التنمية المهنية المعلم المشرف

استراتيجية ملء الفراغ – تساؤلات

في مقالي هذا سأجتهد في طرح مجموعة تساؤلات تتعلق بسلوك بعض المدارس الأهلية مع معلميها، لعله إذا عرف السبب بطل العجب وانتفت دهشة المعلمين وشُفي ما في صدورهم من قيام مدارسهم بهذا السلوك.

بداية لقد أقرت وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية نظام الفصول الدراسية الثلاثة، وصاحب هذا النظام ما يسمى بالإجازات المطولة وهي باختصار أربعة أيام مماثلة منها الجمعة والسبت بعد عدد محدد من الأسابيع، وفي حديثي هنا سأطرح مجموعة من التساؤلات عن سلوك واحد فقط سلكته عدد من المدارس الأهلية مع معلميها في تلك الإجازات، ألا وهو إحضار المعلمين والمعلمات في تلك الإجازات وتنفيذ مجموعة من الفاعليات والأنشطة منها: لقاءات تربوية، ورش عمل، أو دورات تدريبية أو اجتماعات …إلخ وهو ما سأسميه هنا استراتيجية الملء أي ملء وقت المعلمين في الإجازات، ورغم ما قد يفهم سلبا من تسميتي لتلك الفاعليات والأنشطة باستراتيجية الملء إلا أني أؤكد أني اخترت هذه التسمية لأني اعتبرت عملية الملء في ذاتها عملية محايدة لا يُعرف هل هي سلبية أم إيجابية إلا إذا عرفت غايتها، وهذا ما سيتبين فيما سيأتي من باقي حديثي فلننطلق في طرح التساؤلات.

دعوني قبل الانطلاق في طرح تساؤلاتي أؤكد على التالي:

  • نحن نطرح “السؤال” حين نعجز عن الإجابة فنطلبها من الآخرين.. أما “التساؤل” فآلية بحث ذاتية وأداة تأمل شخصية تتضمن ماذا؟، لماذا؟، كيف؟، من؟، متى؟ وأين؟ …. إلخ، ويمكن أن يكون التساؤل أداة تأمل تستخدمها الشركات والمؤسسات بآلية ما تساعدها في تطوير أعمالها.
  • أنا لست مؤيدا أو معارضا لأنشطة الملء تلك وإنما فقط أطرح تساؤلات من أجل أن تتأمل كل مدرسة أو شركة تعليمية ذاتيا هذا السلوك وتطرح تساؤلاتي سرا على نفسها من خلال قياداتها وأصحاب القرار فيها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القائمون على استراتيجية الملء واحد من اثنين ممن يغنمون بأجر استثمار إجازات المعلمين بما ينعكس إيجابيا على أداء المعلم الصفي ومن ثم على مستوى تعلم الطلاب ومن ثم على تحقيق رؤية وطن ومن ثم مستقبل أجيال أو ممن يأثمون بملء أوقات المعلمين والمعلمات بما يحرمهم من راحتهم، بل ربما بما يحرم أبناءهم منهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التساؤل الأول:

الأصل أن لدى كل منظمة رؤية ورسالة وأهدافا استراتيجية تدير من خلالها مواردها البشرية وغير البشرية بما يساعدها للوصول إلى نسب مؤشرات أداء على الأقل مرضية تقربها من تحقيق رؤيتها ورسالتها وأهدافها الاستراتيجية. فهل قامت المدارس التي تتبنى استراتيجية الملء بمراجعة ما يتم تنفيذه خلال أيام الملء، وتقييم مدى توافق أنشطة الملء وفاعلياته مع الرؤية والرسالة والأهداف الاستراتيجية؟

الإجابة : إذا كانت الإجابة بــ(نعم تتوافق مع كل شيء) فهنا يأتي تساؤل آخر وهو:

س: ما نسبة مساهمة أنشطة الملء وفاعلياته في تحقيق الرؤية والرسالة والأهداف الاستراتيجية؟

وبصيغ أخرى:

س: هل نسبة مساهمة أنشطة الملء وفاعلياته في تحقيق الرؤية والرسالة والأهداف الاستراتيجية تتجاوز نسبة أثر راحة المعلمين والمعلمات النفسية والبدنية إذا استمتعوا بتلك الإجازات كلها أو بعضها؟

س: هل سيكون لاستمتاع المعلمين بأيام إجازتهم أثر نفسي إيجابي سينعكس انعكاسا إيجابيا على أدائهم الصفي ومخرجاتهم التعليمية، وسينعكس كذلك على نفسية طلابهم والذي سيؤثر على مستوى تعلمهم يفوق أثر استراتيجية الملء لمجرد الملء؟

التساؤل الثاني:

لعل بعض المدارس أو الشركات التعليمية قد نسيت رؤيتها أو رسالتها أو أهدافها الاستراتيجية – إن وجدت – وحتى لا أرهقهم في البحث عنها في أدراج المكاتب وصندوق البريد الإلكتروني الصادر أو الوارد فيما بينهم وبين معلميهم دعوني أطرح تساؤلًا أخف دسما من السؤال الأول وهو:

س: هل تلبي أنشطة استراتيجية الملء احتياجا حقيقيا للمعلم سيساعده في القيام بمهامه التدريسية داخل الصف؟

في ظني أنه لا يوجد معلم لا يريد أن ينمي نفسه مهنيا، ومتى وجد أن نشاطا ما يساعده في ذلك هو من سيطلبه ويسعى إليه، وعليه يجب التأكد أن ما سيقدم له سيكون له أثر مهني يفيده، وإلا فلا نلوم إلا أنفسنا عندما ينفر المعلمون من أنشطة الملء أو ما شابهها، ولعل أقل مراجعة لنظريات تعلم الكبار تؤكد ذلك، ولا حاجة لسرد بعض مبادئها في مقالي هذا.

تساؤلات:

ثَمة مجموعة تساؤلات أخرى أرى أن تأملها قد يثمر في ملء إيجابي لإجازات المعلمين:

س: أحد أهم مصادر تطوير المنظمات العاملون أنفسهم، فهل شارك المعلمون في تحديد ما سيملأ إجازاتهم من برامج وفاعليات زمانا ومكانا ومدربا وبيئة وضيافة…؟

س:هل تم اعتبار أن نفسية المعلم لها أثر في مخرجاته؟ ومن ثم نعمل على حسن ضيافتهم وحسن استقبالهم عندما نأتي بهم في غير وجود طلابهم، فمهما كانت الأنشطة والفعاليات والبرامج مهمة واستراتيجية فإن إكرام النفس وإسعادها يخفف من أي ضغوطات نفسية.

س: هل تم التنويع في مقدمي تلك البرامج، بحيث يكون بعضهم من داخل المجمعات وبعضهم من خارجها، فغالبا ما يمل المعلمون من المشرف أو الوكيل أو غيرهم ممن يعد نفسه يفهم في كل شي ويدرب في كل شيء كأنه خبير عصره وأوانه؟

س:هل تم تنويع البيئات التي تم الملء فيها؟ هل كل فاعليات الملء وأنشطته داخل المدرسة أم هناك فاعليات داخلها وأخرى خارجها بحيث تدفع الملل وتجدد النشاط.

س: هل كل أنشطة الملء إجبارية أم بعضها إجباري والآخر اختياري لإعطاء المعلمين والمعلمات شعورا بالقيمة والقدرة على تقرير مصير برامجهم التطويرية؟

س:هل تم وضع معايير أو تبني نموذج لقياس أثر البرامج والأنشطة والفعاليات التي نملأ بها إجازات المعلمين؟ فما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته -في الغالب- حتى يمكن لنا قياس الأثر ومقارنته بما يبذل فيه من جهد ومال.

وأختم بما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ} (متفق عليه).

افعل ما شئت واملأ بما شئت، لكن جهز إجاباتك التي تقدمها بين يدي الله أولا، وبين يدي نفسك ثانيا، وبين يدي معلماتك ثالثا ومعلميك رابعا، وقد قدمت المعلمات هنا على المعلمين حيث إنهن قد يكن بحاجة ليوم إجازة يجلسن مع أولادهن، فبعضهن لديهن أطفال رضع وحاجات اجتماعية وشخصية تتجاوز حاجات المعلمين.

نسأل الله أن يوفق الجميع لتأمل حقيقي يولد أسئلة جوهرية وإجابات صادقة.

البحث في Google:





عن د.أيمن أصلان

المدير التنفيذي لمركز صناعة القيادات. مستشار وخبير تربوي متخصص في مجال الإشراف التربوي.

تعليق واحد

  1. ماجدة المقيرن

    جميل جدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.