في قطاعٍ محاصرٍ تتكسر على حدوده المبادرات، وتتهشم فيه تباعاً طموحات التعليم، تبقى مساعي تحقيق جودة مدرسية حقيقية في قطاع غزة مرتبطة بجهود مستمرة لمواجهة التحديات البنيوية والظروف الاستثنائية، أكثر من كونها مجرد إجراءات إصلاحية إدارية أو تنظيمية، غزة، هذا الشريط الضيق الذي تنكمش فيه المساحات وتتسع فيه الهموم، يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: فإما أن يستمر في اجترار الأزمات وتدوير الكارثة التعليمية، وإما أن يصوغ نموذجًا فلسطينيًا خاصًا للاعتماد المدرسي، ينبع من واقعه وينبض به.
بين الاعتماد والجودة مفاهيمٌ لا تعرف الحياد:
الاعتماد المدرسي ليس مصطلحًا نخبويًا أو شعارًا يُطبع على لافتات المؤتمرات، بل هو آلية دقيقة لتقويم الأداء، ومرآة صريحة تعكس مدى التزام المدارس بالمعايير التربوية، الأكاديمية، والقيمية. أما الجودة المدرسية، فهي الروح التي تسري في بيئة التعليم.
لكن في غزة، حيث تتآكل البنية التحتية تحت وقع القصف، وتُستنزف الموارد بين الحصار والحرب، لا يمكن استنساخ نماذج عالمية دون مساءلتها وإعادة تشكيلها بما يتلاءم مع خصوصية الحالة الفلسطينية.
لماذا نحتاج نموذجًا فلسطينيًا للاعتماد المدرسي؟
لا يمكن التعامل مع غزة كأنها فرع من نظام تعليمي في دولة مستقرة؛ الواقع هنا يُحتِّم ابتكار نموذج يُراعي:
- الطوارئ المستمرة: فالمدارس تتحول لمراكز إيواء، والمعلمون يعملون وسط الموت، والطلاب يعانون من آثار نفسية جلية.
- شح الإمكانيات: النقص الدائم في المواد التعليمية، البيئة المدرسية المناسبة، وحتى الكوادر المتخصصة.
- الهوية والمقاومة الثقافية: التعليم في غزة ليس حياديًا؛ إنه وسيلة للحفاظ على الهوية ومقاومة المسح والتشويه.
- التنوع الاجتماعي والسياسي: المدارس تتفاوت من حيث التبعية (حكومية، وكالة، خاصة)، ولكل منها خصوصيته في الإدارة والتنظيم.
من هنا، يصبح من الضروري بناء نموذج للاعتماد ينبع من الداخل، ويستند إلى معايير واقعية.
ماذا يمكن أن نتعلم من التجارب العالمية؟
رغم خصوصية غزة، إلا أن التجارب العالمية تُعد خزانًا غنيًا بالدروس، شريطة أن تُقرأ بعدسة نقدية. ففي فنلندا، يُنظر إلى الجودة المدرسية بوصفها نتاجًا لثقافة الثقة والتطوير المهني المستمر، وليس كثمرة للرقابة أو التفتيش. وفي سنغافورة، يُبنى الاعتماد على منظومة متكاملة من الكفاءة والتكنولوجيا والعدالة في التوزيع. أما في كندا، فتتقدم مفاهيم الإنصاف والدمج والاهتمام بالرفاهية النفسية والاجتماعية للطلبة.
لكن ما يجمع هذه النماذج جميعًا هو أنها لا تُفرض من الخارج، بل تتشكل من داخل المجتمع، وتُصمم بما يتناسب مع سياقاته التاريخية والثقافية والسياسية. وهنا، يكمن الدرس الأهم لغزة: لا يمكن أن تكون الجودة قالبًا جاهزًا يُسقط على بيئة ممزقة، بل لا بد أن تُصاغ بوعي أبنائها، وتُجسّد آمالهم وإمكاناتهم.
نحو نموذج غزّي، سمات واقعية ومقترحات تأسيسية:
لكي نبني نموذجًا فلسطينيًا غزّيًا للاعتماد المدرسي، لا بد من مراعاة جملة من السمات الجوهرية، منها:
- المرونة والواقعية: يجب أن يُصمم النموذج ليعمل في ظروف الطوارئ، ويُراعي الإمكانيات المحدودة دون أن يتنازل عن المبادئ التربوية الأساسية.
- المشاركة المجتمعية: لا اعتماد بلا أهل، ولا جودة بلا بيئة داعمة. يجب إشراك المجتمع المحلي، وأولياء الأمور، والطلبة أنفسهم في معايير التقييم.
- التركيز على المخرجات الإنسانية: بدلًا من التركيز فقط على العلامات والاختبارات، ينبغي أن يتجه التقييم نحو مدى تعزيز المدرسة لقيم الانتماء، التفكير النقدي، والقدرة على التكيف مع الأزمات.
- الاعتراف بالجهد لا بالمثالية: لا نبحث عن مدرسة خالية من العيوب، بل عن مؤسسة تقاوم، تتطور، وتُراكم خبرات تعليمية حقيقية رغم المحن.
- الدعم النفسي والتربوي: يجب أن يُعامل المعلم والطالب كأشخاص تعرضوا لضرر مباشر وغير مباشر، وأن يُبنى الاعتماد على مبدأ التعافي التربوي.
ختاماً، نحو إطار اعتماد ملائم للسياق الغزّي:
في ضوء ما سبق، يتضح أن بناء نموذج فلسطيني محلي للاعتماد المدرسي في قطاع غزة يمثل استجابة ضرورية للظروف الاستثنائية التي تمر بها البيئة التعليمية، وليس خيارًا تنظيميًا يمكن تأجيله أو استبعاده. فغياب نموذج ملائم يؤدي إلى استمرار فجوة التقييم الموضوعي، ويحدّ من فرص التطوير التربوي المنهجي، خاصة في ظل التنوعات المؤسسية وشح الموارد، وما يترتب عليهما من تفاوت في جودة التعليم.
إن استلهام التجارب الدولية الناجحة يجب أن يتم من خلال قراءة نقدية واعية، تنقل المبادئ لا القوالب، وتركز على إنتاج نموذج محلي يستجيب للواقع الغزّي لا يناقضه. هذا النموذج يجب أن يجمع بين المرونة المؤسسية، والعدالة في التقييم، والمشاركة المجتمعية، والتركيز على المخرجات الإنسانية والنفسية إلى جانب الأكاديمية.
وعليه، فإن التوصية الأساسية تتمثل في ضرورة تشكيل لجنة تربوية وطنية متعددة التخصصات، تضم ممثلين عن وزارتي التعليم، ووكالة الغوث، والمجتمع المدني، والباحثين التربويين، لوضع إطار اعتماد مدرسي خاص بقطاع غزة، يستند إلى منهج تشاركي، ويراعي طبيعة الأزمات الممتدة.
إن بناء نموذج كهذا لا يهدف فقط إلى ضمان الجودة، بل يسهم في ترسيخ السيادة التربوية، وتعزيز استقرار العملية التعليمية في بيئة تخضع باستمرار للاضطراب والانكشاف، مما يجعله خطوة استراتيجية نحو استدامة التعليم في القطاع.
المراجع:
أبو رحمة، م. ح. خ. (2018). متطلبات معايير الاعتماد المدرسي لضمان تطبيق الجودة في مدارس التعليم بالمحافظات الجنوبية لفلسطين. جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية. متاح عبر: https://search.shamaa.org/FullRecord?ID=260168
حمادنه، ه. س. (2023). الاعتماد المدرسي: التجارب العالمية والعربية. عمان: المعتز للنشر والتوزيع. متاح عبر: https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb392372-389917&search=books
عصيدة، ف. ص. (2024). تجربة وزارة التربية والتعليم الفلسطينية في رقمنة التعليم. مجلة جامعة الاستقلال للأبحاث، 9(1). متاح عبر: https://journal.pass.ps/index.php/aurj/article/download/397/183/2570
موقع تعليم جديد. (2022). الاعتماد المدرسي في التعليم العام: فلسفته، وأهدافه، وأهميته، وأنواعه. متاح عبر: https://www.new-educ.com/الاعتماد-المدرسي-في-التعليم-العام