الإغماس اللغوي

النحو النفسي في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها نماذج من القرآن والعربية المعاصرة

كنت قد نشرت في إبريل من عام 2017 مقالة قصيرة بعنوان “النحو الموضوعي” في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها، محاولةً مني لجمع شتات الموضوع الواحد الذي فرقته الحركة الإعرابية بحسب تقسميات النحويين القدماء رحمات الله تتنزل عليهم، وذلك بغية الاقتراب من حاجات المتعلمين وتسهيل معاني النحو لهم من جهة ومقاربة النحو العربي بوصفه أداةً لفهم المعنى وتنظيم الرؤية لا مجرد منظومة من القواعد الجامدة والأحكام الإعرابية المعزولة عن السياق والإنسان خاصة بعد قرابة عقدين من الزمن من التّدريس والـتأليف والتدريب، وتلمس حاجات الدارسين وغاياتهم. وقد لاقت تلك المقالة حينها قبولاً حسنًا لدى عدد من المهتمين والباحثين في المجال. وعرفت فيما بعد – آنذاك بعيد نشر المقالة- أنّ أستاذنا الكبير وصديقنا العزيز وحبيبنا الغالي الدكتور محمد محمد يونس، العالم اللساني المعروف، قد نشر طرحًا قريبًا في روحه واتجاهه تحت عنوان “النحو التعبيري”. وأشهد – مرة أخرى- بكل شفافية وصدق أنني لم أكن قد اطّلعت على عمله قبل كتابة مقالتي، وقد دار بيننا لاحقًا مناقشة علمية راقية حول الموضوع وتقاطعاتنا الفكرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت حوارات ثرية تؤكد أن الأفكار الكبرى كثيرًا ما تتولد من حاجات علمية مشتركة وتجارب عملية تطبيقية، ومن شعور متقارب نظري لساني بضرورة تجديد النظر إلى اللغة ووظائفها.

واليوم يسرّني أن أقدّم فكرة جديدة أخرى وتصورًا حديثًا مغايرا أحاول من خلاله استكشاف جانب آخر من العلاقة بين اللغة والإنسان، وذلك تحت عنوان “النحو النفسي” في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها. ويقوم هذا التصور على النظر إلى البنية النحوية من زاوية أثرها النفسي والإدراكي في المتعلم، وعلى محاولة فهم كيف يتفاعل العقل والوجدان مع الأنماط والتراكيب النحوية في أثناء الاكتساب والاستعمال والتفاعل والتواصل والإنتاج اللغوي، مؤمّلًا ألّا أكون قد بالغت في الطرح، ولا جاوزت حدّ البوح، وألا يكون هذا الحديث من ترفَ الكلام، وما يختلج في النفس حين يضيق الصمت، ويتّسع الشعور، وقد قلّبت الشابكة قدر مُكنتي واستطاعتي باحثًا عن هذا المصطلح فلم أقف – فيما وصلت إليه – على استعمال سابق له بهذا التحديد، فإن وُجد فأنا أول المسرورين بمعرفته والاطلاع عليه، إذ إن المعرفة العلمية لا تزدهر بالادعاء بل بالحوار والتراكم والتكامل. 

وقمين بالقول بأن هذه الفكرة قد تفتقت وانبثقت وتخلقت وتولدت وتبلورت في ذهني بصورتها الأولية وبدأت تتشكل ملامحها الأولى في أثناء كتابة بحث “من الإدراك إلى الإنجاز كيف يخدم فهم الأنماط الإدراكية تعليم العربية؟” الذي قدّمته في مؤتمر الجامعة الأمريكية بالقاهرة أواخر السنة الماضية. ففي أثناء التأمل في علاقة اللغة بالإدراك وطرائق التعلّم والانتباه والتفاعل الذهني مع التراكيب، بدأت ألاحظ أن كثيرًا من الظواهر النحوية لا يمكن تفسيرها تفسيرًا كاملاً إذا عُزلت عن البعد النفسي والشعوري للمتكلم والمتلقي. ومن هناك بدأت فكرة “النحو النفسي” تتسلل تدريجيًا إلى تفكيري، لا بوصفها محاولة لإعادة تسمية النحو، بل بوصفها محاولة لفهم الجانب الإنساني العميق الكامن خلف اختيار التراكيب والأساليب، وكيف تتحول الحالات النفسية والانفعالات والمواقف الإدراكية إلى صيغ لغوية محسوسة داخل الخطاب العربي، ترافق ذلك مع ما كنت أقدمه وارشحه وابينه من ظلال نفسية ومحاولات للتفريق بين التراكيب اللغوية المختلفة للدارسين. 

ويمكن القول الآن، وبكل بساطة بأنه مدخل تعليمي ينظر إلى القواعد النحوية بوصفها عمليات ذهنية ونفسية مرتبطة بإدراك المتعلم وفهمه واستجابته الانفعالية والتواصلية، لا بوصفها أنظمة شكلية مستقلة عن تجربة التعلم. ويقوم هذا المدخل على دراسة أثر البنية النحوية في شعور المتعلم بالوضوح أو التعقيد، وفي مستوى الطمأنينة اللغوية أو القلق اللغوي، وفي قدرته على المعالجة والاستعمال التلقائي في أثناء التواصل. وإجرائيًا أعرَّف ” النحو النفسي “ بأنه: طريقة في تنظيم وتقديم القواعد العربية وتعليمها بحيث تراعي الحمل المعرفي والانفعالي لدى المتعلم، وتربط بين التراكيب النحوية من جهة وحاجاته التواصلية والإدراكية من جهة أخرى، بهدف تسهيل الفهم (الاستقبال) والاستخدام والاستدعاء الطبيعي للغة (الإنتاج) في المواقف الحقيقية، ويتضمن ذلك اختيار التراكيب وفق جاهزية المتعلم النفسية والمعرفية، وتقديم القاعدة ضمن سياق ذي معنى، وتقليل التفسير التجريدي المرهق، والاعتماد على التكرار الوظيفي والتدرج الإدراكي، مع مراقبة أثر القاعدة في ثقة المتعلم ودافعيته وكفاءته التواصلية. وربما يمكن تعريفه من زاوية تربوية أكثر بقولنا: النحو النفسي في تعليم العربية للناطقين بغيرها هو مدخل تعليمي يربط التراكيب النحوية بالحالات النفسية والمواقف التواصلية التي تنشأ فيها، بحيث يتعلم الطالب القاعدة من خلال فهم الشعور والمعنى والسياق الذي أنتجها، لا من خلال الحفظ المجرد فقط. 

ويهدف هذا المدخل إلى تمكين المتعلم من إدراك أثر البنية في التعبير عن الخوف والطمأنينة والتردد والتأكيد والغضب والرجاء وغيرها من الحالات الإنسانية، بما يساعده على استعمال العربية بصورة طبيعية وواعية وقريبة من الاستعمال الحقيقي للغة. وبكلمات أخرى النحو النفسي هو تعليم النحو العربي بوصفه لغةً للمشاعر والمواقف الإنسانية، لا مجموعةً من القواعد المجردة، بحيث يفهم المتعلم لماذا اختار المتكلم هذا التركيب، وما الحالة النفسية التي شكّلته، وكيف تؤثر البنية في المعنى والتواصل؟

ومن دخل معترك تعليم العربية للناطقين بغيرها رأى وحس ولمس معاناة كثير من متعلميها وتحديات تعليم القواعد العربية بوصفها أنظمة شكلية جامدة تقوم على الصحة والخطأ بعيدًا عن المواقف التواصلية وما تحتاجه من تراكيب بحسب مستويات الكفاءة اللغوية من المستوى المبتدئ إلى المتميز، بينما اللغة في حقيقتها ليست قواعد منفصلة عن الإنسان من منظور اللسانيات النفسية بل هي – في ضوئها- انعكاس مباشر للحالة النفسية والانفعالية وطريقة إدراك المتكلم للعالم.

إن الطالب حين يتعلم أن الجملة الاسمية تدل على الثبات وأن الجملة الفعلية تدل على الحركة والحدوث فإنه يتعلم قاعدة نحوية بلا شك ولكنّه لا يدرك بعد لماذا يختار العربي تركيبًا دون آخر في موقف نفسي معين؟! وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ “النحو النفسي” أي العلاقة بين البنية النحوية والحالة الشعورية والإدراكية للمتكلم. ويمكنني القول إن هذا المدخل يكاد يكون غائبًا في تعليم العربية للناطقين بغيرها رغم أنه حاضر بقوة في النص القرآني وفي العربية اليومية المعاصرة، وتكمن صعوبته في صعوبة إدراكه والوصول إلى مكمنه وجوهره وكنهه، وهو يحتاج من المعلمين إلى مكنة عالية وأدوات مختلفة جعلت التبحر في هذا المجال وعرًا والوصول إليه صعبًا، ولكنه مع الدّربة والممارسة يصبح يسيرًا وقريب المنال بعون الله تعالى.

وأحترس منذ البداية وأقول إنّه لا يمكن تطبيق هذا الأمر على كل القواعد والمواقف اللغوية، كما أنّه لا يصح تحويله إلى تفسير شامل لكل الظواهر النحوية، غير أنّ حضوره يبدو جليًّا وواضحًا في مواقف وتراكيب بعينها كما هو شأن النحو الموضوعي الذي يناسب موضوعات دون أخرى، ولذلك لا ينبغي تجاهله أو إهماله في تعليم العربية للناطقين بغيرها. وقد يكون هذا المدخل مفيدًا ومعبرًا للمتعلم حين يدرك كيف تعكس اللغة نفسيته ومشاعره وانفعالاته من خلال أساليبها وتراكيبها واختياراتها التعبيرية. فالمتكلم لا يستعمل التراكيب استعمالاً آليًا مجردًا، بل يحمّلها في كثير من الأحيان درجات من التوتر أو الحسم أو التردد أو التأكيد أو الرغبة أو الرفض إلخ. وهذا ما يجعل بعض الأبواب النحوية أكثر قابلية للقراءة النفسية من غيرها، كما هو الحال تمامًا في النحو الموضوعي كما سبق القول، إذ ليست كل الموضوعات قابلة لهذا التناول، غير أنّه يبدو شديد الفائدة في موضوعات محددة مثل النفي والتأكيد والطلب والاستثناء والتعجب والنداء ونحوها من الأساليب التي ترتبط بطبيعة الموقف الشعوري والتواصلي للمتكلم.

وتتميز مقاربة تقديم النحو النفسي في أنها لا تسأل: هل الجملة صحيحة نحويًا؟ بل تسأل سؤالاً أعمق وأكثر إنسانية، وهو: لماذا اختار المتكلم هذه البنية تحديدًا في هذا السياق النفسي؟ ولماذا قال هذه الجملة بهذه الطريقة لا بطريقة أخرى؟ وما الذي تكشفه البنية عن شعور المتكلم وحالته الداخلية؟ وهو فعليًا ما كان يقدمه الأساتذة المتميزون دون تسليط الأضواء على الحالة النفسية بقدر ما هي خيارات تركيبية والسوبية مختلفة. وفي اعتقادي هنا أن اللغة في هذا التصور ليست قوالب جامدة تتحرك بلا روح، بل هي انعكاس مباشر لطريقة تفكير الإنسان وشعوره وتوتره وطمأنينته وتردده وحماسه وخوفه سواء أكانت بوعي أو دون وعي، لأن مسألة فصل الوعي الداخلي عن اللغة مسألة لا يوجد فيها حدود فاصلة وأقوال باتة، ولهذا فإن كثيرًا من التراكيب النحوية لا يمكن فهمها فهمًا عميقًا إذا عزلناها عن الحالة النفسية التي وُلدت فيها. وفي القرآن الكريم تظهر هذه الظاهرة بوضوح شديد، حتى يكاد المتلقي يشعر بالحركة النفسية قبل أن ينتبه إلى البناء النحوي نفسه، فعندما يقول الله تعالى: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾ نجد أن الفعلين قصيران وحاسمان وسريعان، وكأن البنية نفسها تنقل إحساسًا بالانقضاض المفاجئ والحسم النهائي والانهيار السريع للباطل، فالقضية هنا ليست مجرد فعلين ماضيين، بل إيقاع نفسي كامل يتحرك داخل التركيب. وفي قوله تعالى: ﴿ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر﴾ نلاحظ تتابع الأفعال القصيرة المتلاحقة، وكأن النص يرسم مشهدًا نفسيًا متوترًا يتحرك بسرعة أمام القارئ. والمتعلم هنا قد يشعر بالانقباض والتوتر النفسي قبل أن يبدأ بتحليل نوع الفعل أو موقعه الإعرابي، وهذا بحد ذاته مدخل تعليمي مهم للغاية، لأن المتعلم يتفاعل مع اللغة بوصفها تجربة شعورية لا بوصفها جدولاً نحويًا فقط. أما في قوله تعالى: ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا﴾ فإن امتداد الجملة وطبيعة التمني وطول النفس التركيبي تعكس حالة نفسية ممتدة من الحسرة والرغبة والندم. إننا أمام شعور إنساني يتشكل داخل البنية اللغوية نفسها، لا مجرد استعمال لأداة التمني. وهذا يقودنا إلى لب فكرتنا وجوهرها وهي فكرة مهمة جدًا، وهي أن التراكيب اللغوية ليست حيادية بالكامل، بل تحمل شحنة إدراكية وعاطفية ونفسية، فاختيار المتكلم لبنية دون أخرى لا يحدث دائمًا بطريقة عشوائية، وإنما يرتبط أحيانًا بطبيعة موقفه النفسي والاجتماعي.

وفي العربية المعاصرة نلاحظ الأمر نفسه بوضوح، فالشخص الغاضب غالبًا يميل إلى الجمل القصيرة الحاسمة:  انتهى الموضوع”، و”لا أريد النقاش” و”كفى” بينما الشخص المتردد يستعمل التراكيب المعلقة والمترددة:  “ربما يمكن أن نفكر” و”لست متأكدًا لكن” و”قد يكون الأمر مختلفًا”. أما الشخص المطمئن أو الهادئ فيستخدم الجمل الممتدة ذات الإيقاع الهادئ: “لا تقلق، الأمور ستتحسن تدريجيًا” و”أعتقد أننا نستطيع معالجة المشكلة بهدوء”. إذن النحو هنا ليس مجرد نظام شكلي، بل يتحول إلى مرآة نفسية تكشف طريقة الإنسان في رؤية العالم والتفاعل معه.

ومن هنا يمكن لهذا المدخل أن يغيّر طريقة تعليم العربية للناطقين بغيرها تغييرًا كبيرًا، فبدل أن نشرح للطالب أن حذف الفاعل مجرد قاعدة نحوية، يمكن أن نسأله: بالإضافة إلى ذلك متى يخفي الإنسان الفاعل نفسيًا؟ ولماذا يتجنب أحيانًا التصريح بمن قام بالفعل؟ فنحن في العربية نقول: “سُرقت السيارة” لأن المتكلم أحيانًا يهتم بالحدث أكثر من الفاعل، أو لأنه لا يعرف الفاعل، أو لأنه لا يريد التصريح به لأسباب نفسية أو اجتماعية أو سياسية، وهنا يصبح المبني للمجهول موقفًا نفسيًا وتداوليًا قبل أن يكون تحويلاً صرفيًا فقط. وفي المقابل حين يقول شخص: “أنا فعلت هذا” فإن حضور الضمير هنا قد يعكس تحمّلاً مباشرًا للمسؤولية، أو رغبة في التأكيد، أو محاولة لإثبات الذات، أو حتى دفاعًا نفسيًا عن النفس. 

ومن هذا المنطلق يمكن بناء دروس ووحدات تعليمية كاملة تقوم على “الحالة النفسية” لا على التصنيف النحوي التقليدي وحده. فالمعلم يستطيع مثلاً أن يقدم للمتعلمين ثلاث جمل:

  • أريد أن أتحدث معك
  • ربما نحتاج إلى الحديث
  • يجب أن نتحدث الآن

ثم يطلب منهم وصف الحالة النفسية لكل متكلم.

  • من المتردد؟
  • من الحازم؟
  • من الهادئ؟
  • من القلق؟

وهنا يبدأ الطالب بفهم أن تغير البنية يعني تغير الموقف النفسي والاجتماعي، وأن النحو ليس زينة شكلية بل اختيار إنساني دقيق.

أو قول طالب لآخرين:

  • اجلس
  • من فضلك اجلس
  • لتجلس
  • أرجو أن تجلس
  • هلا جلست

وفي درس آخر يمكن استخدام آيات قرآنية متقاربة المعنى مختلفة البنية، أو تعبيرات يومية مختلفة البنية متقاربة المعنى، ثم سؤال الطلاب:
ما الشعور الذي تنقله كل صيغة؟

مثل الفرق بين:

﴿لا تخف﴾ و ﴿لا تحزن﴾

فالخوف يتعلق غالبًا بتوقع المستقبل، بينما الحزن يرتبط بألم الحاضر أو الماضي، ولذلك يختار النص القرآني كل تعبير بدقة نفسية مذهلة. والمتعلم حين يدرك هذا الفرق يبدأ بفهم اللغة من الداخل، لا من سطح القاعدة فقط. 

وهذا النوع من التعليم في حال تبنيناه لا يغيّر طريقة شرح النحو وتقديمه فحسب، بل يغيّر علاقة المتعلم باللغة كلها؛ فالطالب حين يشعر أن التراكيب تعبّر عن خوف الإنسان وطمأنينته وتردده وغضبه ورجائه، يبدأ بالنظر إلى العربية بوصفها لغة حيّة تتحرك داخل التجربة الإنسانية، لا بوصفها مجموعة من القوانين الباردة المنفصلة عن الواقع. وهنا يتحول درس النحو من لحظة حفظ ذهني مرهقة إلى لحظة اكتشاف وفهم وتأمل ولعل من أهم النقاط التي تدفع عن التعليم وتعلم النحو ما وصف به منذ قرون من ملل وجلافة. فالطالب لا يعود يسأل فقط: أين الفاعل وما علامة نصبه؟ بل يبدأ بسؤال أعمق: لماذا اختار المتكلم هذا الأسلوب؟ وما الشعور الذي أراد نقله؟ وما الأثر الذي تركه التركيب في السامع؟

ومن هنا تتولد لدى المتعلم حساسية لغوية حقيقية لكنها يجب أن تتولد قبل ذلك لدى جمهور المعلمين، لأنه يتعامل مع الفروق الدقيقة بين التراكيب بوصفها فروقًا في الرؤية والشعور والموقف، لا فروقًا شكلية معزولة، فالفرق بين جملة قصيرة حادة وجملة ممتدة هادئة ليس فرقًا نحويًا فقط، بل فرق في النفس والإيقاع والوعي. ولهذا فإن المتعلم الذي يدرس النحو بهذه الطريقة يكتسب قدرة أكبر على التواصل الطبيعي، لأنه يتعلم كيف تختار اللغة بنيتها بحسب الموقف النفسي والاجتماعي، لا بحسب القاعدة المجردة وحدها. ومن الكتب التي يمكن الإفادة منها كثيرًا في بناء هذا المدخل كتاب “معاني النحو” للدكتور فاضل السامرائي، لأن هذا الكتاب لا يتعامل مع النحو بوصفه حركة إعرابية مجردة، بل ينظر إلى التراكيب من زاوية المعنى والدلالة والأثر البلاغي والسياقي. والقارئ لهذا الكتاب يشعر بوضوح أن اختيار البنية النحوية في العربية ليس أمرًا اعتباطيًا، وإنما يرتبط بدرجات المعنى والتوكيد والانفعال والحضور النفسي للموقف. فالسامرائي كثيرًا ما يفسر لماذا استُعملت صيغة دون أخرى، ولماذا تقدم عنصر وتأخر آخر، ولماذا حُذف لفظ أو ذُكر، رابطًا ذلك بالدلالة الشعورية والتأثير التعبيري في السياق القرآني واللغوي. وهذا في جوهره يقترب كثيرًا من فكرة النحو النفسي، حتى وإن لم يُصَغ بهذا المصطلح تحديدًا. ولذلك يمكن النظر إلى “معاني النحو” بوصفه أرضية علمية ثرية تساعد في الانتقال من تعليم القاعدة بوصفها شكلاً ثابتًا إلى تعليمها بوصفها اختيارًا تعبيريًا ونفسيًا وتداوليًا مرتبطًا بالإنسان والسياق والمعنى.

ولعل القيمة الأهم لهذا المدخل أنه يعيد النحو إلى مكانه الطبيعي داخل الحياة الإنسانية، فالنحو في أصله لم يولد في الفراغ، وإنما نشأ ليعبّر الإنسان بدقة عن مقصده وشعوره وعلاقته بالآخرين، وحين ننزع عنه هذا البعد الإنساني يتحول في أذهان كثير من المتعلمين إلى مادة ثقيلة جافة مليئة بالمصطلحات والاستثناءات. أما حين نربطه بالمشاعر والأحاسيس والإدارك والسياق والتفاعل البشري فإنه يستعيد روحه ووظيفته الحقيقية.

ومن هنا يمكن لهذا التصور أن يفتح الباب فعلاً أمام تأسيس حقل جديد في تعليم العربية يمكن أن نطلق عليه “النحو النفسي التداولي”، وهو حقل لا يكتفي بوصف البنية اللغوية، بل يحاول فهم ما يحدث داخل عقل المتكلم والمتلقي في أثناء تشكل هذه البنية واستعمالها وتأويلها. وهذا الحقل بطبيعته حقل عابر للتخصصات، لأنه يجمع بين اللسانيات النفسية وتحليل الخطاب والتداولية وتعليم اللغات والدراسات القرآنية والنظرية التواصلية الحديثة. وفي هذا التصور لا تصبح القاعدة هدفًا نهائيًا للحفظ والاستظهار، بل تصبح نافذة لفهم الإنسان نفسه، وفهم الطريقة التي تتحول بها المشاعر والأفكار والانفعالات إلى لغة وصيغ وتراكيب.

ولعل هذا المجال ما يزال في بداياته ويحتاج إلى جهد علمي رصين يكشف حدوده النظرية والتطبيقية، ويختبر إمكاناته في تعليم العربية للناطقين بغيرها وفي تحليل النصوص العربية والقرآنية. ومن هنا فإني أدعو أحد الباحثين الجادين إلى التصدي لهذه الظاهرة علميًا، واختيارها موضوعًا لرسالة ماجستير أو أطروحة دكتوراه، تتناول مفهوم “النحو النفسي التداولي” بالدراسة والتحليل والتطبيق، وتعمل على تأصيله وربطه بالتراث اللغوي العربي والاتجاهات اللسانية الحديثة، وتقديم نماذج تعليمية واقعية تبين أثره في بناء الكفاية اللغوية والتواصلية لدى المتعلمين. فالموضوع في تقديري لا يزال بكرًا إلى حد بعيد، ويملك من العمق والثراء ما يجعله جديرًا بالبحث والتطوير والتأسيس العلمي المنهجي.

ويمكن اقتراح مجموعة من الأسس والمبادئ التي يقوم عليها مدخل “النحو النفسي التداولي” في تعليم العربية للناطقين بغيرها، بحيث تتحول القاعدة من معرفة شكلية نظرية جامدة إلى أداة لفهم الإنسان والسياق والمعنى والاستعمال. ومن أهمها وأبرزها:

  • ربط النحو بالمشاعر والمواقف، ويقوم ذلك على عدم تدريس القواعد بوصفها شكلاً وبنية فقط، بل بوصفها انعكاسًا لحالة المتكلم الشعورية، فطريقة تركيب الجملة قد تعبّر عن غضب أو خوف أو تردد أو ثقة. وهذا يساعد المتعلم على فهم اللغة بوصفها سلوكًا إنسانيًا حيًا.  وقد يبرز ذلك جليًا في قول أحدهم لزوجته قبل زيارة الطبيب: “هل… هل تأكدت من الموعد؟” وقول آخر: “تأكدت من الموعد.” بدون تكرار وأداة استفهام؟ إذ يظهر التردد هنا في التكرار والتقطّع، بينما ظهرت الثقة في الجملة القصيرة المباشرة.
  • تفسير الظواهر لا حفظها فقط؛ (القراءة النصية أو تفكيك النص) فالمتعلم لا يكتفي بمعرفة القاعدة، بل يسأل: لماذا استُعمل هذا التركيب هنا؟ ولماذا اختار المتكلم هذه الصيغة تحديدًا؟ فالفهم أعمق من الحفظ.  يمكن الوقوف على التفريق لماذا قال متحدث، أحب المنسف الأردني، وآخر لا أحب من الطعام إلا المنسف الأردني.
  • التركيز على الفروق الدقيقة بين التراكيب، كالتفريق في قول مدير لموظف: “راجعني عندما تنتهي.” وقوله: “أريدك أن تراجعني فورًا بعد الانتهاء.”  فالجملة الثانية تحمل درجة أعلى من الحزم والسيطرة والمتابعة المباشرة.
  • تعليم النحو داخل سياق حقيقي، فالنحو كما تؤكد عليه المدارس الوظيفية والتواصلية لا يُقدَّم في جمل مصطنعة معزولة قدر الإمكان، بل داخل حوار أو موقف أو نص حقيقي. لأن المشاعر والمعاني لا تظهر بوضوح إلا داخل السياق.  ومما يجمع السياق بالنحو النفسي كأن يقول الطبيب في عيادته في المستشفى لمريض يزره طالبًا الاستشارة: “سنبدأ العلاج اليوم”، وقول الطبيب في غرفة الطوارئ : “ابدؤوا العلاج فورًا” فهنا تغير البناء بسبب تغير طبيعة الموقف وسرعته وضغطه النفسي، فالأول ليس في حالة حرجة ولذلك قال على التسهيل سنبدأ العلاج اليوم ربما الآن وربما بعد ساعة وربما في المساء، في حين حين عاين المريض في الطوارئ وشخص حالته أمر بالعلاج الفوري.
  • جعل الطالب يشعر باللغة قبل تحليلها، من خلال تحليل مجموعة من النماذج والأساليب، فأحيانًا يجب أن يشعر المتعلم بالحزم أو الحزن أو التوتر في الجملة قبل أن يعرف إعرابها، وهذا الشعور جزء أساسي من تعلم اللغة الطبيعية، ومن ذلك حين تقول أمّ لطفلها: “تعال إلى هنا حالاً”، فأنت هنا تشعر بالحزم والقلق مباشرة، بينما في قولها: “تعال يا حبيبي عندما تنتهي” نشعر بالهدوء والطمأنينة، رغم أن المعنى العام قريب.
  • النظر إلى التراكيب بوصفها اختيارات مقصودة (بالوعي واللاوعي) فالمتكلم لا يقدّم ويؤخر ويحذف ويؤكد عبثًا إنما كل اختيار لغوي وراءه غرض نفسي أو تواصلي أو اجتماعي، فالمتكلم يختار أحيانًا ما يخفيه وما يبرزه سواء أكان كما قلنا بالوعي أو اللاوعي، ففي الأخبار يقال: “تم اتخاذ القرار” ولا يقال دائمًا “اتخذ المدير القرار” لأن المتكلم قد يريد التركيز على الحدث نفسه لا على الفاعل، أو تجنب تحديد المسؤول مباشرة بصرف النظر عن السبب.
  • تقليل الجفاف النحوي، وهذا المدخل يحاول تخفيف كثرة المصطلحات والتفريعات التي ترهق المتعلم، ويركز بدل ذلك على المعنى والاستعمال والتأثير، فالأم الغاضبة تقول:
    “لا تلمس هذا أبدا” والأم الظريفة صاحبة الروح المرحة تقول: “الأفضل ألّا تلمس هذا”. فالمعنى متقارب، لكن الأسلوب يعكس طريقة التربية والعلاقة النفسية والاجتماعية بين الطرفين.
  • تنمية الحس اللغوي، والهدف هنا ليس أن يحفظ الطالب القاعدة فقط، بل أن يشعر أن تركيبًا معينًا أنسب في موقف معين، وأن يفهم الفرق بين اللغة الطبيعية واللغة المصطنعة، كطريقة الاعتذار في اللقاءت الرسمية في بيئات العمل وغير الرسمية بين أفراد الأسرة والأصدقاء، فالاعتذار في البيئة الرسمية يكون أكثر هدوءًا وتنظيمًا ووضوحًا، ويركز على الاحترام وتحمل المسؤولية دون مبالغة عاطفية، وأمثلة ذلك:
    • أعتذر عن التأخير في إرسال التقرير.
    • أعتذر عن أي إزعاج سببه هذا الخطأ.
    • أشكركم على تفهمكم.
    • أتحمل مسؤولية هذا التقصير وسأعمل على معالجته.

أما في البيئة غير الرسمية فيكون أكثر تلقائية وقربًا وعاطفية أحيانًا، وأمثلة ذلك:

آسف جدًا، لم أنتبه للوقت.

حقك عليّ.

سامحني، لم أقصد ذلك.

أعرف أنني أخطأت.

  • الإفادة من القرآن والنصوص الأصيلة المعاصرة الحية، فالنص القرآني والأدبي والحواري يحتوي على أمثلة دقيقة جدًا للعلاقة بين التركيب والشعور، ويمكن استثماره في تدريب المتعلم على فهم أثر اللغة في النفس، والإفادة من القرآن والنصوص الحية تساعد المتعلم على فهم كيف تتحرك اللغة داخل المشاعر الإنسانية المختلفة، فالعربية لا تخاطب الخائف بالطريقة نفسها التي تخاطب بها الحزين أو الغاضب أو المتردد. فنحن نقول لشخص قلق قبل الامتحان: “لا تقلق، أنت مستعد”، بينما نقول لشخص فقد شيئًا عزيزًا: “أعرف أن هذا مؤلم”. وفي بيئة العمل قد يقول المدير لموظف أخطأ: “لا بأس، هذا يحدث أحيانًا”، بدلاً من المواجهة الحادة، لأن الهدف النفسي هنا تخفيف التوتر. وهذا يظهر بوضوح في القرآن الكريم، ففي قوله تعالى: ﴿لا تخف إنك أنت الأعلى﴾ يرتبط الخطاب بإزالة الخوف عبر الطمأنة، بينما في قوله تعالى: ﴿ولا تحزني﴾ يأتي التعبير مناسبًا لحالة الحزن والألم النفسي. ومن خلال هذه النصوص يبدأ المتعلم بفهم أن اختيار التركيب ليس عشوائيًا، بل مرتبط بطبيعة الشعور والموقف الإنساني، وأن اللغة في جوهرها أداة للتأثير والاحتواء والتواصل، لا مجرد قواعد جامدة.
  • وأخيرا وليس آخرا هذا كله ينقلنا (أحيانا) من سؤال “ما القاعدة؟” إلى سؤال “لماذا وكيف استُعملت القاعدة؟ وهذا هو جوهر المدخل كله، فالنحو هنا ليس قوانين جامدة، بل طريقة لفهم كيف يفكر الإنسان ويشعر ويتواصل من خلال اللغة.
شاركها

البحث في Google:





عن د. خالد حسين أحمد أبو عمشة

دكتوراه الفلسفة في مناهج اللغة العربية وطرائق تدريسها للناطقين بغيرها، وعلى وشك الانتهاء من الدكتوراه الثانية في الدراسات اللغوية (اللسانيات). يشغل منصب المدير الأكاديمي لمعهد قاصد – عمان – الأردن، مستشار Amideast لبرامج اللغة العربية في الشرق الأوسط، والمدير التنفيذي لبرنامج الدراسات العربية بالخارج (CASA) الأردن، عمل أستاذاً زائراً في جامعة بريغام يانغ في يوتا أمريكا، و محاضراً للغة العربية للناطقين بغيرها لمدة عشرين سنة، ومدرّبا وخبيرا لها في جامعات ومعاهد ماليزيا والسعودية والأردن والولايات المتحدة.

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة