المدرس

دور الممارسات التأملية في عملية التطوير المهني للمعلم

إشراف ومتابعة د. وزيرة باوزير – جامعة دار الحكمة – جدة، المملكة العربية السعودية

التفكير هو من سمات العقل البشري والذي يتميز به عن غيره من المخلوقات. وقد اهتم به كثير من المربين والخبراء في عملية التعليم والتعلم. وهنالك عدة أنواع للتفكير، منها التفكير الناقد، التحليلي، الإبداعي والتفكير التأملي، وهو الذي يتأمل فيه الأفراد المواقف التي أمامهم، ويحللونها إلى عناصرها، ويرسمون الخطط اللازمة لفهم هذه المواقف، بهدف الوصول إلى النتائج المطلوبة منها. (العتوم، ٢٠٠٥، كما ورد في عبد القادر، وآخرون٢٠٢٠). لذلك فإن من ضروريات تحسين العملية التعليمية ربطها بالتفكير التأملي؛ حيث إنه ينمي ويعزز القدرة على التفكير الناقد لدى المعلمين خلال مسيرة تطورهم المهني، والطلاب من خلال ممارستهم للأنشطة التعلُمية. (الريان، ٢٠١٤).

ومن هنا تكمن أهمية الممارسات التأملية في العملية التعليمية، والتطوير المهني للمعلم. حيث سيناقش المقال محورين أساسيين في دور الممارسات التأملية في عملية التطوير المهني للمعلم: المحور الأول: دور الممارسات التأملية في تجويد أداء المعلم وتطوير قدراته التدريسية. المحور الثاني: دور الممارسات التأملية في الاستفادة من مجتمعات التعلم المهنية في المؤسسات التعليمية.

المحور الأول: دور الممارسات التأملية في تجويد أداء المعلم وتطوير قدراته التدريسية

كيف يكون للممارسات التأملية دور في تجويد أداء المعلم وتطوير قدراته التدريسية؟ يرى (شاهين،٢٠١٧، كما ورد في الرشيد ٢٠١٨) أن من أهم الطرق لتطوير وإعداد المعلمين في مختلف المجالات نجد الممارسات التأملية، حيث أنها تضع المعلمين والمربين على محك تطوير أنفسهم، وتقييم وتقويم ممارساتهم التدريسية، مما يمكنهم من رفع مستوى الوعي الذاتي لديهم، وتطوير نموهم المهني، حيث أنهم يحللون ممارساتهم التأملية الخاصة بهم ويقيمونها من خلال ملاحظاتهم ونقدهم وتحليلهم المنطقي لها، وانفتاحهم على من حولهم. ويرى (فارل، ٢٠١٠، كما ورد في الريان، ٢٠١٤) أن ممارسة عملية التأمل داخل الفصل الدراسي غالباً ما تجعل المعلمين قادرين على حل مشاكلهم الصفية بمفردهم، وتجعلهم أكثر وعياً بمعتقداتهم، وقيمهم التي يمتلكونها تجاه عملية التدريس، ويكونون أكثر مشاركة في تطوير المناهج، ويتفاعلون مع عمليات التغيير داخل المدرسة، وهم أيضا قادرون على تحمل مسؤولية تطورهم المهني، وتلبية حاجات طلابهم التربوية والسلوكية، ويمارسون باستمرار عملية المراجعة لأهدافهم وطرق تدريسهم وأدواتهم التعليمية.

وكما ذكرت (بلجون، ٢٠١٠، كما ورد في الحربي، والشمراني،٢٠١٨) أن الطريقة المثالية لإعداد المعلم، هي الممارسات التأملية، لاعتمادها على تنمية الوعي الذاتي لدى المعلمين، وحثهم على تطوير أنفسهم، عن طريق تحليل ممارساتهم وتقييمها. وأشارت أيضا أن التدريس عن طريق التأمل يعد طريقة فعالة، من خلالها يستطيع المعلم ممارسة التفكير الناقد لتحليل ممارساته التدريسية اليومية، ويعمل على تحسينها، وتقويمها، وتطويرها، ومعرفة جوانب الضعف لدى طلابه، واختيار أسلوب التدريس الأمثل وكيفية تدريسه بشكل أفضل.

يؤكد كل من (اوسترمان، وكوت كامب،٢٠٠٢، كما ورد في الحربي، والشمراني،٢٠١٨) على أن أهمية العملية التأملية تكمن في التعرف على الفجوة بين النظريات الجديدة التي يعتنقها المعلم، والنظريات التي يستخدمها، هذا ما يوضح أن المعلم لديه دائما افكار جديدة، ولكنها لا تغير من سلوكه، فكثيراً ما يخرج المعلم من الدورات والبرامج التدريبية للتطوير المهني وهو على وعي كاف بكثير من الأفكار والنظريات والمعتقدات الحديثة، ولكن هذه النظريات التي تعلمها حديثاً لا توجه سلوكه، فبمجرد رجوعه إلى الفصل الدراسي يبدأ بممارسة سلوكياته السابقة، والنابعة من النظريات المستخدمة التي تكونت لديه في العقل اللاواعي على فترات طويلة من الزمن، وذلك إثر الخبرة والثقافة المجتمعية التي كونت معتقدات من الصعب تغييرها لأنها ترفض عملية التغيير.

متى يحل هذا الإشكال؟ ستحل هذه المشكلة عندما يشعر المعلم بوجود الفجوة، بأن هناك اختلاف بين أفكاره وسلوكه وبين السلوك ونتائجه، ويتحقق ذلك عندما يستخدم المعلم الممارسات التأملية، القائمة على التأمل، والملاحظة، والتحليل، والتفكير الناقد المستمر، ليستطيع أن يكون أكثر وعياً بالمعتقدات والنظريات التي كونت هذه السلوكيات، ويركز عليها ويعمل على حل هذا الاختلاف لتصبح أفكاره تترجم سلوكه، وسلوكياته توصله إلى النتائج المؤملة من عملية التدريب من أجل التطوير.

المحور الثاني: دور الممارسات التأملية في الاستفادة من مجتمعات التعلم المهنية في المؤسسات التعليمية

هل للممارسات التأملية دور في الاستفادة المرجوة من مجتمعات التعلم المهنية؟ “مجتمعات التعلم المهنية هي عملية مستمرة يعمل فيها المعلمون بشكل تآزري في دورات متكررة من التقصي الجماعي والبحث الإجرائي من أجل تحقيق نتائج أفضل للطلاب الذين يخدمونهم”. (دوفور، وآخرون،٢٠١٠، ص١٣). والعلاقة بين الممارسات التأملية ومجتمعات التعلم المهنية تعتمد اعتماداً كلياً على مبدأ المعرفة من الممارسة (Wieringa,2011). فعندما يجعل المعلمون غرفهم الدراسية محطات للتأمل والبحث والاستقصاء فهم بذلك ينتجون المعرفة، ومن ثم يتبادلونها ويتشاركونها مع بعضهم البعض، حيث تعد المشاركة وتبادل الأفكار، من الأمور المهمة لتعلم المعلم (Cochran-Smith & Lytle,1999). إذاً فإن طريقة النقاش التي ينتهجها المعلمون ليتشاركو المعرفة هي أيضا دليل على تعلمهم.  (Van Lare& Branzer,2013)

فالمعلمون الذين يجتمعون للمناقشة، والحوار، والتأمل حول ممارساتهم التدريسية وتعلم طلابهم، سوف يكتسبون معارف جديدة عن ذواتهم وطرائق تدريسهم، ومعتقداتهم الخاصة، وسيؤدي ذلك إلى تطور وتحسن وتقدم ممارساتهم داخل الفصول الدراسية (Bleach,2014).

إن من أهم عناصر بناء فكرة مجتمعات التعلم المهنية الاستقصاء التشاركي (Pratt,2014). ويعد الاستقصاء التشاركي من أهم الأساليب لممارسة عملية التأمل والتي بدورها تعتمد على المشاركة والتواصل مع الآخرين، فهي من أقوى الطرق لتطوير مستوى أعلى من الوعي الذاتي بطبيعة أداء الأفراد (اوسترمان، وكوت كامب، ٢٠٠٢)، وعملية تفكير نشطة من أهم أهدافها، هو تقويم الممارسة، وتحسينها، بشكل واعٍ ومستمر (York, Barr, Ghere& Montie,2016).

وقد أشار (Knowles, 2008 كما ورد في الأكاديمي،٢٠٢١) أن الممارسات التأملية هي العملية التي يتمكن من خلالها الأفراد من تشكيل الوعي الذاتي والتركيز على ممارساتهم أو ممارسات الآخرين الذين يعملون معهم لتوليد معرفة أو طريقة حديثة في العمل. ولذلك فإن الممارسات التأملية يمكن أن تُفعل بشكل فردي أو جماعي، من أجل أن ندرك أن باستطاعتنا أن نتعلم من التأمل مع من حولنا، كما هو الوضع حال قيامنا بتأملنا الذاتي في ممارساتنا. وعلى هذا النسق فقد أكد العديد من الباحثين أن مشاهدة الآخرين أثناء الممارسة التأملية ومناقشتهم ومحاورتهم في ممارساتهم التأملية وأعمالهم بعد إنجازها، يعطينا فرصاً نسأل فيها أنفسنا عن ممارساتنا نحن أيضا.

إن تنظيم المعلم لممارساته اليومية، والمهنية، وتأملها يجعله قادراً على بلورة طريقة جديدة في التعليم. حيث إن الممارسات التأملية هي عملية دمج بين التفكير والعمل والخبرة لإنتاج مهارات جديدة. وبهذا يكون قد حقق المعلم تطوره المهني، عن طريق الممارسات التأملية.

 


المراجع: 

http://nbbee.blogspot.com   (الأكاديمي. ٢٠١٢، فبراير٢٨). ميسان، العراق. النبع.

(الحربي، نجلاء محمد، والشمراني، سعيد عبد الله). (٢٠١٨). الممارسات التأملية وعلاقتها بفاعلية الذات لمعلمات العلوم للمرحلة المتوسطة في مدينة الرياض [رسالة ماجستير منشورة، جامعة عين شمس]. EduSearch

http://search.mandumah.com/Record/958591

الرشيدي، فاطمة سحاب. (٢٠١٨). تقدير درجة استخدام الممارسات التأملية لدى معلمي المرحلة الثانوية في محافظة بريده من وجهة نظرهم [أطروحة دكتوراه غير منشورة]. كلية التربية جامعة القصيم.

ريان، عادل عطية. (٢٠١٤). درجة الممارسات التأملية لدى معلمي الرياضيات وعلاقتها بفاعلية الذات التدريسية[رسالة ماجستير منشورة، جامعة آل البيت].Ecolink, EduSearch, IslamicInfo,AraBase,HumanIndex

http://search.mandumah.com/Record/747955

(عبد القادر، بشير، خضور، يوسف والسعيد فوزية). (٢٠٢٠). التفكير التأملي وعلاقته بالمهارات الاجتماعية لدى عينة من الطلبة المراهقين في مدينة حمص. مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات التربوية والنفسية،١١(٣٢)،١٨٣-٢٠٠.

(دوفور، دوفور، إكر، ماني)، ريتشارد، ربيكا، روبرت، توماس. (٢٠٠٦) التعلم عن طريق العمل (مدارس الظهران الأهلية). دار الكتاب التربوي للنشر والتوزيع.

Bleach, J. (2014). Developing Professionalism through reflective practice and ongoing professional development. European Early Childhood Education Research Journal, 

 22 (2), 185-197.

Cochran- Smith, M. & Lytle, S. (1999). Relationships of Knowledge and Practice: Teacher Learning in communities. Review Of Research in Education, 24, 249-305.

Pratt, A., (2014). Teacher Perspective of Professional Learning Community Teams with Respect to Their Collective Inquiries: A Case Study. Doctoral dissertation. Liberty University, U.S.A available at ProQuest:  htt://searsh.proquest.com

Wieringa, N., (2011). Teachers’ Educational Design as a process of Reflection- in- Action: The lessons We Can Learn from Donald Schon’s The Reflective Practitioner When Studying the Professional Practice Of teacher as Educational Designers Curriculum Inquiry, 41 (1), 168-174.

York-Barr, J.; Sommers, W.; Ghere, G & Montie, J. (2016). Reflective Practice to Improve Schools: An Action Guid for Educators. (3 Ed.). California: Corwin.

البحث في Google:





عن نسرين علي عطار

حاصلة على بكالوريوس لغة انجليزية مع إعداد تربوي جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ماجستير القيادة التربوية، مسار سياسات تربوية وتقويم، جامعة دار الحكمة بجدة - المملكة العربية السعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.