التعلم الذكي

ما هو التعلم الذكي ؟ ما هي عوامل نجاحه ؟ وما هي متطلبات تطبيقه ؟

ما أن يُذكر مصطلح التعلم الذكي إلا و يتبادر إلى الذهن “برنامج محمد بن راشد للتعلم الذكي” الذي يعتبر من المبادرات الهامة في العالم العربي والتي تهدف إلى الارتقاء بمستوى التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة تماشياً مع أهداف “خطة 2021 الاستراتيجية” والرامية إلى رفع معايير العملية التعليمية إلى مستويات تضاهي أفضل المعايير الدولية، وتقديم مثال يُحتذى به في مجال مبادرات التعلم الذكي على المستوى العالمي. وعلى مستوى العالم، نذكر كلا من اليابان وسنغافورة كدول لها السبق في الدخول إلى تجربة التعلم الذكي. فما هو التعلم الذكي وما هو أصل المصطلح ؟ وما هي الأسس التي يقوم عليها؟ وهل التعلم الذكي مجرد إدماج أو استخدام للتقنية في التعليم أم أن المفهوم أبعد من ذلك؟ وأسئلة أخرى سنحاول الاجابة عليها في هذا المقال.

تعريف التعلم الذكي  

سنستعرض عددا من المفاهيم التي يمكن أن تساعدنا على توضيح الرؤية حول ماهية التعلم الذكي والدعائم التي يقوم عليها:

المفهوم الأول:

التعلم الذكي هو التعلم الذي تعتمد فيه العملية التعليمية الأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر والألواح الإلكترونية كمساند لنظام التدريس وليس بديلاً عنه.

المفهوم الثاني:

التعلم الذكي هو التعلم القائم على استخدام النظم الإلكترونية والاتصالية والتكنولوجية المتطورة والمستحدثة كل لحظة، والمستفيد أيضاً من كل ما يجعل المعلم قادراً على متابعة أعداد أكبر من الطلاب من خلال منصات النقاش، ووسائل التواصل المتنوعة كبرامج المحادثة والفصول الافتراضية.

المفهوم الثالث:

التعلم الذكي يرتبط بنوع جديد من التعليم يعتمد على استخدام التكنولوجيا، في صفوف افتراضية يمكن الالتحاق بها من أي مكان في العالم، ويجعل المادة الدراسية متاحة طول الوقت بمرونة وفعالية، فهو إذن تعليم مواكب ومتجدد ومنفتح على العالم الافتراضي.

المفهوم الرابع:

التعلم الذكي هو التعلم الذي يستند إلى منهجية متكاملة لتوظيف التكنولوجيا المتطورة في إحداث تغيير إيجابي في منهجيات التعليم التقليدي، وخلق بيئة محفّزة لبناء مهارات الإبداع والابتكار والمشاركة الاجتماعية وتنمية الثقافة الفكرية والتواصل الفعّال بين عناصر العملية التعليمية من المعلمين والإدارة وأولياء الأمور والمجتمع والتواصل الفعال بين الطلبة أنفسهم، بما يمكّنهم من الاندماج بفعالية ضمن العالم الرقمي الذي يمثل أحد أبرز ملامح العصر الحالي.

فى التعريفات الثلاث الأولى للتعلم الذكي، نلاحظ التركيز على دور التقنية كمسهل وداعم لعملية التدريس وللمعلم للقيام بدوره التعليمي، وعلى الميزات التي يوفرها استخدام التقنية والمتمثل فى تسهيل عملية التعليم والتعلم، وتخطي حواجز الزمان وفي مواجهة مشكل الأعداد الكبيرة من المتعلمين، وقد جاءت هذه المفاهيم متفقة مع بداية إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصال في مجال التعليم.

أما التعريف الأخير، فيمكن اعتباره التعريف الأشمل والأعمق للتعلم الذكي. فهو يتفق مع التعريفات الثلاث في أن التعليم الذكي هو تعليم قائم على توظيف التكنولوجيا، إلا أنه يختلف عنها عموما بالنظر لما يمكن أن تحدثه التقنية في المنهجية التقليدية للتعلم، وفي بيئات التعلم، وفي إتاحة التواصل الفعال بين مكونات العملية التعليمية بهدف إدماج الطلاب فى عالم التقنية.

لماذا هو تعلم ذكي؟

لا يبدو الأمر صعباً للتوصل إلى أن التقدم المذهل في الأجهزة التقنية والألواح الرقمية وأدوات العرض ووسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك وتويتر وغيرها من الأدوات التقنية، ونفوذها القوي على الطلاب وعلى المجتمع بشكل عام، يشكلان السببين الرئيسيين اللذان جعلا الأنظار تتجه إلى ما يمكن أن تقوم به هذه التقنيات من توفير تجربة تعلم جديدة غنية وثرية وجاذبة خصوصاً في ظل تضاعف المعرفة في السنوات الأخيرة بمقدار ما كانت عليه منذ قرن من الزمان وسهولة تبادلها بغض النظر عن المكان والزمان.

ومن هنا ظهر مصطلح التعلم الذكي حيث تتم فيه الاستفادة من المميزات التي توفرها الأجهزة الذكية في تسهيل وتسيير العملية التعليمية نحو الأفضل، وهذا الجانب الأول يشكل أصل المصطلح، أما السبب الثاني فيكمن في اعتبار الذكاء كلمة مفتاحية في هذا المصطلح أيضا حيث أن الفرد المتعلم الذي يشكل المخرج التعليمي لاستخدام التقنية هو فرد ذكي، بمعنى أنه فرد متسلح بالمواصفات المطلوبة للتكيف مع عصره مثل المرونة والقدرة على التكيف مع المواقف الجديدة في ميدان المعرفة أو في ميدان العمل وغيرها… من تحديات القرن الحادي والعشرين، وبالتالي فهو متعلم ذكي ناتج عن تعليم ذكي، فاستخدام التقنية يساعد على:

  • تغيير الطرق التقليدية في إيصال المعلومة، وبذلك يتمكن المتعلم من استيعاب المحتوى بشكل أفضل، والوصول إلى أقصى قدر ممكن من الاحتفاظ بالمعرفة المكتسبة، عن طريق إعادة توظيفها فى البحث عن معرفة جديدة أو ابتكار حلول لمشاكل فعلية يُوجه نظره إليها أو يقوم هو شخصيا بالمبادرة في البحث عنها وابتكار طرق ووسائل حل هذه المشكلة، وفي ذلك دعم للتعلم الذاتي.
  • الخروج بالمناهج والمواد التعليمية من الأطر التقليدية والصور النمطية المألوفة للكتب المدرسية إلى المناهج الإلكترونية، والمحتوى العلمي الرقمي الذي يتيح للطلبة فرص التعلم المستمر والتعلم الجماعي والتعلم عن بعد…
  • التواصل مع المعلمين والولوج إلى معلومات الطالب وبياناته، وإجراء الاختبارات باستخدام باقة متكاملة من التطبيقات الذكية.
  • إعداد الطلاب للتعامل مع المتغيرات التقنية والابتكارات في مجال التكنولوجيا وتشجيعهم على المشاركة في المؤتمرات والمعارض و ورش العمل المعدة لهذا الغرض في مختلف القطاعات.
  • تشجيع الطلاب على استخدام الأدوات التكنولوجية المبتكرة في النشاطات الصفية وكذلك العمل الجماعي بين الطلاب.
  • إشراك الطلاب في وضع استراتيجيات التعلم الذكي نظراً لتوفر كافة المعينات التي تتيح لهم الاستفادة الفورية مما تعلموه وربطها بالواقع العملي وكذلك برسم مستقبل حياتهم المهنية.
  • إعادة بناء المفاهيم العملية بطريقة علمية في ذهن الطلاب وهذا من خلال الربط بين المعلومات والتحليل وبين تنمية الفكر الناقد واستخدام أدوات التكنولوجيا وبناء مهارة البحث منذ الصغر.

أدوات التعلم الذكي ووظائفها:

تعتمد العملية التعليمية الذكية جزئيا على الأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر والألواح الإلكترونية الرقمية وأدوات العرض ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من تكنولوجيات المعلومات والاتصالات بغرض:

  • إتاحة الوصول المباشر إلى المحتوى التعليمي باستخدام ألواح التعليم التفاعلية الذكية في الفصول الدراسية لعرض المناهج الرقمية.
  • توفير تجربة تفاعلية للطلاب مع وسائط الاتصال والتقنيات الحديثة وتهيئة السبل ليتمتعوا بأنشطة التعلم الجديدة، وزيادة فرص التعلم ولذلك بسبب ما تتيحه لهم من القدرة على التعلم والاكتشاف في البيئة المدرسية.
  • توفير الدعم والتوجيه اللازمين من المعلمين لمتعلميهم من خلال التواصل مع الطلاب لتقديم التغذية الراجعة الفورية التي يتطلبها الانتقال إلى مهمة أو خبرة تعليمية متقدمة بما يساعد على العمل من أجل تطوير قدراتهم ومهاراتهم من خلال إرسال وتقويم الواجبات إلكترونياً.
  • تقديم فرص للطلاب بهدف الحصول على تجربة تعليمية غير تقليدية تعتمد على تطبيق استراتيجيات حديثة مثل الفصل المقلوب وغيرها والتي تشكل التقنية فيها دورا مهما كوسيلة لإشراك الطلاب فى التخطيط للتعلم.
  • تسهيل عملية استخدام واستعانة المعلمين بالتقنيات المتطورة من أجل عرض دروسهم وتطوير علاقات مهنية مع غيرهم من المعلمين  تساعدهم فى الاستفادة من خبرات مختلفة.
  • زيادة فعالية التواصل بين الطلاب أنفسهم، وبينهم وبين معلميهم، وبين المعلمين و إداراتهم المدرسية، وبين المدرسة وأولياء الأمور بطريقة سهلة ودورية.

عوامل نجاح استراتيجية التعلم الذكي

العوامل المطلوبة لنجاح تجربة التعلم الذكي واللازم توفرها قبل البدء فى تطبيق التجربة   قدمتها “سابين هوبر” ، أخصائية التعليم العالمي في شركة إنتل، في كلمة لها خلال منتدى التعلم الذكي المقام بدولة الإمارات ، والذي تزامن مع معرض ذكي شاركت فيه مجموعة من الشركات الرائدة في مجال تقديم الحلول الذكية مثل “مايكروسوفت”، و”إل جي”، و”إنتل”، و”بيزتك للحلول”، وقد أكدت “سابين ” في كلمتها على ضرورة مراعاة الآتي:

  • وضع الرؤية والأهداف للتغيير الذي يطمح إليه البرنامج وتحديد ماهيته، والأطراف المعنية بتنفيذها من مدراء، ومدرسين، ومناهج وتقييم وغيرها من العوامل الموضوعية الهامة التي يجب أخذها بعين الاعتبار.
  • تحديد السياق التنفيذي والتطويري بدءا من مراحل وآلية التنفيذ والمدة الزمنية وموضوع الاستدامة، والميزانية، والشراكات الاستراتيجية مع المؤسسات، مع التركيز بالدرجة الأولى على الأطراف المعنية التي لها دور في تحقيق أهداف البرنامج.
  • أن يكون الانتقال تدريجيا مع إضافة بعد جديد في كل مرحلة، وذلك لضمان فهم واستيعاب متبادل من قبل جميع الأطراف. ومع تقدم البرنامج، تتواصل عمليات تحديث جميع أدواته وعناصره، بما فيها الأجهزة والمنهجيات التعليمية والمنصات الداعمة فهو  ليس مجرد تطبيق تقني بحت، إذ تقوم كل خطوة فيه على دراسة عملية واقعية نظرا لكونه جهدا مشتركا وتنسيقا بين عدة أطراف.
  • أهمية وجود رؤية واضحة لتطبيق استراتيجيات التحول الذكي بالتعاون مع جميع الأطراف المعنية، لأن ثقافة التحول الذكي يجب أن لا تكون على المستوى التعليمي فقط، بل على المستوى الاجتماعي أيضاً.
  • أن تتم عملية التقييم بشكل صحيح من خلال تركيزها بشكل رئيسي على التحديات التي تعترض تبني استراتيجيات التحول الذكي.
  • أن يتم توفير ورصد متطلبات استراتيجية التعلم الذكي المادية والبشرية من معلمين ومشرفين وفنيين وبرامج تدريبية وتأهيلية.

متطلبات تطبيق استراتيجية التعلم الذكي

عند الشروع  في تطبيق برنامج التعلم الذكي فيجب العمل على:

  • تحديث البنية التحتية عبر تزويد مجموعة من المدارس بالأجهزة اللوحية والمحمولة والتقنيات المتقدّمة لعرض المحتوى الإلكتروني المطوّر ولتعليم مناهج التعليم المبتكرة وتوفير مصادر الطاقة والطاقة البديلة.
  • توفير شبكات تواصل عالية المستوى، تتسم في مضمونها بالمرونة، وفي أدواتها بالدقة والسرعة، معتمدة في ذلك على وسائل التكنولوجيا الحديثة التي تتيح فرص الحوار البناء والتعاون المثمر بين جميع الأطراف الرئيسة للعملية (إداريون، معلمون، طلاب، أولياء الأمور) من جهة، ومن جهة ثانية تعزز شراكة المدرسة بالمجتمع المحلي المحيط بها (مؤسسات وأفراد).
  • حوسبة المناهج  لتصبح مناهج إلكترونية، مع وضع اعتبار خاص للمناهج ذات  المحتوى العلمي التقني، التي تتيح للطلبة فرص التعلم المستمر الذي يوفر للطلاب فرصة استيعاب التقنيات الجديدة مثل أنظمة التصنيع الذكية وشبكات الاتصال ونظم استخدام الطاقة وغيرها.
  • توفير أدوات أكثر تقدماً لتقييم سير العملية التعليمية، ومراجعة الخطط والبرامج، والتحقق من مسارات التطوير، ومعدلات الإنجاز وفق البرمجة الزمنية المحددة، استناداً لمعايير متفق عليها.
  • تدريب ودعم المعلمين بالأدوات المناسبة لمساعدتهم على تحديد خطط الدروس ووضع الاختبارات والامتحانات، واستعراض أفضل الممارسات المتبعة وتبادل المعلومات والتواصل مع الزملاء والكوادر التعليمية والطلاب وأولياء الأمور… باستخدام الشبكات الإلكترونية فائقة السرعة.

وفي الختام نخلص إلى النقاط التالية:

  • التعلم الذكي يعد مفهوماً متكاملاً حول استخدام التقنيات والتطبيقات التكنولوجية وكل ما يمكن أن يتيحه التقدم العلمي من أدوات  لتحفيز عملية التعلم، وكلما طوّعنا الحاسوب بأنظمة مستحدثة كلما ارتقينا بالتعليم الذكي وبالمدرسة الذكية.
  • تقنية المعلومات والاتصالات ليست غاية في حد ذاتها وإنما هدفا يمكن أن يؤدي إلى إحداث نقلة نوعية في كيفية التعلم، وفي مردود عملية التعليم والتعلم.
  • التعلم الذكي قائم على التوظيف المحكم لتكنولوجيا المعلومات لدورها الدّاعم لعملية التّعلّم، ولكن يجب أن لا ننسى أن التجهيزات الإلكترونية وسيلة تسهل وتيسّر التعلم فقط و لن تعوض التعليم.
  • برامج التعلم الذكي تعمل بشكل رئيسي على نجاح الطالب من خلال تفعيل وإحكام الصلة بين ثلاثة عناصر هي المدرسة والبيت والبنية التحتية.
  • نجاح تجربة التعلم الذكي تعتمد بشكل كبير على وضوح الرؤية وتحديد دور كل الأطراف المعنية بالأمر، مثل المؤسسات التعليمية وشركات الاتصال ومؤسسات المجتمع وحتى أولياء الأمور، و تعتمد على التدرج عند تطبيقه أيضا.
  • على الرغم من كل مميزات تطبيق برامج التعلم الذكي، إلا أن هناك من يرى أن له من السلبيات الكثير، لعل أبرزها اختزال دور المعلم، الذي يعني بدوره اختزال جانب العلاقات الإنسانية داخل المدرسة.

 

 


المراجع:

http://www.eurodl.org/index.php?p=current&sp=brief&article=720

http://www.albayan.ae/across-the-uae/government-summit/2015-02-08-1.2306358

http://smartlearning.gov.ae/ar/get-us-know-us/?tab=1412241504-1-98

https://www.tra.gov.ae/ar/media-hub/press-releases/2015/12/15/smart-learning-national-strategy-tops-the-agenda-at-the-smart-learning-forum.aspx

http://www.myegyptmag.com/index.phpreportage-16-11-14

http://www.smartlearning.ca/pdfs/Guide_SmarterLearning_hires.pdf

https://edutech1970.wordpress.com/2015/02/20


مقالات يمكن أن تعجبك




عن الكاتب

د. اخلاص محمد عبد الحي  
كتب ما مجموعه 6 مقالات اضغط هنا لقراءتها

مدرسة كيمياء -دكتوراه فى المناهج وطرق التدريس - أستاذ مساعد (متعاون ) جامعة السودان باحث في مجال المناهج وطرق التدريس - مدرب معتمد بوزارة التربية - السودان





تعليقات الفيسبوك



تعليقات الموقع


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة البريدية للموقع

لتستقبل أحدث مقالات " تعليم جديد "

أدخل بريدك الإلكتروني في المربع

أسفله

ثم أنقر فوق زر " اشترك "