الرئيسية » رأي » توصيات المؤتمرات العلمية، رسم لاستراتيجيات المستقبل أم حبيسة أدراج تنتظر الفَرَج..؟!

توصيات المؤتمرات العلمية، رسم لاستراتيجيات المستقبل أم حبيسة أدراج تنتظر الفَرَج..؟!

تُعد المؤتمرات والندوات العلمية والتخصصية من أنفع ما ابتدعته الحضارة المعاصرة، وهي ثقافة مجتمعية إيجابية لا ينبغي أن نغفلها، بل يجب أن نتزود بها على اعتبار أن أهميتها لا تكمن في تبادل الأفكار والحوارات والخبرات والتواصل فقط، بل إنها من أهم عوامل التنمية في المجتمعات الحديثة في جانبها الاقتصادي والثقافي والعلمي والتنموي؛ حيث تتلاقح فيها الأفكار الجديدة مؤدية إلى نِتاج معرفي وعلمي تستفيد منه المجتمعات و تواجه به تحدياتها المستقبلية والمتنوعة. كما أن التوصيات التي تخرج منها تُضيف قيمة علمية وتساهم في إثراء المعرفة في مجالات التنمية المختلفة، بالإضافة إلى كونها تُعد مُنطَلقا لإجراء المزيد من الدراسات والبحوث المتعلقة بالتنمية، إلا أن تنظيم مؤتمر ناجح ليس بالأمر الهيّن واليسير بل يتطلب الكثير من الخبرة والتنظير. وتعكف العديد من الجامعات ومراكز الدراسات والأبحاث والمؤسسات المهتمة طوال العام على إقامة مؤتمرات تسعى عبرها إلى تطوير الواقع عبر التوصيات التي تُعتَمد مع نهاية كل فعالية، وهي توصيات تُدرَج في خانة “الهامة” لكنها في الغالب لا تجد سبيلاً لـ “التنفيذ” بسبب غياب المنهجية التكاملية للأداء لدى تلك الجامعات والمراكز والمؤسسات، وهو ما يعرقل مشاريع التطوير في أكثر من جانب، لذلك بات لزاماً على الجهات المسؤولة عن التنمية والتطوير في المجتمع الوعي بأن هذه المؤتمرات التي تكلف الكثير من الأموال يجب أن تكون بوابة تُنفَّذ عبرها استراتيجيات تخدم المصالح العامة، وليس مجرد “براويز” إعلامية؛ ذلك أن ما يُقاس من نجاح هو ما يسجَّل في رصيد “التنمية” وليس عدد المؤتمرات وكثرتها. ولكن للأسف نرى أن بداية المؤتمر تختلف عن ختامه، فحفل الافتتاح يشهد حضور عشرات من الباحثين والمهتمين والمسؤولين ثم يتراجع هذا الرقم إلى رقم خجول جداً مع انتهاء المؤتمر أو حتى انتصاف أيامه، وهذا ما يدعو إلى التساؤل عن الجدوى من هذه المؤتمرات.
و هنا تأتي إشكالية الاستفادة من توصيات الندوات والمؤتمرات واللقاءات العلمية التي تُعقد الكثير من التساؤلات حول الجدوى من إقامة مثل هذه الفعاليات وما ينفق عليها من أموال، وجدية التعامل مع “التطوير” ووضع آليات علمية وسليمة من أجل تحقيقه، وهو الأمر الذي وجب معه اتخاذ إجراءات جديدة في “الرقابة” تضع النقاط على الأحرف، بحيث يكون “تقييماً” للأداء عبر تنفيذ التوصيات المرتبطة بالمؤتمرات والندوات، وإن لم يُستفد من توصياتها بالشكل المطلوب في معالجة بعض الخلل الذي يعتري مسارات التنمية، وهنا يُطرح السؤال: لماذا لا تزال كثير من التوصيات مجرد حبر على ورق يظل حبيس الأدراج ولا يُطبَّق، على الرّغم من أن الأوراق البحثية التي يقدمها الباحثون على درجة عالية من الأهمية كونها تستند إلى أرقام وإحصاءات هامة؟ وهو ما يُعد مؤشراً على جدية الباحثين وأهمية ما يقدمونه في معالجة المشاكل والاختلالات. ولو تم تفعيل وتنفيذ المقترحات والتوصيات التي توضَع في نهاية كل مؤتمر، فسيكون هناك بالفعل جدوى كبيرة منها، وما عدا ذلك سيكون مجرد إهدار أموال، والمطلوب أن تُترجَم على أرض الواقع من خلال تشكيل لجان تتابع تنفيذ التوصيات وتحرص عليها.

ولعل من الأمور التي يجب أخذها بعين الاعتبار، لضمان استفادة قصوى من المؤتمرات العلمية ما يأتي:

1- اختيار موضوع المؤتمر أو الندوة العلمية بما يتماشى مع الواقع ومتطلبات المجتمع، لأن بعض المؤتمرات والندوات العلمية لا يستفيد منها سوى ضيوفها؛ إضافة إلى انعقادها وخروجها بتوصيات قد لا تلائم الوقت الراهن.
2- توسيع قاعدة المشاركة في المؤتمرات والندوات لتشمل شرائح جديدة، بحيث لا تقتصر المشاركة على النخبة العلمية، بل يجب أن تشمل الممارسين والمواطنين وأصحاب وجهات النظر الواعية في نقاشاتها وجلساتها.
3- قيام اللجنة العلمية للمؤتمر بمراجعة جميع الأوراق التي تُقدَّم للمشاركة في المؤتمر على قاعدة تحديد درجة مطابقتها للمعايير العلمية العالمية وارتباطها بموضوع المؤتمر؛ من أجل أن تعمل الجهات المنظمة بعد انتهاء المؤتمر على تبني التوصيات والتصديق عليها وتنفيذها لترى النور.
4- الصياغة الجيدة للتوصيات وإشراك المعنيين بالقضية التي تُناقَش في صياغتها، وتعاون الجهات المعنية وإشراكهم في تطبيق التوصيات.
5- التوصيات يجب أن تكون محددة وواضحة وقابلة للتنفيذ بحيث تكون مزيجا بين الجانب العلمي والجانب التطبيقي، مع تحديد واضح للجهات المسؤولة عن تنفيذ كل توصية والتأكد من اطلاع تلك الجهات عليها.
6- وضع آلية لمتابعة التوصيات الصادرة عن المؤتمرات من خلال تشكيل لجان متابعة مؤلفة من مجموعة من الأشخاص ذوي العلاقة بتنظيم المؤتمر تتابع تنفيذ التوصيات بُغية ترجمتها على أرض الواقع؛ كي لا تضيع الجهود المبذولة والميزانيات الكبيرة التي تُنفق على تلك المؤتمرات دون تنفيذ توصياتها.
7- وضع استراتيجية متكاملة على مستوى الدولة لتفعيل الاستفادة من التوصيات الصادرة عن تلك المؤتمرات والندوات، تتضمن إيجاد آليات وإعداد خطط تنفيذية وزمنية لمتابعة وتنفيذ هذه التوصيات؛ من أجل تحقيق الاستثمار الأمثل لها بما يخدم التنمية في كل مجالاتها، وبما يحقق المصلحة العامة.
8- إنشاء مركز متخصص يُعنى برصد ومتابعة التوصيات التي تصدرها المؤتمرات والندوات التي تُعقد في الدولة، حيث يأتي هذا المشروع كمشروع نموذج رائد يهدف إلى رصد ومتابعة الرصيد الفكري المتراكم للمؤتمرات، وكترجمة عملية للحراك الشمولي المتنوع الذي تعيشه الدولة في كل المجالات، وضرورة متابعة التوصيات كمصدر ثري للقرارات والبرامج والمبادرات والخيارات الاستراتيجية التي تُعلَن هنا وهناك.
9- بناء قاعدة بيانات معلوماتية للأوراق البحثية وتوصياتها التي يتم عرضها في المؤتمرات والندوات، وتوفير خدمة الإمداد النوعي والمؤسسي بالتوصيات، وإحداث نقلة معرفية منهجية في التفكير الاستراتيجي من خلال الاستفادة من التراكم المعرفي للتوصيات، وتقييم وتصنيف الأعمال التي تم تفعيلها، وتقديم قيمة حقيقية مضافة لصنّاع القرار الحاليين والمستقبليين وإلهامهم بخلاصة التراكمات.
10- الانتباه إلى أن أغلب توصيات المؤتمرات والندوات لا يتم تنفيذها لحاجتها للوقت والإمكانيات المادية الكبيرة ولوجود بعض الملاحظات التنفيذية عليها؛ لأن المؤتمرات والندوات غالباً ما تهتم بالجانب التنظيري والعلمي، ولا تُولي الجانب التطبيقي الميداني الاهتمام الأكبر.
11- إتاحة الفرصة لمراكز القرار وكبار التنفيذيين في القطاعات المختلفة لاستثمار الأفكار والتوصيات الناتجة عن المؤتمرات والندوات والتي بُذل وصُرف عليها الكثير؛ من أجل مواجهة التحديات التنموية في كل المجالات، ودعم تنافسية القطاعات المختلفة من خلال إيجاد بيئة ملائمة ومحفزة في نفس الوقت فيما يتعلق بالتوصيات ودرجة تفعيلها أو تكرارها، والارتفاع بمستوى فعالية الاستفادة من التراكم المعرفي للتوصيات، وأهمية إتاحة عملية مشاركة الموارد وتبادل المنفعة على المستوى الوطني.
12- توفير القنوات المناسبة والبيئة الاستشارية الداعمة للتفعيل المعرفي وفقاً للاعتبارات المرجعية والاهتمامات الموضوعية من قِبل الجهات المنظمة لمثل هذه الفعاليات.


مقالات يمكن أن تعجبك




عن الكاتب

د/ هاني عبدالقادر الأغا  
كتب ما مجموعه 2 مقالات اضغط هنا لقراءتها

باحث في مجال العلوم الإنسانية والتربوية من فلسطين، يعمل في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، حاصل على درجة الدكتوراه في فلسفة التربية تخصص مناهج وطرق تدريس الرياضيات من جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية. له اعتمادات تدريبية في مجال العلوم الإنسانية والتنمية البشرية والإرشاد الأسري.





تعليقات الفيسبوك



تعليقات الموقع


2 تعليقان

  1. اميه عبد الحفيظ حسن

    السلام عليكم ورحمة الله وبكاته
    انتم رائعين محظوظ كل انسان بتابعكم
    الله يسعدكم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
11 − 7 =