الرئيسية » دراسات » الوسائط السمعية البصرية وأثرها في تجاوز صعوبات التدريس بالجامعة

الوسائط السمعية البصرية وأثرها في تجاوز صعوبات التدريس بالجامعة

تقديم:

إن التطور الهائل الذي يشهده العالم في مجال وسائل الاتصال وتقنياته المختلفة، يحتم على التعليم أن يكون أكثر المجالات استفادة من هذه الثورة المعلوماتية. وقد أدركت معظم الدول أن شرط مسايرة التطورات السريعة في هذا العصر يكمُن في الاهتمام بالمجال التربوي والاستفادة من استثمار التقنيات التكنولوجية الحديثة في العملية التعليمية، خاصة أننا نشهد تزايدا مستمرا في كمية المعلومات الناتجة عن الانفجار المعلوماتي، الشيء الذي جعل الانسان يبحث عن الوسيلة المناسبة لتخزين هذه المعلومات واسترجاعها بشكل سليم في إطار ما يعرف بالتكنولوجيا المعلوماتية.

وكل هذا دفع المهتمين بالمجال التربوي إلى إعادة النظر في طرائق التعليم باللجوء إلى الاستخدام الهادف والسليم للتقنيات الحديثة، هذه التقنيات التي فرضت علينا ضرورة تغيير الأساليب والأنماط المعروفة في المنظومة التربوية من خلال البحث في العمق النظري لهذه التقنيات واختيار أكثرها ملائمة للحاجيات التعليمية.

إنها دعوة واضحة إلى الانفتاح على مدى جديد من شأنه إعادة الحيوية إلى مكونات العملية التعليمية التعلمية، فلا مناص من تجريب آفاق أخرى واعدة تمدنا بإضافات تعديلية وهادفة لإصلاح ما يمكن إصلاحه في أفق الإصلاح الشامل. ومناسبة هذا الكلام هو السعي إلى الإجابة عن سؤالين: هل يمكن أن تسهم التقنيات الحديثة في تحقيق التعلمات؟ وهل يمكن المراهنة عليها في تحقيق هذا الهدف؟

1- تحديدات مفاهيمية

أ- التدريس

يعرفه محمد الدريج بقوله: “نقصد بالديداكتيك أو علم التدريس، الدراسة العلمية لطرق التدريس وتقنياته ولأشكال تنظيم مواقف التعلم التي يخضع لها المتعلم في المؤسسة التعليمية، قصد بلوغ الأهداف المسطرة مؤسسيا، سواء على المستوى العقلي أو الوجداني أو الحسي-الحركي، وتحقق لديه المعارف والكفايات والقدرات والاتجاهات والقيم. إن الديداكتيك أو علم التدريس، يجعل بالتعريف، من التدريس موضوعا له. فينصب اهتمامه على نشاط كل من المدرس والمتعلمين وتفاعلهم داخل الفصل، وعلى مختلف المواقف التي تساعد على حصول التعلم”[1].

ومحمد الدريج بهذا المعنى يربط بين التدريس والديداكتيك باعتبارهما علما واحدا يرتكز بالأساس على الإجراءات والخطوات المسطرة من قبل المدرس لتدريس مادة معينة بغية الوصول إلى أهداف معينة، على اعتبار أن تدريس أي مادة معينة لا يشبه بالضرورة تدريس باقي المواد، إذ لكل مادة خصوصيات معينة تؤطر عملية تعليمها، لذا فنحن نحتاج إلى أن نتأمل ونتفكر في بنية كل مادة كنا بصدر تدريسها.

كما أن موضوعه الأساسي “هو بالضبط دراسة الظروف المحيطة بمواقف التعلم ومختلف الشروط التي توضع أمام التلميذ لتسهيل ظهور التمثلات لديه وتوظيفها، أو إبعادها أو وضعها موضع تغيير ومراجعة لخلق تصورات وتمثلات جديدة”[2].

ويمكن أن نشير إلى أن التدريس كلٌّ يشمل الطرائق، والمحتوى التعليمي، والأهداف؛ فالمحتوى هو المادة الدراسية، في حين أن الطريقة تختار وتنظم وتعرض هذه المادة، لذلك فالمحتوى هو الذي يحدد طريقة التدريس، ويتعين على هذه الطريقة ملاءمة الأهداف المسطّرة، وأعمار المتعلمين وخبراتهم السابقة وحاجاتهم التعليمية أيضا. فالعلاقة بين هذا الكل تكاملية وتفاعلية؛ فلا وجود لأي محتوى بدون أهداف، ولا يمكننا أن نتصور تدريسا دون طريقة أو تدريسا دون أهداف.

ب- الوسائط السمعية البصرية

الوسائط السمعية البصرية مصطلح واسع الانتشار في عالم الحاسوب، ويشير إلى مجموعة تتألف من النصوص والرسوم الثابتة والمتحركة، وما هو سمعي (الأوديو) وبصري (الفيديو) ضمن تكنولوجيا واحدة، كالكمبيوتر أو التلفزيون، وتكمن أهمية الوسائط في كونها تتيح عرض المعرفة وتمثيلها بطرق مختلفة.

وهناك من ذهب إلى أن الوسائط السمعية البصرية هي الأداة أو اللغة التي يستثمرها المدرس لمساعدة متعلميه على تعلم ما يهمهم في مواقف تعليمية معينة[3]، وهناك من يراها ” طريقة يمكن بموجبها التحكم بعناية فائقة في الخبرات التعليمية التي يحصل عليها المتعلم[4].

وهي أجهزة وأدوات وطرائق مختلفة الاستعمال، يستخدمها المدرس لتحسين عملية التعليم والتعلم، بهدف توضيح المعاني وشرح الأفكار للمتعلمين، وكذا تحسين الموقف التعليمي داخل الصف الدراسي أو خارجه، أو مجموع الخبرات والمواد التعليمية التي تستخدم في المواقف التعليمية المختلفة لنقل محتوى تعليمي أو الوصول إليه.

وسميت بالوسائط السمعية لكونها تعتمد حاسة السمع في وضعية تعليمية معينة، أما الوسائط البصرية فهي تعتمد حاسة البصر كمصدر أساسي للتعليم، والعين هي الحاسة الفعالة أثناء استخدام هذه الوسائط، يستفاد إذن من التسمية التأكيد على ضرورة استخدام أكثر من حاسة في العملية التعليمية التعلمية، مما يتطلب مرافقة الكلمة المنطوقة لعملية مشاهدة الأشياء (ثنائية الصوت والصورة).

ولقد تدرجت نظرة المتخصصين إلى هذه الوسائط، إذ ظهرت تسميات كثيرة، منها ما ارتبط بنظرة علمية دقيقة، ومنها ما استمزجه المنظرون في هذا المجال، ومن هذه التسميات: الوسائل السمعية والبصرية، وسائل الإيضاح، الوسائط التعليمية، الوسائل التعليمية، المعينات في التدريس، وسائل الاتصال…

2- لماذا الوسائط السمعية البصرية في مجال التدريس؟

ترتكز العملية التعليمية التعلمية على ثلاثة أسس (المتعلم- المدرس- المادة الدراسية) فنجاح الجامعة كمؤسسة تربوية رهين بتضافر هذه الأركان التي تتفاعل فيما بينها بطريقة تكاملية، ولا شك أن إهمال ركن منها يؤدي إلى ارتباك في العملية التعلمية ككل.

وإلى جانب هذه الأسس يعد إدماج الوسائط السمعية البصرية إضافة أساسية في العملية التعليمية التعلمية، وذلك للأهمية الكبرى التي تكتسيها والدور الهام الذي تقوم به لإنجاح عملية التعليم والتعلم، إذا ما استعملت بالشكل الصحيح، وتعود أهمية برامج الوسائط المتعددة إلى ما تتمتع به من إثارة وتنوع في الوسائط الحاملة للمعلومات التي كانت في الماضي حكرا على التلفاز.

كما تتمحور أهمية الوسائط التكنولوجية في العملية التعليمية التعلمية، بالأساس على عنصر التفاعل بين المتعلم والمدرس، وبين المتعلم والمادة التعليمية، والتفاعل الجماعي بين المتعلمين داخل الفصل، بالإضافة إلى عنصر آخر أساسي لطالما كان غائبا في العملية التعليمية التقليدية؛ وهو خلق جو من التنافس وكذا شد الانتباه، الشيء الذي يجعل المتعلم مشدودا إلى المعرفة وتنويعها واكتسابها بوسائط متنوعة تجعله لا يشعر بالنفور.

كما تُستعمل هذه الوسائط كدعامة أساسية تساهم في تحسين عملية التعليم والتعلم موجهة بذلك المتعلم نحو التعلم الذاتي، وذلك لما توفره من وسائل إيضاح سمعية وبصرية. وما توفره للمتعلم من حرية اختيار ما يرغب في تعلمه، كما تتجلى هذه الأهمية فيما يلي:[5]

  • إثراء التعليم: توسيع خبرات المتعلم وتيسير بناء المفاهيم وتخطي حدود المكان، حيث أن هذه الحدود تتضاعف بسبب التطورات التقنية التي جعلت من البيئة المحيطة بالمدرسة تشكل تحديا لأساليب التعليم والتعلم.
  • اقتصادية التعليم في الوقت والجهد والمصادر.
  • شد انتباه المتعلم واشباع حاجته للتعلم، وإثارة اهتمامه.
  • تساعد في زيادة خبرة المتعلم مما يجعله أكثر استعدادا للتعلم.
  • تساعد في زيادة مشاركة المتعلم الإيجابية في اكتساب الخبرة؛ من خلال تنمية التأمل ودقة الملاحظة واتباع التفكير النقدي للوصول إلى حل المشكلات.
  • إشراك أكثر من حاسة، مما يؤدي إلى ترسيخ وتعميق التعلم.
  • تغيير دور المدرس من مصدر وحيد للمعرفة إلى مجرد مساعد وموجه للوصول إليها.
  • تقليص الفروق الفردية، بارتفاع فهم كل طالب إلى درجة معقولة، وبدرجة أفضل لو قارنا ذلك بدون استخدام هذه الوسائط.
  • تساهم في تعديل سلوك المتعلمين.
  • إفساح المجال أمام أساليب تعليم متعددة: كالتعليم المبرمج، والتعليم المولّف… مما يتيح للمتعلم فرصة التعلم الذاتي والتغذية الراجعة.

إن إشراك معظم الحواس لدى المتعلم أثناء التعلم، تجعله يتعلم بشكل أفضل؛ والوسائط بدورها تهدف إلى مخاطبة الحواس بأشكال مختلفة كالصوت والصورة، يواجه من خلالها المتعلم مواقفا لم يصادفها من قبل، تستوجب عليه تقديم تفسير لها مما ينتج عنه نوع من التعليم يسمى التعليم الذاتي أو الفردي، كل هذا جعل من الوسائط تساهم في تحسين عملية التعلم، وذلك من خلال تغيير أدوار كل من المتعلم والمعلم داخل بيئة تواصلية تثير اهتمام المتعلم وتزيد من رغبته نحو التعلم.

ولذلك ورد في قانون كونفوشيوس الفيلسوف الصيني: (قل لي وسوف أنسى، أرني ولعلي أتذكر، أشركني وسوف أفهم)، إن إشراك المتعلم في بناء تعلماته عبر الحوار، والورشات، والأنشطة الجماعية، والفردية؛ كل ذلك يؤدي إلى الرفع من وتيرة التعلم، وديمومة التعلمات في الذاكرة، وحسن الفهم، والثقة في توظيف المكتسبات في السياقات والوضعيات الجديدة[6].

كما أن إدراك المتعلم لهذه المعلومات يعتمد على قدراته الذاتية أولا، وبقدر ما تكون طريقة العرض مقنعة يكون إدراك المتعلم للمعلومات كبيرا، ولذا فإن عرض الأفكار وطريقة التقديم يكون لها أثر بعيد المدى في ذاكرة المتعلم، إذا “أحسن المدرس استخدامها وتحديد الهدف منها وتوضيحه في ذهن الطالب، تؤدي إلى زيادة مشاركته الإيجابية في اكتساب الخبرة وتنمية قدرته على التأمل ودقة الملاحظة واتباع التفكير العلمي للوصول إلى حل المشكلات… كما يمكن عن طريق الوسائل التعليمية تنويع أساليب التعزيز التي تؤدي إلى تثبيت الاستجابات الصحيحة وتأكيد التعلم”[7].

من ثمة، يدعو الاتجاه الحديث في التعلم إلى ضرورة “استخدام العديد من الوسائل في إعداد الدروس وخاصة في التعلم الفردي؛ حتى يساير كل تلميذ تعلمه حسب قدراته واستعداداته، ويختار من الوسائل ما يحقق له التعلم الأفضل الذي يتناسب واستعداداته وميولاته، وعلى المدرس -عند تخطيطه للخبرات التعليمية وإعداده لدروسه- أن يستخدم في تدريسه وسائل تعليمية كالتسجيلات الصوتية أو الصور المكبرة أو اللوحات أو الخرائط وذلك لتحقيق أكبر قدر من المعنى والفهم للطلبة”[8].

ولقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن اكتساب التعلمات يزيد وينقص بحسب استعمال أو إهمال هذه الوسائط، ويكفي أننا نتذكر:

  • من 10 إلى 15% مما نقرأه.
  • من 13 إلى 20% مما نسمعه.
  • من 25 إلى 35% مما نسمعه ونراه.
  • من 50 إلى 75% مما نقوله.
  • من 85 إلى 95 % مما نقوله ونفعله.

وهذا يبين لنا أن وثيرة التعلم تزداد عندما نوظف الوسائط أو السمعية؛ ليصل مدى التعلم وقوته إلى حدود 75%. أما عندما نركز فقط على الإلقاء وعلى السمع فإن أقصى ما تصل إليه نسبة الإدراك والفهم لا يتعدى 20% في أحسن الأحوال[9].

وكما هو معروف لدى علماء النفس التربويين، أن التعلم يمر بثلاث مراحل؛ بدءا بالانتباه ومرورا بالإدراك وانتهاء بالفهم، فــ “كلما زاد الانتباه زاد الإدراك، وبالتالي يزيد الفهم لدى الطالب، والوسيلة التعليمية تساعد المعلم في أن يكون موقفه التعليمي الذي هو بصدده أكثر إثارة، وأكثر تشويقا، يؤدي إلى زيادة انتباه الطلاب، ويقطع حدة الموقف التعليمي، ويمنع شرود ذهن المتعلم[10].

إن إدماج المدرس للوسائط السمعية البصرية في التدريس يستهدف فيه عمليات الملاحظة أو المعاينة واكتشاف المجال وحصره، والمقارنة وغير ذلك، “كمنطلق سيكولوجي ينص على أن الفرد يدرك الأشياء التي يراها إدراكا أفضل وأوضح مما لو قرأ عنها أو سمع شخصا يتحدث عنها، ويجب أن يأخذ المدرس في اعتباره أثناء استخدامه لهذه الوسائط أنها مجرد أدوات للتعلم ووسائل لتحقيق أهدافه، وليست غاية في ذاتها”[11].

وهذه المعطيات وغيرها كثير جعلت من الصعب علينا، الآن، أن نطبق طريقة تدريس بعينها دون الاستعانة بالوسائل التعليمية باعتبارها دعامة أساسية لجميع طرائق التدريس واستراتيجياته، رغم تعددها وتنوعها، وهو ما أكده العديد من التربويين؛ حيث، من خلال استخدام الوسائط المتعددة في التدريس، تم تسهيل عمليتي التعليم والتعلم[12].

فالتدريس باستخدام هذه الوسائط، يتيح الفرصة للمتعلم لمواجهة قضايا وظواهر ومواقف تعليمية غير مألوفة لديه في الوضعيات التعليمية المختلفة، كما يمكنه من اكتساب المعلومات التي يقدمها الحاسوب في شكل نصوص وأصوات ورسوم وصور بأنواعها ولقطات فيديو، مما يساعد المتعلم على الاستمرارية في عملية التعلم.

ولقد أثبتت الدراسات السيكولوجية في القرن العشرين والخلاصات النظرية للتربية أن التعلم الحقيقي أو الفعال هو التعلم الذي يتم عن خبرة واحتكاك مباشر بموضوع التعلم. وهذه الوسائط التعليمية تجعل المتعلم في مواجهة مباشرة مع موضوع تعلمه: يلاحظ، يقيس، يجرب، يفكك، يركب[13].

وكما هو معروف أيضا أن المتعلمين المختلفين يتعلمون بطرق مختلفة؛ بحيث “يختلفون في قدراتهم واستعداداتهم، فمنهم من يحقق مستوى عال من التحصيل من الاستماع للشرح النظري للمدرس، ومنهم من يزداد تعلمه عن طريق الخبرات البصرية… ومنهم من يحتاج إلى تنويع الوسائل لتكوين مفاهيم صحيحة وهكذا”[14]. ويسير الاتجاه الحديث في التعلم إلى استخدام العديد من الوسائط مجتمعة في إعداد وتقديم الدروس، حتى يسير كل متعلم في تعلمه حسب قدراته واستعداداته، ويختار من الوسائط ما يحقق له التعلم الأفضل.

فالهدف إذن من إدماج الوسائط التكنولوجية في العملية التعليمية التعلمية في مراحلها المختلفة من التعلم هو بناء سلوكات ومهارات، واكتساب مفاهيم ومبادئ وطرق تفكير وعمل، كما تُعين المتعلم على فهم منطق التعامل مع هذه التكنولوجيا وتيسر انخراطه في المنظومة التكنولوجية الرقمية، كما أن هذا الإدماج يشكل وسيطا تربويا يسهل العملية التعليمية، وليس بديلا عن المدرس، كما يُتصور للبعض.

وما دمنا نتحدث عن التعليم الجامعي وما يعانيه من مشكلات تؤثر على برامجه وأهدافه ومناهجه، فإن الحاجة تفرض البحث عن بدائل لتجاوز هذه المشكلات، ويأتي إدماج الوسائط التكنولوجية كحل لمواجهة بعض الصعوبات، والتي من أبرزها:[15]

  • التغلب على التزايد الهائل لأعداد الطلبة؛ بحيث إن الاكتظاظ الذي تعرفه الفصول الدراسية الجامعية يقف عائقا أمام المدرس لتحقيق الهدف المطلوب من الحصة الدراسية، ومن ثمة كانت الحاجة إلى الاستعانة بالوسائط التكنولوجية أمرا ضروريا للتخفيف من وطأة المشاكل التعليمية كأجهزة العرض الضوئية وغيرها من الوسائط، والتي تحقق أكبر قدر من التفاعل والتعلم.
  • علاج مشكلة الزيادة الهائلة من المعرفة الإنسانية؛ بحيث إن الكم الهائل من المعرفة، زاد من حاجتنا إلى استخدام الوسائط التكنولوجية لتقديم هذه المعارف بأسهل الطرق وأيسرها وبأوضح صورة تمكن من زيادة التعلم وفهم المادة والإحاطة بترابط الموضوعات المختلفة.

هذا، وإن من شأن الدور الجديد الذي تلعبه التكنولوجية الحديثة في مجال التعليم، أن يقود إلى إعادة النظر في تحديد الأهداف التربوية، والأخذ بعين الاعتبار تنوع بنيات التعلم، وتدريب وتكوين هيئة التدريس على طرائق استخدام تقنيات التكنولوجية الحديثة، في خلق مشاريع تربوية، تتجاوز حدود الجامعة[16].

إن الاستثمار الجيد للوسائط السمعية البصرية في مجال التعليم الجامعي، ينطوي على إمكانية تحسين نوعية هذا المجال من خلال ما يوفره من طرق تعليمية متنوعة، الأمر الذي يجعل منه أكثر فاعلية، ويجعل المتعلم أكثر تفاعلا مع المادة المقدمة له، وأكثر تحفيزا للتعلم، كما أن الاستفادة من هذا الاستثمار يتوقف على مدى تمكن المدرس من الاستخدام الواعي والناجع لهذه الوسائط، كما تتوقف على خبرته في التعامل معا، تخطيطا وتدبيرا وتقويما.

3- تأثر طرائق التدريس بتكنولوجيا السمعي البصري

تولدت لدى المدرسين رغبة كبيرة في الاستعمال المتزامن للصوت والصورة مسايرة للتطور التكنولوجي الحاصل في جميع المجالات،  فبعدما انضافت الآلة المسجلة والتلفاز إلى مجموع الوسائل السمعية البصرية المساعدة، والتي عرفت انتشارا واسعا خلال النصف الأول من القرن العشرين في مجال التصوير والشفافيات والسينما والأسطوانات، والمذياع وغيرها؛ نمى لدى المدرسين وعي بفائدة هذه الوسائل الحديثة، الشيء الذي جعل الطريقة السمعية البصرية تمثل إدماجا ديداكتيكيا حول الدعامة السمعية البصرية، وما يهم اكتسابه هو الكفاية التواصلية في وضعية معينة أو مقام تواصلي محدد، ويعود بنا هذا الجانب إلى المقاربة الوظيفية التي تأخذ المقامات التواصلية بعين الاعتبار وتجعلها دعامة أساسية في اختيار الوسيط التكنولوجي المناسب للتعلم أو تطوير المهارات اللغوية لدى المتعلمين[17].

ولقد دعا التربويون إلى استخدام طرائق التدريس التي تؤكد نشاط المتعلم وفاعليته ودوره الإيجابي في العملية التعليمية؛ بأن تجعله مفكرا ومنتجا لا مستهلكا فقط، وعليه فإن طرائق التدريس المتبعة تعد من العناصر الأساسية والمهمة في العملية التعليمية، وبذلك تشكل العنصر الأساسي الفعال في العملية التربوية والركيزة التي يعتمد عليها في نجاحها، إذ أنه بقدر ما تكون الطرائق والأساليب مناسبة للموقف التعليمي تتحقق الأهداف التربوية المنشودة وتؤثر في حل المشكلات المتعلقة بتنفيذ محتويات المادة الدراسية.

4- أثر الوسائط السمعية البصرية في تجاوز صعوبات التدريس بالجامعة

على الرغم مما تتوفر علية المؤسسات التعليمية ببلادنا من وسائط تكنولوجية، والتي تخدم العملية التعليمية إلا أن مجال التعليم في مختلف مراحله لا يستفيد من هذه الوسائط بالشكل المطلوب والكافي، وإن تم استخدامها في بعض الحالات فيبقى بشكل محدود، نظرا لما يرافقه من استراتيجيات وما يتطلبه من ضرورة مواكبة التطورات الحاصلة والتغيرات العلمية والتكنولوجية.

ومما لاشك فيه أن الوسائط يمكن أن تساهم في تجاوز صعوبات التدريس بالجامعة شريطة حسن استخدامها، فالاستخدام الأمثل إلى ما توصلت إليه التقنيات الحديثة من برامج ووسائط في العملية التعليمية التعلمية، بدءا من وسائل العرض لإلقاء المحاضرات واستخدام والوسائط المتعددة في عمليات التعليم التي تتيح المجال لتفاعل الطلبة مع المحتوى، يعتبر الرهان الحقيقي أمام الطالب والمدرس الجامعي للارتقاء بالعملية التعليمية، كما أنها ضرورة حتمية في التعليم الجامعي أملتها التكنولوجية الحديثة التي اقتحمت مجموعة من المجالات من بينها مجال التعليم.

وقد أكدت الدراسات والأبحاث التي أجريت لمعرفة أهمية الوسائط السمعية البصرية في مجال التدريس أن الوسائط الحديثة المناسبة التي يمكن أن يستخدمها المدرس أثناء أداء مهامه بالشكل الصحيح، وإبراز أهميتها في تحسين وتطوير وترقية العملية التعليمية التعلمية، يبقى أمرا ضروريا تتطلبه كيفية التخطيط لاستخدامها على نحو فعال كاستراتيجية بيداغوجية.

وبهذا يمكن طرح استخدام الوسائط السمعية البصرية كمقترح مرحلي منطقي لتجاوز التحديات التي يطرحها التدريس بالجامعة، شريطة المزاوجة بينها وبين الطرق التقليدية المباشرة، مع مراعاة حسن اختيارها واستعمالها، وتكوين الأساتذة في هذا المجال، حتى لا يكون استعمالها هدفا في حد ذاته بل أداة مساعدة، لأن كل استعمال لأداة معينة جوانب إيجابية وأخرى سلبية. بل إنها قد تصبح عائقا حاضرا إذا ما بولغ في استعمالها بطرق خاطئة، ونحن بهذا لا نلغي دور الوسائط التكنولوجية، لكن نشترط في هذا الاستعمال التخطيط الجيد اختيارا وتدبيرا.

وما نريد التأكيد عليه، هو تجنب المعيقات التي تحول دون الاستفادة بشكل جيد من توظيف الوسائط السمعية البصرية في التدريس ومن بين هذه المعيقات؛ نجد عنصر التشويش[18]*، ويمكن أن نميز في استخدام الوسائط السمعية البصرية في التدريس بين نوعين من التشويش:[19]

  • التشويش الميكانيكي أو الآلي: ويشمل أي تدخل فني يطرأ على إرسال الرسالة من المرسل إلى المستقبل، كأن يحدث خلل كهربائي فتتوقف الوسائط عن الاشتغال، أو حدوث عطب تقني في هذه الوسائط.
  • التشويش الدلالي اللفظي: بحيث يعجز المستقبل عن فهم المرسل لسبب من الأسباب، ومن الأمور التي تحدث التشويش الدلالي:
  • استعمال مفردات غير مفهومة يصعب على المستقبل فهمها بسهولة.
  • عدم وضوح قصد المرسل.

وهذه المؤثرات أو العوامل منفردة أو مجتمعة، تلعب دورا حاسما ومهما في التأثير سلبا على عملية الاتصال والتواصل، لذلك فإنه من الضروري استيعاب وإدراك أسبابها وآثارها للتغلب عليها، كما يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار هذه المعيقات عندما نناقش إدماج الوسائط في إنجار درس ما، لأنها من الممكن أن تشكل عائقا في هذا الإدماج.

على سبيل الختم

إنه لمن المؤكد أن التدريس بالجامعة -اليوم- في أمس الحاجة إلى طرق جذابة ومشوقة فيها إبداع وابتكار، والبحث عن بدائل قادرة على تجويد التعلمات بالمستوى الجامعي بكيفية تعيد له جاذبيته، وهذا لن يتأتى إلا بتحديث مناهجه وتطوير طرائقه وحل مشكلاته التربوية بشكل عام في ظل الحقائق اللسانية والتربوية والنفسية والاجتماعية المتجددة في حقل اللسانيات التطبيقية.

وإنه لمن المهم جدا، رصد معيقات استخدام الوسائط السمعية البصرية بالمستوى الجامعي ودراستها، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولأن تجاوزها مشروط بتعرفها ودراستها، فصحيح أن الإدماج الجيد للوسائط السمعية البصرية في مجال التعليم الجامعي يقدم إضافة نوعية في التعليم والتعلم، لكن هذا الإدماج يواجه مجموعة من الصعوبات التي تحتاج إلى تكثيف الجهود بين المهتمين والمتدخلين للكشف عنها وتجاوزها خدمة للعلم والمعرفة.

لائحة المصادر والمراجع

  • أوزي أحمد، بيداغوجية فعالة ومتجددة -كفايات التعليم والتعلم للقرن الحادي والعشرين- منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 2017.
  • بعزيز مريم، “دور الوسائط السمعية البصرية في التحصيل الدراسي -المستوى الثانوي التأهيلي نموذجا-” دكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس 2014/2015.
  • حسين حمدي الطوبجي، وسائل الاتصال والتكنولوجيا في التعليم، دار القلم، الكويت، ط8، 1987.
  • الحيلة، محمد محمود، طرائق التدريس واستراتيجياته، دار الكتاب الجامعي، العين، الإمارات العربية المتحدة، ط3، 2003.
  • خالد المير وآخرون، سلسلة التكوين التربوي، العدد الخامس، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1996.
  • خليفة إيناس خليفة، الشامل في الوسائل التعليمية، دار المناهج، عمان، 2008.
  • خميس، محمد عطية، منتوجات تكنولوجيا التعليم، دار الحكمة، القاهرة، 2003.
  • الدريج محمد، مدخل إلى علم التدريس-تحليل العملية التعليمية، قصر الكتاب، البليدة، 2000.
  • دومينيك، شالفان، طرق وأدوات التدريس والتكوين، تج غريب عبد الكريم، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 2011.
  • سعيد حليم، مدخل إلى علم التدريس، مطبعة أنفوبرانت – فاس، ط1، 2015.
  • عبد الحق منصف، رهانات البيداغوجيا المعاصرة دراسة في قضايا التعلم والثقافة المدرسية، إفريقيا الشرق، ط1، 2007.
  • فتح الباب عبد الحليم، إبراهيم حفظ الله (1985): وسائل التعليم والإعلام، عالم الكتب، القاهرة.
  • الفريجات، غالب عبد المعطي، مدخل إلى تكنولوجيا التعليم، دار كنوز المعرفة، عمان، ط2، 2014.
  • محمد عبد الباقي أحمد، المعلم والوسائل التعليمية، المكتب الجامعي الحديث الإسكندرية جمهورية مصر العربية، ط 1، 2003.

[1]  الدريج محمد، عودة إلى تعريف الديداكتيك أو علم التدريس كعلم مستقل، ص 11.

[2]  الدريج محمد، مدخل إلى علم التدريس-تحليل العملية التعليمية، قصر الكتاب، البليدة، 2000، ص 3.

[3]  فتح الباب عبد الحليم، إبراهيم حفظ الله (1985): وسائل التعليم والإعلام، عالم الكتب، القاهرة، ص69.

[4]  حسين حمدي الطوبجي، وسائل الاتصال والتكنولوجيا في التعليم، دار القلم، الكويت، ط8، 1987، ص261.

[5] خميس، محمد عطية، منتوجات تكنولوجيا التعليم، دار الحكمة، القاهرة، 2003، ص 197. بتصرف.

[6]  حليم سعيد، مدخل إلى علم التدريس، مطبعة أنفوبرانت – فاس، ط1، 2015، ص 82.

[7]  حسين حمدى الطوبجى، وسائل الاتصال والتكنولوجيا في التعليم، صص 46-47.

[8]  محمد عبد الباقي أحمد، المعلم والوسائل التعليمية، المكتب الجامعي الحديث الإسكندرية جمهورية مصر العربية، ط 1، 2003، صص 203-204.

[9]  سعيد حليم، مدخل إلى علم التدريس، ص 82.

[10]  الفريجات، غالب عبد المعطي، مدخل إلى تكنولوجيا التعليم، دار كنوز المعرفة، عمان، ط2، 2014، ص 124.

[11] عبد الحق منصف، رهانات البيداغوجيا المعاصرة دراسة في قضايا التعلم والثقافة المدرسية، إفريقيا الشرق، ط1، 2007 ص 230.

[12] الحيلة، محمد محمود، طرائق التدريس واستراتيجياته، دار الكتاب الجامعي، العين، الإمارات العربية المتحدة، ط3، 2003، ص 53.

[13]  خالد المير وآخرون، سلسلة التكوين التربوي، العدد الخامس، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1996، صص 19-20.

[14]  حسين حمدى الطوبجى، وسائل الاتصال والتكنولوجيا في التعليم، ص 47.

[15]  خليفة إيناس خليفة، الشامل في الوسائل التعليمية، دار المناهج، عمان، 2008، ص 62.

[16] أوزي أحمد، بيداغوجية فعالة ومتجددة -كفايات التعليم والتعلم للقرن الحادي والعشرين- ص 115.

[17]  دومينيك، شالفان، طرق وأدوات التدريس والتكوين، تج غريب عبد الكريم، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 2011، ص 28.

*  يقصد بالتشويش تدخل مثير معين يؤدي بالضرورة إلى عرقلة عملية الإرسال، ويشمل كذلك كل ما يؤثر في كفاءة وفاعلية وصول الرسالة بشكل جيد إلى المخاطب وإدراكها إدراكا سليما.

1  بعزيز مريم، “دور الوسائط السمعية البصرية في التحصيل الدراسي -المستوى الثانوي التأهيلي نموذجا-” دكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس 2014/2015 ص121.

البحث في Google:






كاتب المقال

عبد الواحد بوعرفاوي  
كتب ما مجموعه 1 مقالات اضغط هنا لقراءتها

باحث دكتوراه في تدريسية الدرس النحوي بالجامعة، وأستاذ متعاقد بجامعة سيدي محمد بن عبد الله - المغرب





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *