيرها.

4 تعليقات

  1. فاطمة عبدالله الحسن

    الموضوع غاية الأهمية للمعلم والطالب على حد سواء وتقريبا غطيت جميع جوانبه فقط لو حددت المرحلة العمرية للطالب إذ لكل مهارة مرحلة عمرية تناسبها ويكون الطالب على استعداد لتلقيها والعمل بها .. وجزاكم الله خيرا وأعانكم الله لما يحب ويرضى

  2. نوري حمدون

    احسنت .

  3. نجلاء أحمد طلعت طه محمود

    مقال جميل ولكن يجب الأخذ في الاعتبار عامل الدوام والاستمرارية فهي ليست منهج دراسي وإنما منهج حياة

  4. د. محمود أبو فنّه

    مقال رائع ونحتاج لتطبيق ما ورد فيه وتعليمه لجميع الطلاب بشكل حلزونيّ
    متدرّج مع إعداد جيّد للمعلّمين ليقوموا بتعليمه لطلابهم.
    جزيل الشكر والتقدير للدكتور وحيد جبران على هذا المقال المهمّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.