التقييم الذاتي للمتعلم

حين يُصبح التقويم شهادة على الكفاءة

تأمّلات في رحلة الحصول على الرخصة المهنية للمدربين من هيئة تقويم التعليم والتدريب (ETEC)

في عالم يتسارع فيه إنتاج المعرفة، ويتوسّع فيه سوق التدريب والتطوير المهني، باتت مسألة ضمان الجودة في المنظومة التدريبية ضرورةً مؤسسية وأخلاقية في آنٍ واحد.

فالتدريب لم يعد مجرد تقديم محتوى معرفي، بل أصبح فعلًا استراتيجيًا يُحدّد مخرجات المؤسسات وقدرتها على التكيّف والنمو في ظل متطلبات متصاعدة التعقيد.

وقد جاءت الرخصة المهنية للمدربين الصادرة عن هيئة تقويم التعليم والتدريب (ETEC) لتُعيد تعريف معيار الكفاءة التدريبية في المملكة العربية السعودية، وتُرسّخ مبدأ أن الجودة لا تُقاس بالخبرة وحدها، بل بالكفاءة الموثّقة والمعتمدة وفق معايير وطنية محكمة.

أولًا: إشكالية التقويم حين يُطبَّق على المُقوِّمين أنفسهم

ثمّة مفارقة فكرية تستحق التأمل: نحن، أصحاب التخصصات التعليمية والتدريبية، نتحدث كثيرًا عن أهمية التقييم والقياس وضمان الجودة في مؤسساتنا وبرامجنا وعملياتنا، غير أننا نادرًا ما نُخضع أنفسنا، بوصفنا ممارسين وفاعلين في هذه المنظومة، لأدوات تقييم مؤسسية صارمة، ومُعايرة وفق معايير وطنية معتمدة وموثّقة.

إن هذه الفجوة بين ما ندعو إليه وما نُمارسه تُشكّل إشكالية حقيقية في مصداقية المنظومة التدريبية برمّتها. فكيف يمكن لمدرّب يدعو إلى التقييم المستمر أن يغفل عن تقييم كفاءاته الذاتية وفق معايير خارجية محددة وموضوعية؟ وهنا تكمن القيمة الجوهرية لمبادرة هيئة تقويم التعليم والتدريب: إنها لا تُقيّم المخرجات فحسب، بل تُقيّم المُدخل البشري ذاته (المدرّب).

وهو ما يمثّل نقلة نوعية في الفهم المؤسسي للجودة التدريبية، ويُعيد تأسيس معادلة المساءلة المهنية على قواعد أكثر رسوخًا وموضوعية.

ثانيًا: الرخصة المهنية — منظومة معايير لا مجرّد شهادة

تُجسّد الرخصة المهنية للمدربين من ETEC إطارًا معياريًا متكاملًا يشمل ثلاثة مستويات متداخلة ومترابطة من الكفاءة، لا يمكن اختزالها في بُعد واحد أو مستوى منفرد:

١. الكفاءة المعرفية

وتتعلق بإتقان المدرّب لأسس علم التعلّم وعلم النفس التربوي وسيكولوجية المتعلّم البالغ، فضلًا عن التصميم التعليمي وآليات تقييم المتدربين وقياس أثر التدريب على الأداء. وهي الكفاءة التي تُحدّد مدى عمق الأساس النظري الذي ينطلق منه المدرّب في ممارسته.

٢. الكفاءة الأدائية

وتشمل قدرة المدرّب على تطبيق استراتيجيات التدريس الفعّال في بيئات متنوعة، وإدارة الديناميكيات الجمعية داخل البيئات التدريبية الحضورية والافتراضية، وتوظيف أدوات التكنولوجيا التعليمية بكفاءة وانتقائية، والتكيّف مع احتياجات المتدربين المتباينة بمرونة ووعي منهجي.

٣. الكفاءة المهنية

وتتجلى في الالتزام بأخلاقيات مهنة التدريب، والتطوير الذاتي المستمر بوصفه مبدأً راسخًا لا استجابةً ظرفية، والمساهمة الفاعلة في المجتمع التدريبي وتنمية ثقافة التعلّم المؤسسي. وهي البُعد الذي يُحوّل المدرّب من موظف يُؤدّي مهمة إلى مهني يحمل رسالة.

إن هذا الثلاثي المتكامل — المعرفة والأداء والمهنية — هو ما يُفرّق بين مدرّب يمتلك خبرة في مجال ما ومعرفة بمحتواه، ومدرّب يمتلك كفاءة تدريبية موثّقة ومعتمدة، قادر على تصميم التجربة التعليمية بأثر حقيقي وقابل للقياس.

ثالثًا: في التقاطع الأكاديمي والممارسة — أثر التجربة في بناء الرؤية

لطالما كان النقاش قائمًا في الأوساط التعليمية والأكاديمية حول ثنائية التنظير والتطبيق، وكأنهما يقعان على طرفي نقيض لا يلتقيان. وكثيرًا ما يُقدَّم الباحث الأكاديمي بوصفه منشغلًا بالنماذج والمفاهيم، بعيدًا عن تعقيدات الواقع، في حين يُقدَّم الممارس الميداني بوصفه بعيدًا عن الصرامة المنهجية. غير أن تجربتي في رحلة الترخيص المهني أكّدت لي ما أؤمن به منهجيًا وأدافع عنه فكريًا: إن الممارسة الرصينة لا تنفصل عن الأساس النظري المتين، بل هي نظريةٌ مُجسَّدة وتطبيقٌ مُستوعَب.

إن الاشتغال الأكاديمي على محاور القيادة والتخطيط الاستراتيجي، والاهتمام البحثي بالحوكمة والاستدامة في التعليم، والانشغال الفكري بتوظيف الذكاء الاصطناعي في البيئات التعليمية وآليات ضبطه أخلاقيًا ومؤسسيًا — كل ذلك لا يكتمل ولا يُترجم إلى أثر حقيقي إلا حين يُضاف إليه البُعد التدريبي الموثّق، الذي يُمكّن من نقل هذه المعرفة وترسيخها في عقول المتعلمين وممارساتهم المهنية اليومية. وهذا ما تُحققه الرخصة المهنية بامتياز: إنها تجسير حقيقي بين الأكاديميا والممارسة.

رابعًا: الرخصة المهنية في سياق رؤية المملكة 2030 — قراءة استراتيجية

لا يمكن قراءة مبادرة الترخيص المهني للمدربين بمعزل عن سياقها الاستراتيجي الأشمل والأعمق. إن هيئة تقويم التعليم والتدريب (ETEC)، في مساعيها المنهجية لرفع معايير الكفاءة وبناء منظومة تعليمية وتدريبية وطنية متميزة بمعايير دولية، إنما تُترجم بُعدًا جوهريًا من أبعاد رؤية المملكة 2030، القائمة على بناء اقتصاد المعرفة وتطوير رأس المال البشري بوصفه الركيزة الحقيقية والأعمق للنمو المستدام والازدهار الشامل.

في هذا الإطار الاستراتيجي، لا تمثّل الرخصة المهنية للمدربين مجرد وثيقة اعتراف فردي أو إنجاز شخصي، بل هي عقد اجتماعي ومهني حقيقي بين المدرّب ومنظومة التعليم والتدريب الوطنية. إنها التزامٌ بالمعيار الموضوعي، ووعدٌ بالجودة المستدامة، وانتماءٌ واعٍ إلى منظومة تعليمية وطنية ترفض التهاون في مسألة بناء العقول وتنمية الكفاءات.

ويمتد أثر هذا التوجه ليشمل تحويل سوق التدريب من فضاء مفتوح بلا معايير إلى منظومة محكومة بمؤشرات جودة واضحة وآليات مساءلة مؤسسية، وهو ما يُسهم في بناء ثقة المستفيدين بخدمات التدريب ورفع مصداقية المنظومة برمّتها.

خاتمة: حين تُصبح الشهادة بداية لا نهاية

ما أودّ توصيله من هذه التأملات ليس احتفاءً ذاتيًا بإنجاز شخصي، وإن كان الاعتراف بالجهد ضرورةً تنظيمية وثقافية في بيئات العمل الصحية والناضجة، بل هو دعوة حقيقية وموضوعية لكل مهتم بمجال التعليم والتدريب في المملكة والمنطقة إلى أن يُراجع مستوى كفاءته التدريبية مراجعةً نقدية، وأن يُفكّر في الترخيص المهني بوصفه استثمارًا في مصداقيته المهنية وأثره الحقيقي، قبل أن يكون متطلبًا رسميًا أو شرطًا إجرائيًا.

إن المؤسسات التي تنتقي مدرّبيها وفق معايير موضوعية محددة وكفاءات موثّقة ومعتمدة، لا اعتمادًا على المعرفة التخصصية وحدها ولا على الشهادات الأكاديمية بمعزل عن الكفاءة التدريبية، هي المؤسسات التي تبني ثقافة تعلّم حقيقية ومستدامة، وتُنتج مخرجات ذات أثر قابل للقياس والتراكم.

Screenshot

المراجع والمصادر

  • هيئة تقويم التعليم والتدريب (ETEC). (2024). الدليل التعريفي بالرخصة المهنية للمدربين. الرياض: هيئة تقويم التعليم والتدريب.
  • رؤية المملكة العربية السعودية 2030. (2016). وثيقة رؤية 2030: محاور التحول الوطني. الرياض: مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.
  • Kirkpatrick, D. L., & Kirkpatrick, J. D. (2006). Evaluating Training Programs: The Four Levels (3rd ed.). San Francisco: Berrett-Koehler Publishers.
  • Knowles, M. S., Holton, E. F., & Swanson, R. A. (2015). The Adult Learner: The Definitive Classic in Adult Education and Human Resource Development (8th ed.). Routledge.
  • UNESCO. (2022). Reimagining Our Futures Together: A New Social Contract for Education. Paris: UNESCO.
شاركها

البحث في Google:





عن د. عواطف الشطيطي

متخصصة في الإدارة والتخطيط الاستراتيجي في التعليم، باحثة وكاتبة في مجالات القيادة التعليمية، الذكاء الاصطناعي في التعليم، الحوكمة الإلكترونية، والاستدامة التعليمية. تهتم بتطوير الممارسات التعليمية وبناء نماذج قيادية تدعم التميز المؤسسي وتحسين جودة التعليم.

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة