الرئيسية » دراسات » منهج الرياضيات في سنغافورة ومهارات المستقبل: قراءة تحليلية
الرياضيات في سنغافورة

منهج الرياضيات في سنغافورة ومهارات المستقبل: قراءة تحليلية

  من إعداد نجلاء السبيعي، إشراف: د.سعاد الأحمدي مقرر اتجاهات حديثة في المناهج

تميزت سنغافورة بحصولها على المراكز المتقدمة في اختبارات PISA2018، وهو دراسة تقويمية أطلقتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بهدف مراقبة مدى اكتساب الطلاب في نهاية التعليم الإلزامي للمعرفة والمهارات الأساسية للمشاركة الكاملة في المجتمع.

ولمحاولة الوقوف على أسباب هذا التميز سنحاول في هذا المقال الربط بقراءة تحليلية بين كلٍ من إطار مهارات المستقبل في سنغافورة ووثيقة منهج الرياضيات.

أ- إطار عمل سنغافورة لكفاءات القرن الحادي والعشرين ( مهارات المستقبل ):

ترى سنغافورة بأن العولمة والتغييرات السكانية والتقدم التكنولوجي ستكون من القوى الدافعة الرئيسية في المستقبل، لذا لابد من دعم الطلاب للاستعداد لمواجهة هذه التحديات واغتنام الفرص التي توفرها هذه القوى.

ولمساعدة الطلاب على التطور في عالم سريع التغير، حددت وزارة التعليم في سنغافورة الكفاءات التي أصبحت ذات أهمية متزايدة في القرن الحادي والعشرين، هذه الكفاءات الممثلة في الإطار التالي، تدعم التعليم الشامل الذي تقدمه مدارس سنغافورة لإعداد الطلاب بشكل أفضل للمستقبل، ولابد من أن تعمل المدارس وأولياء الأمور جنبًا إلى جنب لمساعدة الطلاب على تطوير كفاءات القرن الحادي والعشرين.

شكل(1): إطار عمل سنغافورة لكفاءات القرن الحادي والعشرين وتحصيل الطلاب

وبالنظر إلى هذا الإطار نجد أن نواته تحتوي على القيم الجوهرية أو الأساسية الموجودة في شخصية كل متعلم وهي تشكل معتقدات ومواقف وأفعال الشخص، وبالتالي تشكل جوهر إطار كفاءات القرن الحادي والعشرين.

تشير الحلقة الوسطى إلى الكفاءات الاجتماعية والعاطفية وهي الوعي الذاتي، وإدارة العلاقات، والوعي الاجتماعي، والإدارة الذاتية، واتخاذ القرار الصائب.

وتمثل الحلقة الخارجية للإطار كفاءات القرن الحادي والعشرين اللازمة للعالم الذي نعيش فيه وهي:

  • محو الأمية المدنية، والوعي العالمي والمعرفة بالثقافات المختلفة.
  • التفكير الناقد والإبداعي.
  • مهارات الاتصال والتعاون والمعلومات.

وهذه الكفاءات ستحقق مخرجات التعليم السنغافوري الأربع للتعليم وهي: شخص واثق، ومتعلم ذاتي، ومشارك نشط، ومواطن مهتم.

ويتم غرس هذه المهارات في جميع المستويات والمراحل الدراسية، وتُهيأ للطالب فرصة مناسبة لفئته العمرية للمشاركة في أنشطة تنمي هذه المهارات، داخل المناهج الرسمية وخارجها، وتعد المشاركة المنتظمة في الأنشطة المشتركة للمناهج الدراسية، ومشاريع مجتمع القيم في العمل بمثابة تجارب مدرسية متكاملة تساعد على تنمية هذه المهارات.

ب- قراءة تحليلية لوثيقة منهج الرياضيات للمرحلة الابتدائية في سنغافورة في ضوء مهارات المستقبل:

هذه الوثيقة أعدت عام 2013م ومازال العمل بها بحسب موقع وزارة التعليم في سنغافورة، وجاءت الصفحة الأولى في هذه الوثيقة بعنوان “تعلم الرياضيات ضرورة القرن الحادي والعشرين” حيث تعتبر وزارة التعليم في سنغافورة أن تعلم الرياضيات أحد العناصر الأساسية في كل نظام تعليمي يهدف إلى إعداد مواطنيه لحياة منتجة في القرن الحادي والعشرين، وكدولة، ترى سنغافورة أن تطوير القوى العاملة ذات المهارات العالية أمر بالغ الأهمية لدعم الاقتصاد القائم على الابتكار والتكنولوجيا، والرياضيات- حسب ما ذكرت الوثيقة- تدعم العديد من أنشطتنا اليومية والقرارات المتعلقة بالتمويل الشخصي، وهي تدعم التعلم في العديد من مجالات الدراسة، ويوفر تعلم الرياضيات أيضًا وسيلة ممتازة لتدريب العقل، ولتطوير القدرة على التفكير المنطقي والتجريدي والنقدي والإبداعي، وهذه هي كفاءات القرن الحادي والعشرين المهمة التي يجب أن تغرس في طلاب سنغافورة حتى يتمكنوا من عيش حياة منتجة وأن يكونوا متعلمين مدى الحياة، ولأن الطلاب لديهم توجهات مختلفة نحو الرياضيات فقد أصبح من المهم أن يوفر منهج الرياضيات مسارات وخيارات متباينة لدعم كل متعلم من أجل تعزيز قدراته، بحيث يشرك المنهج المتعلمين في القرن الحادي والعشرين، ويجعلهم مواطنين رقميين قادرين على استخدام التقنيات ويعملون ويفكرون بطرق مختلفة، والهدف من منهج الرياضيات الوطني هو ضمان تحقيق جميع الطلاب لمستوى من إتقان الرياضيات الذي سوف يخدمهم بشكل جيد في حياتهم، ويتيح الفرصة للطلاب الذين لديهم مهارة وقدرة لمتابعة الرياضيات في أعلى مستوى ممكن.

والفصل الأول من هذه الوثيقة يتناول “الأهداف والغايات لتصميم المنهج” ووُضحت في هذا الفصل خطة تنفيذ هذه الوثيقة من عام 2013.

ثم وضحت الوثيقة أهداف المنهج بشكل عام، فالهدف الشامل لمنهج الرياضيات هو التأكد من أن جميع الطلاب سوف يحققون مستوى من إتقان الرياضيات التي سوف تخدمهم بشكل جيد في الحياة. ويمكن تلخيص أهداف تعليم الرياضيات في سنغافورة في تمكين الطلاب من:

  • اكتساب وتطبيق المفاهيم والمهارات الرياضية.
  • تطوير المهارات المعرفية وما وراء المعرفية من خلال منهج رياضي لحل المشكلات.
  • تكوين الاتجاهات الإيجابية تجاه الرياضيات.

ونجد أن مهارات المستقبل استُهدفت بشكل صريح في أهداف منهج الرياضيات للمراحل الثلاث، حيث ذكرت الوثيقة عدداً من الأهداف التفصيلية لكل مرحلة، وكان لافتاً للانتباه  أهداف المرحلة الثانوية الدنيا حيث تقسمت إلى 3 مستويات:

  • أهداف لجميع الطلاب: تركز على المهارات الرياضية للتعلم المستمر ودعم التعلم في المواد الأخرى، وتطوير مهارات التفكير والتواصل والتفكير الإبداعي من خلال حل المشكلات وربط الرياضيات بالمواد الأخرى وتكوين اتجاهات إيجابية نحو الرياضيات.
  • أهداف المنهج الإضافي للطلاب المتمكنين من الرياضيات: وهي ذات الأهداف في المستوى السابق مع إضافة الربط مع العلوم، وتقدير الطبيعة المجردة للرياضيات وامتلاك القوة الرياضية.
  • أهداف المنهج للطلاب الذين لديهم ميول مهنية: و تركز على المهارات الرياضية للتعلم المستمر ودعم التعلم في المواد الأخرى، والاستعداد للتعليم المهني، وتطوير مهارات التفكير والتواصل والتفكير الإبداعي من خلال حل المشكلات واستخدام الرياضيات في اتخاذ قرارات صائبة في الواقع.

وتصنيف مستويات الأهداف بهذه الطريقة إنما هو يراعي مهارات المستقبل التي يتطلبها سوق العمل، فبالتأكيد حاجة الطلاب للرياضيات تختلف باختلاف ميولهم المستقبلية وتنوع المهن التي سيلتحقون بها.

وفي الفصل الثاني تتناول الوثيقة إطار الرياضيات والذي يميز مناهج سنغافورة منذ عام 1990، والتركيز الرئيسي للإطار هو حل المشكلات الرياضية، أي حل المشكلات باستخدام الرياضيات، ويحدد الإطار التوجيه في تدريس وتعليم وتقويم الرياضيات على جميع المستويات من المرحلة الابتدائية إلى مرحلة ما قبل الجامعة، كما أنه يعكس كفاءات القرن الحادي والعشرين (مهارات المستقبل).

شكل(2): إطار منهج الرياضيات في سنغافورة

حيث يركز الإطار على المفاهيم الجبرية والهندسية والإحصائية والتحليلية، وعلى مهارات الحساب والتمثيل وتحليل البيانات والقياس والتقدير، وعلى قيم الثقة والمثابرة وتقدير الفائدة، وعلى ما وراء المعرفة أو التفكير في التفكير والتنظيم الذاتي، وعلى عمليات المنطق من استدلال وتواصل وتطبيق ونمذجة.

وجاء الفصل الثالث ليتناول موضوع تعلم وتعليم وتقويم الرياضيات، فأكدت الوثيقة على أن تعليم الرياضيات لابد وأن يُعزِّز حب الاكتشاف لدى الطلاب، وذلك بأن تتضمن خبرات التعلم الفرص التي يكتشف فيها الطلاب النتائج الرياضية بمفردهم. ولدعم  المهارات التعاونية ومهارات التواصل، يجب إعطاء الطلاب فرصًا للعمل معًا على مشكلة وتقديم أفكارهم باستخدام لغة وأساليب رياضية مناسبة. ولتطوير عادات التعلم الموجه ذاتياً يجب إعطاء الطلاب فرصًا لوضع أهداف التعلم والعمل على تحقيقها بشكل هادف. وعليه، سيوفر الفصل الدراسي الغني بهذه الخبرات فرصاً لتطوير كفاءات القرن الحادي والعشرين، هناك أيضًا تجارب تعليمية عامة تركز على تطوير المهارات مثل: تدوين الملاحظات وتنظيم المعلومات، ممارسة المهارات الرياضية بإتقان، مناقشة وتوضيح وشرح الأفكار لتطوير مهارات التفكير، وتنفيذ مشاريع النمذجة.

وتحدد الوثيقة في هذا الفصل ثلاثة مبادئ رئيسية لتدريس الرياضيات.

  • التعليم للتعلم، والتعلم للفهم، والفهم للمنطق والتطبيق وحل المشكلات.
  • يستند التعليم على معارف الطلاب السابقة وعلى نشاطهم وإشراكهم في التعلم بشكل فعال.
  • يجب أن يربط التعليم التعلم بالعالم الحقيقي، وأن يسخر إمكانيات التكنولوجيا والمعلومات ويؤكد على كفاءات القرن الحادي والعشرين.

أما مراحل التعلم فهي استعداد ثم مشاركة ثم إتقان، ولكل مرحلة تم وضع عدد من الاستراتيجيات المناسبة.

وبالنسبة للتقويم فإن الوثيقة تؤكد على أنه يعتبر جُزءا لا يتجزأ من العملية التفاعلية للتعليم والتعلم، فهو عملية مستمرة يقوم فيها المعلمون بجمع معلومات حول تعلم الطلاب لتعليم ودعم التدريس، وتؤكد كذلك على أهمية التغذية الراجعة بحيث تكون ردود الفعل في الوقت المناسب ويكون الطلاب على علم أين هم في تعلمهم؟ وما الذي يتعين عليهم القيام به لتحسين تعلمهم؟ وأيضاً تؤكد الوثيقة على أن يكون التقويم تشاركياً بين المعلم والطلاب بحيث يحددون ما عليهم القيام به لمعالجة فجوات التعلم وكيفية تحسين تعليمهم، لذا فإن التقويم في المقام الأول هو تشخيصي وتكويني الغرض.

ولا تقتصر أدوات التقويم على اختبارات القلم والورق التقليدية، بل تشمل استراتيجيات تقويم تسمح للمعلمين بجمع المعلومات التي لا يمكن الوصول إليها بسهولة من خلال الطرق التقليدية، وهذه الاستراتيجيات تدمج التقويم مع التدريس، فمثلاً قد يشاهد المعلمون الطلاب وهم يقومون بحل المشكلات وجعلهم يشرحون استراتيجياتهم. يمكن للمدرسين أيضًا إشراك الطلاب في تقييم مهاراتهم والتأمل في تعلمهم وكيفية تحسينه، وكذلك المناقشة الفعالة قد تسهم في التحقق من الفهم وتكشف للمعلمين التصورات الخاطئة للمفاهيم، ومن الاستراتيجيات أيضاً تقييمات الأداء في التجارب التعليمية، وكذلك تقويم الطلاب لأنفسهم حتى يتمكنوا من التفكير في عملهم وإجراء تحسينات.

ولاشك أن التقويم بهذه الأساليب والأدوات يُنمي ويعزز اكتساب الطلاب لمهارات المستقبل كما ذكرنا سابقاً.

وجاء الفصل الرابع من الوثيقة بعنوان ” منهج الرياضيات الابتدائية ” وفيه تم وضع أهداف المرحلة الابتدائية وهي تمكين جميع الطلاب من:

  • اكتساب المفاهيم والمهارات الرياضية للاستخدام اليومي والتعلم المستمر في الرياضيات.
  • تطوير مهارات التفكير والاتصال والتطبيق والمهارات المعرفية من خلال مقاربة رياضية لحل المشكلات.
  • بناء الثقة وتعزيز الاهتمام بالرياضيات.

وهذه الأهداف تتوافق مع إطار كفاءات القرن الحادي والعشرين الذي وضعته سنغافورة، فمهارات التفكير والتواصل والمهارات الأساسية والثقة وحل المشكلات جميعها وردت في الإطار العام لكفاءات القرن الحادي والعشرين الموضح سابقاً.

وفي هذا الفصل وضع مخطط للمنهج يحتوي على ثلاث مجالات من الرياضيات هي الجبر، والقياس والهندسة، والإحصاء، وعلى العمليات الرياضية وهي تشمل عمليات المنطق والتطبيق ومهارات التفكير والاستدلال.

وفي نهاية الفصل تم سرد المحتوى وخبرات التعلم حسب المستويات، ويلاحظ على هذه الخبرات أنها تؤكد على العمل في مجموعات وإعطاء أمثلة من الواقع ومناقشتها، وسنورد بعض معايير المحتوى والخبرات التي تعطي صورة عن علاقة المحتوى بإطار كفاءات القرن الحادي والعشرين(مهارات المستقبل).

جدول(1) مثال على معايير المحتوى والخبرات

الصف الأول: مجال الجبر والأعداد: درس النقود

يتضح من هذا المثال أن المحتوى يعزز الأنشطة التعاونية ويكون المتعلم بذلك مساهما نشطا، وقادراً على التواصل مع الآخرين.

وأنشطة التمييز والمقارنة تنمي لدى المتعلم التفكير الناقد والقدرة على معرفة الفرق بين الصواب والخطأ فتجعله شخص ذو ثقة بنفسه.

والأنشطة التعاونية تنمي القدرة على التعاون والاهتمام ومشاركة الآخرين، وحل المشكلات ينمي الفضول النشط حول اكتشاف الأشياء، والقدرة على التفكير والتعبير عن أنفسهم بثقة واضحة، فتجعله متعلما ذاتياً.

ويمكن مقارنة معايير المحتوى السابقة مع الدرس الفعلي في كتب الرياضيات السنغافورية -النسخة الأمريكية- كما في الشكل التالي:

 

شكل(3): درس النقود في كتاب الرياضيات للصف الأول الابتدائي

ويتضح من صفحات الكتاب أن الأمثلة ركزت على التصنيف والمقارنة، وحل مشكلات من واقع حياة الطلبة، ونمت لديهم الثقافة المالية.

ومن هذه القراءة نستخلص أن وثيقة منهج الرياضيات وكتب الرياضيات راعت بشكل واضح إطار عمل سنغافورة في كفاءات القرن الحادي والعشرين، حيث لم تتبنى وزارة تعليم سنغافورة هذا الإطار فحسب، بل تعلنه في موقع الوزارة وتوضح تفاصيله وتضمنه في وثائق المناهج وهذا يساعد التربويين في سنغافورة لامتلاك تصور واضح عن هذا الإطار وتضمينه في المناهج، بما يجعلهم يعززونه لدى طلابهم في ممارساتهم المختلفة، الأمر الذي قد يكون انعكس على نتائج طلابهم في اختبارات PISA2018.

المراجع:

Chee,M& Chin,T& Loh,M& Ng,H& Poon,C& Sin,H et al..(2019). Singapore Overview of Education System. Retrieved from
http://timssandpirls.bc.edu/timss2015/encyclopedia/countries/singapore/
Ministry of Education Singapore.(2013). Mathematics syllabus primary one to six. Singapore: Ministry of Education.
Ministry of Education, Singapore.(2018). 21ST CENTURY COMPETENCIES. Retrieved from
https://www.moe.gov.sg/education/education-system/21st-century-competencies
Organisation for Economic Co-operation and Development(OECD).2005. THE DEFINITION AND SELECTION OF KEY COMPETENCIES. Retrieved from
https://www.oecd.org/pisa/35070367.pdf
Marshall Cavendish Education.(2016). Primary Mathematics 1B TextBook.by Ministry of Education, Singapore





كاتب المقال

نجلاء السبيعي  
كتب ما مجموعه 1 مقالات اضغط هنا لقراءتها

مشرفة رياضيات وباحثة ماجستير مناهج وطرق التدريس.





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *