الرياضيات في سنغافورة

أهم ما يجب معرفته عن معيار التواصل في الرياضيات

قامت بعض الدول العربية في بداية الألفية الثانية، بتبني مدخل المعايير في التعليم، بدل مدخل الأهداف السلوكية، تتناول جميع الجوانب المختلفة لمدخلات النظام التعليمي وفي مقدمتها المنهاج المدرسي. وتسعى لتحقيق مبدأ الجودة الشاملة. ويمكن تطبيقها لفترات زمنية ممتدة وقابلة للتعديل وفق التطورات العلمية والتكنولوجية، وقابلة للقياس، حتى يمكن مقارنة مخرجاتها بالمعايير المقننة للوقوف على مدى جودة المخرجات (الدريج، 2007، 7). ومع نهاية الثمانينات من القرن العشرين بدأت حركة عالمية لتطوير تعليم وتعلم الرياضيات في ضوء معايير توضع مسبقا لترسم مسار عملية التطوير. (عبيد، 2004، 29-30). وقد اعتمدت معايير (NCTM, 2000) في أساسها على معايير (NCTM, 1989, 1991, 1995 )، وبنيت عليه، و حددت ما يتوقع من التلميذ تعلمه من الرياضيات في جميع المراحل الدراسية المختلفة، وقدمت هذه التوقعات في خمسة معايير للمحتوى، وخمسة معايير للمعالجة وتحددت معايير المعالجة ب: ( معيار حل المشكلات، ومعيار التعليل والبرهان، ومعيار التواصل، ومعيار الترابط، ومعيار التمثيل).

وفي هذا المقال سنتناول معيار التواصل كأحد أهم معايير المعالجة في الرياضيات.

لغة الرياضيات لا تختلف عن بقية اللغات فلها حروفها ورموزها التي لها أشكال وصور وتمثيلات مختلفة كما هو الحال في رموز الهندسة التحليلية وتمثيل العلاقات والاقتران وأشكال فن والقطاعات الدائرية والمخروطية وغيرها، كما أن مفاهيمها المجردة تحتاج إلى تجسيد وسياق حتى يتمكن الطالب بناء المعنى. وفي هذا الاتجاه يشير(Usiskin, 1992) المشار إليه في (جابر و كشك، 2007) إلى أن “الرياضيات كأي لغة حديثة لها نظامها، وبنية صورية تركز على قواعد وأعراف تسمح باستعمالها، وتأخذ تعبيراتها أشكالا عدة؛ كتابية، وشفوية، ورسمية، وغير رسمية (عامية)، ولها خصائصها التي تنفرد بها وتميزها عن غيرها من اللغات. ولذلك يعتبر التواصل واحدا من أهم أهدافها” ص13.

ومما لا شك فيه أن توسيع مساحة اللغة الطبيعية إطارا واستعمالا يمثل أداة مهمة في تعلم الرياضيات وهذا بدوره يستلزم رؤية جديدة لدور معلم الرياضيات في تغير أنماط التفاعل الصفي السائدة. وفي هذا الاتجاه يقدم (ويتن و ويتن، 2000) المشار إليه في (جابر و كشك، 2007، 15) مقترحات لمعلم الرياضيات من أجل توفير سياق تفاعلي يشجع على استخدام اللغة الطبيعية في الصف حوارا وكتابة ومن بين هذه المقترحات ما يلي:

  • التركيز على أسئلة مفتوحة النهاية بهدف استحضار أكبر قدر من الاستجابات، ومن أمثلة هذه الأسئلة: ماذا لاحظت؟ ما هو الشيء الذي وجدته ممتعا؟
  • تشجيع التفكير المجازي: ماذا يشبه هذا النمط؟
  • إيجاد تحديات بين الحين والآخر: كيف يمكنك إقناع الآخرين بوجهة نظرك؟
  • تشجيع الطلبة على تعدد طرق الحل: من حل هذه المسالة بطريقة أخرى؟ من منكم يعطي تفسيرا آخر؟
  • تشجيع الطلاب على كتابة ما يقولونه وبلغتهم السائدة (العامية).
  • إعطاء الطلاب فرصا لنشر ما كتبوه بوسائل مختلفة.
  • تسجيل الأفكار الجديدة والغريبة، والتي بدورها تشكل منعطفا للنقاش والحوار والتعليق.

وبهذا تعتبر اللغة الطبيعية مجالا واسعا لتعليم رياضيات ذات معنى. فهي كما يرى (مالك ووسيم، 2005) “سياق تواصلي وفضاء سيميائي للتفكير والتعبير والمجال الرمزي الأهم لبناء المعرفة وإنتاج المعنى” ص 20.

لقد ظهر الاهتمام بمهارات التواصل الرياضي منذ صدور وثيقة مستويات المنهج والتقويم   (NCTM,1989) وتعددت مهاراته إلى: الاستماع والقراءة والتحدث والكتابة والتمثيل. كما يشير (Lappan & Schran, 1989) المشار إليه في (الذارحي، بن العزمية، 2017): إلى أن “التواصل الرياضي يتضمن قدرة التلميذ على القراءة والكتابة والاستماع والتحدث والتمثيل حول الأفكار والعلاقات الرياضية، مستخدما في ذلك لغة الرياضيات المقروءة والمكتوبة وفهمها وتوضيحها للآخرين” ص 79.

وبحسب (NCTM,2000) ترجمة (عسيري وآخرون، 2013) يجب أن تمكن البرامج الدراسية من مرحلة الروض إلى الصف الثاني عشر جميع الطلاب من:

  • تنظيم التفكير الرياضي وتعزيزه من خلال التواصل.
  • إيصال التفكير الرياضي بشكل مترابط واضح لجميع الزملاء والمعلمين والآخرين.
  • تحليل وتقويم التفكير الرياضي واستراتيجيات الآخرين.
  • استخدام لغة الرياضيات للتعبير عن الأفكار الرياضية بشكل دقيق.

ففي الصفوف (الروض-2) يكون التواصل من خلال استخدام استراتيجيات الألعاب المختلفة في تدريس الرياضيات وتشجيع الصغار على عمل وشرح أجوبتهم حول الأسئلة الرياضية المطروحة ووصف الاستراتيجيات المستخدمة للأجوبة على الأسئلة التي يطرحها المعلم بما يتوافق مع محتوى المنهج: كتركيب شكليين هندسيين لينتج شكلا هندسيا آخرا. ويتوجب على طلاب هذه المرحلة الاستماع بعناية إلى بعضهم. كما أن تنمية التواصل الرياضي في هذه المرحلة يتم من خلال الرسومات البيانية والمخططات والتي يعبر من خلالها الطلاب عن الأفكار والرموز الرياضية. ويكمن دور المعلم في هذه المرحلة من ابتكار بيئات غنية بالرياضيات وبنائها بعدة طرق وعرض المشكلات التي تثير التنافس بين الطلاب رياضياً، وإتاحة الفرص للطلاب للتعبير بما يعتقدون به ويستطيعون حله، والتحدث والاستماع إلى زملائهم. كما يتوجب على المعلم في هذه المرحلة صياغة الكلمات التقليدية المناسبة ومساعدة الطلاب في بناء الجمل الرياضية بلغتهم التي يمارسونها في حياتهم اليومية، كما ينبغي على المعلم وضع أسئلة قابلة لأشكال مختلفة من التواصل وربط اللغة اليومية بلغة الرياضيات ورموزها بطريقة ذات معنى.

وفي الصفوف (3-5) يكون التواصل من خلال طرح الأسئلة وشرح وتبرير الأفكار الرياضية والحلول وكتابتها، والاستماع بعناية إلى المناقشات بين الطلاب والمعلم والتي بدورها تساعد الطلاب على التركيز على المفاهيم الرياضية المهمة، وإعادة صياغة الاقتراحات  للتأكد من أنها غطت جميع الأفكار بشكل دقيق. ويكمن دور المعلم بتزويد الطلاب بالمسائل الغنية التي تركز على الأفكار الرياضية المهمة في المنهج، وتوسيع الأسئلة المطروحة ونمذجتها لتطوير تفكيرهم الرياضي وتقييم فهمهم. كما يتوجب على المعلم مساعدة الطلاب في استخدام اللغة الرياضية في وصف الأشياء والعلاقات وكتابة المفاهيم الرياضية كتابة صحيحة كاملة متجانسة وواضحة.

وفي الصفوف (6-8): يتطور التواصل ويرقى إلى تقديم وشرح الطرق المستخدمة لحل المشكلات الرياضية المختلفة، إضافة إلى تحليل ومقارنة ومقابلة وفعالية الطرق المتنوعة، ويجب أن تحتوي الشروح على الفروض الرياضية والأسس المنطقية وليس فقط الوصف الإجرائي أو الملخصات.

المثال: النسبة بين بعدي مستطيل 3:4 إذا كانت مساحته 300 وحدة مربعة فما طوله وعرضه؟ يمكن للمعلم الاستماع لطرائق متنوعة لحل هذا المثال من قبل كل طالب يشرح طريقته الخاصة في حل المشكلة، وإتاحة الحرية للطلاب للتعبير عن أفكارهم الرياضية بصراحة دون خوف من السخرية،  ومن ثم عمل تحليل ومقارنة عن فعالية الطريقة المنطقية. ويكمن دور المعلم في هذه المرحلة في إثارة الأسئلة الرياضية واختيار المهام الرياضية الجديرة بالاهتمام والمتوافقة مع المحتوى الرياضي والتي تساعد على تنوع التواصل الرياضي، وأن تكون المهام الرياضية مرتبطة بالأفكار الرياضية المهمة والقابلة لطرق متعددة وتفسيرات مختلفة، وتشجيع كافة الطلاب على المشاركة والتعبير عن أفكارهم واستراتيجياتهم المختلفة في الحلول. كما ينبغي على المعلم ملاحظة تعلم الطلاب حتى يتمكن من حسن التوجيه وإدارة النقاش والاهتمام بنقاش الطلاب ودعمها.

وفي الصفوف (9-12): لتحضير طلاب المرحلة الثانوية لدراستهم الجامعية، يجب أن يتعلموا القدرة على تبادل الأفكار الرياضية بفعالية مع الآخريين، والتركيز على التواصل العلمي الرياضي حيث أن التفاعل يوفر الجو الملائم للقدرة على تبادل الأفكار الرياضية والتعليق عليها. ويعتبر التواصل الرياضي في هذه المرحلة من أهم العناصر الأساسية لتعلم الرياضيات، ويعلب دورا أساسيا في جميع الأمثلة الصفية، والتي بدورها تقود الطلاب إلى براهين نتائج عامة. كما أن صياغة الأفكار ومشاركة المعلومات أو الحجج لإقناع الآخريين جزء مهم للعملية التعليمية، وأن تبادل الأفكار وتصريفها للنقد يؤدي غالبا إلى تحسينها. كما أن نقد الطلاب لأفكار ومنطق الآخرين يصقل مهاراتهم.

وينبغي أن تساعد كتب رياضيات هذه الصفوف الطلاب على التواصل بشكل دقيق وواضح شفهيا وباستخدام الرسومات والترميز الرياضي المناسب واستخدام التمثيلات والذي بدوره يؤدي إلى تطوير تفكيرهم الرياضي. ويفترض على طلاب هذه المرحلة القدرة على تقديم وتوليد تفسيرات وكتابة حجج، بحيث أن من يقرأها يعتبرها صائبة منطقيا. وباعتبار البراهين الرياضية جزءا مهم من رياضيات المرحلة الثانوية يمكن اعتبارها وسيلة مقبولة للتخاطب. ويكمن دور معلم هذه الصفوف في مشاركة الطلاب لأفكارهم وتوفير مناخ ملائم يشعر الطلاب فيه بالراحة والمتعة وعدم التقليل من أهمية ملاحظاتهم وتخميناتهم وتفسيراتهم، وإدارة مناقشة الصف بحنكة وأسلوب يظهر الحجج الرياضية. وينبغي أن يكون المعلم مُلما ومتمكنا من المادة العلمية وأن تكون أهدافه محددة بشكل دقيق حتى يتمكن من توجيه الطلاب لتحقيق الأهداف المنشودة.

ومما سبق يتضح أن معيار التواصل الرياضي كمعيار معالجة يعد هدفاً أساسياً في تعليم الرياضيات، لذا لابد من تنميته لدى الطلاب من خلال محتوى كتب الرياضيات تدريجيا حسب المراحل الدراسية المتعاقبة وذلك من خلال: تصميم الأنشطة التعليمية، والرسومات البيانية، والمخططات، واستخدام التمثيلات الرياضية، وتنوع استراتيجيات الألعاب المختلفة، وطرح الأسئلة ذات النهايات المفتوحة، وطرح مشكلات رياضية متنوعة ومختلفة، وغيرها من موضوعات الرياضيات المهمة الغنية بأشكال متنوعة من التواصل الرياضي. كما أن للمعلم دورا كبيرا في تنمية التواصل الرياضي لدى الطلاب، وذلك من خلال تنويع استراتيجيات التعلم، وتشجيع الطلاب على تنويع طرائق حل المشكلات الرياضية وتفسيرات وتبرير طرائقهم المختلفة بحرية كاملة، وتشجيع الطلاب على التحدث والتعبير عن اعتقاداتهم بلغتهم العامية وعدم التقليل من أهمية ملاحظاتهم وتبريراتهم واستنتاجاتهم وتفسيراتهم، وتزويدهم بمسائل مهمة تركز على الأفكار الرياضية المهمة.

المراجع:

  • جابر، لينا و كشك، وائل، (2007). ثقافة الرياضيات.. نحو رياضيات ذات معنى، ط1، فلسطين، مركز القطان للبحث والتطوير التربوي- رام الله.
  • الدريج، محمد، (2007). المعايير في التعليم – نماذج وتجارب لضمان جودة التعليم، ط1، المغرب، مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء.
  • الذارحي، فاطمة و بن العزمية، علال،(2017). أثر استخدام أنموذج التعلم ذي المعنى في تنمية مهارات التواصل الرياضي في مجال الرياضيات للصف الأول الثانوي في اليمن، المجلة الدولية لتطوير التفوق، المجلد 8، العدد 14، ص ص 71- 91.
  • الريماوي، مالك و الكردي، وسيم، (2005). مخيلة الحكاية، ط1، فلسطين، مركز القطان للبحث والتطوير التربوي- رام الله.
  • مبادئ ومعايير الرياضيات المدرسية، المجلس الوطني لمعلمي الرياضيات الولايات المتحدة الأمريكية، ترجمة: محمد بن مفرح عسيري، هيا بنت محمد العمراني، فوزي بن أحمد الذكير، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، المملكة العربية السعودية، 2013.
  • وليم، عبيد، (2004). تعليم الرياضيات لجميع الأطفال في ضوء متطلبات المعايير وثقافة التفكير، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع.

البحث في Google:





عن د. عبده صالح محسن بهوث

دكتوراه في تحليل وتقييم أنظمة التربية والتكوين (تعليم الرياضيات نموذج) من كلية علوم التربية -جامعة محمد الخامس - الرباط - المغرب. باحث في مجال تعليم وتعلم الرياضيات - وزارة التربية والتعليم اليمن.مهتم بتدريب وتأهيل معلمي الرياضيات. محاضر في معاهد التدريب والتأهيل بالجمهورية اليمنية.محاضر في بعض الجامعات الخاصة بالجمهورية اليمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.