إدارة الموارد البشرية

مسؤولية تطوير المسار المهني بين الفرد والمؤسسة

يمتلك علم الموارد البشرية حالياً مكانة بالغة الأهمية في المؤسسات كما أنه يشغل حيز غير قليل من البحوث العلمية وخاصة البحوث التطبيقية منها لاستخلاص النتائج ونقدها لتكون صالحة للتطبيق بشكل فعال.
ويعد علم الموارد البشرية علماً ذو خصوصية عالية جداً وذلك لأن العنصر الأصيل فيه هو العنصر البشري بكل ما يحتويه من تعقيدات يمكن قياسها أو يصعب قياسها وكونه العنصر الأساسي الذي لا يمكن قياس أى نجاح بمعزل عنه.
ومثله مثل أي علم يرتبط علم إدارة الموارد البشرية بمفاهيم ومحاور كبرى بغيره من العلوم يؤثر فيها بدرجات مختلفة ما وتؤثر فيه بنفس الدرجات.

ويعد مفهوم تطوير المسار المهني أحد أهم مفاهيم الموارد البشرية التي يجب أن تولى بالدراسة والبحث لما له من أثر وارتباط بغيره من المفاهيم ذات الأثر في نجاح وتطوير المؤسسات.
وتكمن أهمية مفهوم تطوير المسار المهني الذي يُعد أمراً جوهرياً للفرد والمؤسسة والذى يتقاسمان مسؤوليته، ومن الجهة الأخرى فإن ظاهرة ضعف تطوير المسار المهنى تشكل تحدياً للمؤسسات كونها ظاهرة سلبية تُعاب على المؤسسات وتسبب هدراً لمواردها الأساسية.

ويعتبر تطوير المسار المهني واحداً من أهم وظائف الموارد البشرية والتي تهم المؤسسة والفرد معاً، ويتلاقى فيها الهدف التنظيمي مع الهدف الفردي. فتطوير المسار المهنى يسهم في تطوير عمل المؤسسة وتقدمها وينعكس على أهدافها طويلة الأمد، كما أنه هدف ذو أهمية لكل فرد.
وفى السطور القليلة القادمة نحاول إلقاء الضوء على دور كلاً من المؤسسة والفرد في تطوير المسار المهني.
يقصد بالمسار المهني المراحل المتعاقبة في مهنة ما،وهو جميع التغيرات والترقيات التي يحصل عليها الفرد ، طوال مسيرته المهنية وفي تعريف آخر اعتبر المسار المهنى سلسلة المناصب التي يشغلها الفرد بغض النظر عن مستوى هذه المناصب خلال مسيرته المهنية.
وينظر إليه أيضاً على أنه مسار للحراك داخل المؤسسة أو تراكم مجموعات فريدة ومميزة من المراكز والخبرات خلال عمل الفرد لوظائف معينة

من خلال ما سبق نجد أن أبرز ما يميز هذه التعريفات هو أن منها من ينظر إلى المسار المهني على أنه مجموعة المواقع الوظيفية التي يشغلها الفرد خلال مسيرته المهنية وعلى اعتبار أن إدارة المؤسسة هي متخذة القرار.
في حين أن منها ما يلقي الضوء على أهمية الخبرات والمهارات المكتسبة والمتراكمة لدى الفرد خلال مسيرته المهنية وفي مواقع وظيفية متعددة وضمن أكثر من مؤسسة، معتبراً أن المهارات والخبرات المكتسبة لدى الفرد هي جوهر المسار المهني وهي أهم ما يجب النظر إليه عند الحديث عن المسار المهني.

وتأتي أهمية المسار المهني كونه يؤثر على حياة الفرد ككل على اختلاف مجال المسار المهني، فالمسار المهني يرسم للفرد دائرة اتصاله وتواصله وحياته، وهذا الأثر الفردي ينعكس بشكل مباشر على المؤسسة.
ومن هنا كان علينا النظر لأهمية المسار المهني على مستوى الفرد وعلى مستوى المؤسسة.
بالنسبة للفرد فإن تطوير المسار المهني هو مصدر قلق كبير وهدف لأي فرد، حيث أن فرص النمو المهني التي توفرها المؤسسة تمكن الأفراد العاملين من التميز في مجالاتهم، كذلك فإن المميزات الوظيفية المتوقعة من الارتقاء في التسلسل الهرمي الوظيفي تجبر الفرد على بذل قصارى جهده للوصول إلى قمة الأداء الوظيفى وهذا الفكر يخدم المؤسسة أيضاً في تحقيق رؤيتها وأهدافها.

ومن هنا تبرز أهمية المسار المهني الذي يوضح رؤية وفهم الفرد لما يريده في حياته المهنية وما يسعى لتحقيقه طوال حياته المهنية، ومنه يستطيع الفرد إدراك ما يملكه من خبرات ومهارات وكفاءات ويجعلها تتوافق مع طموحاته وخططه.
ولذلك فإن فهم المسار المهني من قبل الأفراد يوفر لهم فرص التطوير الأمر الذي يسهم في تحويل صراعات الأفراد العاملين إلى تنافس إيجابي يخدم مصلحة المؤسسة ويطور مهارات الأفراد وقدراتهم ليواكب هذه المنافسة.
وعليه، فإن إدراك المسار المهني يُمكن الفرد من اختيار حركة مساره المهني بما يملكه من كفاءات ومهارات، مما يخلق حالة من المساواة بين العاملين.

بالنسبة للمؤسسة فإن تطوير المسار المهني له أهمية متصاعدة بالتزامن مع ازدياد شدة المنافسة بين المؤسسات وبالنظر لأهمية العنصر البشري كعامل حاسم في إعطاء الميزة التنافسية للمؤسسة ولذلك فإن المؤسسات التي لا تهتم بالمسارات الوظيفية وتطويرها ستواجه مشكلات.
منها على سبيل المثال حالات التكدس الشديد في الوظائف والاختناقات في الهيكل التنظيمي وفي الوظائف، مما يؤثر بالسلب على القيمة المضافة التي يقدمها العاملين ودافعيتهم للعمل.
وعلى العكس من ذلك فإن المؤسسات التي تُعنى بأفرادها ومساراتهم المهنية وتجعل منهم أشخاص أكثر تقديما للقيم المضافة للمؤسسة قد يصبحون أداتها الأنجح وينعكس هذا على سمعة المؤسسة.

ويعني مفهوم تخطيط المسار المهني مزيجاً من العمليات المتعمدة من تحديد الأهداف وإدراك الذات والاختيارات والفرص والقيود والنتائج المهنية وكذلك العمل الرقمى والتعلم وما يتصل بهذه العمليات من تطوير الخبرات لمعرفة الاتجاه والتوقيت وتسلسل الخطوات من أجل تحقيق هدف مهني محدد.
كما أن إدارة المسار المهني تعنى أنها العملية المستمرة في الحياة المهنية والتى تتضمن التفكير الإستراتيجي والتحضير، والتطوير والتطبيق العملى والرقابة لخطط المسار المهني وكذا تنفيذ الإستراتيجيات المتبعة من قبل الفرد وحده أو بشكل متزامن مع أنظمة تطوير المسار المهني للمؤسسة التي يعمل بها.
إن توفر قناه من الدعم والتواصل مع نظام فعال لإدارة المسار المهني داخل منظومة إدارة الموارد البشرية يمكن الفرد داخل المؤسسة من اتخاذ قرارات تتناسب مع قدراته ومهاراته ومواهبه وتوجهاته والقيم الخاصة به كما أنها تساعد في تحسين فعالية أداء المؤسسة.

وتعد إدارة وتخطيط المسارات الوظيفية أحد أهم ممارسات إدارات الموارد البشرية وهى العملية التنظيمية التي تقوم من خلالها إدارة الموارد البشرية بتخطيط ورسم الإطار العام الذي يحدد المستقبل الوظيفي لجميع الأعضاء العاملة في المؤسسة، ورسم الخطوط المهنية لهم بدقة بدأ من مرحلة الاختيار للموظفين ثم مرحلة التعيين حتى الإحالة على التقاعد. ويتم تطبيق وإدارة خطط تطوير المسار المهني من خلال العديد من الأدوات أهمها والأكثر استخداماً تحليل البيانات، وتدوير العمل، التحفيز، والترقية والتدريب.
تحليل البيانات والتي تعتمد على عدة مدخلات أهمها تقويم أداء العاملين بالإضافة إلى الملاحظة المباشرة من قبل الإدارة المباشرة لسلوك العاملين.

تدوير العمل ويعني مفهوم تدوير العمل تجريب تعيين الموظف في سلسلة من الوظائف ضمن مجالات عمل مختلفة داخل المؤسسة، ويعد تدوير العمل طريقة مهمة لإدخال التنوع في الحياة المهنية للموظف بالإضافة لأنه يوفر للموظف فرصة ذهبية لتعلم مهام جديدة و أفكار عمل ومهارات متعددة وفهم الوظائف التنظيمية المختلفة داخل المؤسسة التي يعمل بها الموظف.
التحفيز وهو مطلب فردى باعتبار أن لكل فرد حاجات وتوجهات ورغبات ومواقف مختلفة عن غيره من الأفراد، كما أنه أحد أهم العناصر المؤثرة على سلوك الأفراد ويعتبر التحفيز عامل مهم ذو صلة متينة بتطوير المسار المهني بما يملكه من آثار على قواعد اختيار الأفراد لمسارهم المهني وطريقة تخيلهم لهذا المسار والاجتهاد لتطويره بطرق متعددة.
الترقيات هي العملية التتابعية للمسار المهني وهي أحد أهم النتائج المرجوة من تطوير المسار المهني للفرد، وكذلك قد تكون نتيجة لتطبيق خطط التدرج الوظيفي في المؤسسات التي تمتلك برامج تطوير ناجحة.

تُبنى خطط التدريب على أساس خطط تطوير المسار المهني واستناداً على نتائج تحليل استمارات تحديد الاحتياجات والتي تقدم للموظفين في بدايات العام التدريبي والتي يتحدد من خلالها الاحتياجات التدريبية وتعتبر هذه المرحلة الأولى في عملية التدريب. ويقوم على أساسها تصميم البرامج التدريبية التي تُطبق وفق الخطة الموضوعة.

إن تأثير هذه الأدوات المذكورة سلفاً لا يقتصر على التطوير فحسب بل إنها تؤثر في بعضها البعض لتكُون في النهاية علاقات تبادلية تستطيع من خلالها المؤسسة أن تدير المسار المهنى لأفرادها بشكل يتيح النجاح للمؤسسة وفق الأهداف الموضعة لها من خلال رؤيتها الاستراتيجية كما أنها تحقق الاستقرار المهني للفرد داخل المؤسسة التي يعمل بها.
ومما سبق نخلص بأن أن تطوير المسار المهني هو مساهمة مشتركة بين جهود الفرد والمؤسسة.


المراجع:

إسماعيل الغمرى (2020): أهمية إكساب وتنمية بعض القيم الاجتماعية لطلاب كليات التربية بمصر في مواجهة تداعيات بعض المتغيرات المعاصرة، مجلة كلية التربية، المنصورة. مصر.
حسن إبراهيم بلوط (2024): إدارة الموارد البشرية رؤية مستقبلية، الدار الجامعية، الإسكندرية. مصر.
صلاح الدين محمد الباقي (2005): إدارة الموارد البشرية (مدخل تطبيقي معاصر)، الطبعة الأولى، الدار الجامعية مصر.
فريد النجار ( 2006): التغيير والقيادة والتنمية التنظيمية محاور الإصلاح الاستراتيجي في القرن 21، الدار الجامعية، الإسكندرية مصر.
كمال محمد المغربي (2010): السلوك التنظيمي، الطبعة الرابعة دار الفكر ناشرون وموزعون، القاهرة، مصر.
محمد الصيرفي ( 2006): إدارة التغيير، الطبعة الأولى، دار الفكر الجامعي،الإسكندرية،مصر.

شاركها

البحث في Google:





عن د. إيهاب ابراهيم السيد محمد

دكتوراه الفلسفة في التربية النوعية، كلية التربية النوعية جامعة عين شمس. تخصص تكنولوجيا التعليم زميل كلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية العليا - جمهورية مصر العربية

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة