الرئيسية » دراسات » حلول في ظل طوارئ و أزمات التعليم : مهارات التفكير الشمولية

حلول في ظل طوارئ و أزمات التعليم : مهارات التفكير الشمولية

هذا المقال هو المقال الأول من سلسلة مقالات ” حلول في ظل طوارئ و أزمات التعليم ” للكاتبة الأستاذة “ أروى بنيان ” و التي ستنشر حصريا على مدونة تعليم جديد.

المقدمة

أدركنا جميعاً  خلال فترة الأزمة الناجمة عن جائحة كورونا والتي أفرزت الكثير من المشكلات الخاصة بالجانب التعليمي أن التعلم عن بعد عبر الإنترنت ليس بذاك الدواء الشافي لتلك المشكلات، خاصة و أن 18 بالمئة فقط من المتعلمين في إفريقيا (جنوب الصحراء الكبرى) لديهم اتصال بالإنترنت في منازلهم !!! (مقارنة بـنسبة 57 بالمئة من المتعلمين على الصعيد العالمي)!!! وهذا بحد ذاته فرض تفاقماً لمشكلة أكبر وهي عدم المساواة في حصول أبنائنا على التعليم  ليس بين بلدان العالم فحسب، بل وداخل كل بلد ( بين محافظة وأخرى، أو مدينة وريف، أو مدرسة وأخرى).

إذن: كيف يسعنا أن نتصور المدرسة التي كنا نظنها الوسيلة الرئيسية للحد من أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية إذا كانت هي في حد ذاتها مكانا يطفح بأوجه عدم المساواة؟

توصيات الجانب الفكري …. أين هي ؟

إن انتشار الجائحة، جعلتنا كلنا معاً، دارسون و معلمون و نقابات و أهالي و مجتمع مدني، نعيد التفكير في الأسس التي يرتكز عليها التعليم وطرح الأسئلة التالية: على أي قسط يمكن أن يستحوذ التعليم عن بعد ؟ وما العلاقات التي ينبغي إقامتها بين جميع الجهات المعنية بالتعلم؟ وما هي القيم والمبادئ التي يجب أن يرتكز عليها التعليم في الغد؟

وتمثلت الإجابة عن هذه الأسئلة بالهدف الأساسي من مبادرة اليونسكو “مستقبل التربية والتعليم” الرامية إلى التفكر في مسألة التربية والتعليم بحلول عام 2050 وما بعده ، فورد في هذا المنحى عدد من التوصيات مثل:

– ضمان إدراج برامج التعلم عن بعد – حماية خصوصية البيانات و أمنها  – إعطاء الأولوية لحلول مواجهة التحديات النفسية والاجتماعية قبل التدريس – تخطيط الجدول الدراسي لبرامج التعلم عن بعد – تقديم الدعم للمعلمين وأولياء الأمور بشأن استخدام الأدوات الرقمية – الدمج بين الوسائل المناسبة والحد من عدد التطبيقات والمنصات – وضع قواعد التعلم عن بعد ومراقبة عملية تعلم الطلاب- تحديد مدة وحدات التعلم عن بعد استنادًا إلى مهارات التنظيم الذاتي للطلاب.

ومن وجهة نظري  في الغالب كلها توصيات متعلقة بالجانب التقني والتطبيقي للتعلم عن بعد، ولكن أصبح جلياً أننا غير قادرين على ضبط جودة هذا النوع من التعليم خاصة في حالات الطوارئ :  

  • بدءاً من استعداد المدرس و مهارته في تحضير دروس خاصة بالتعلم عن بعد تحوي أنشطة تعليمية متعددة المستويات تحقق أهداف التعلم وتقاويم صادقة ( بمعنى: البناء الفكري للمحتوى) و سيرد تفصيل حوله لاحقاً إن شاء الله.
  • وفيما يتعلق بمهارات المتعلم التي تمكنه من التعلم بمفرده وتحمل مسؤولية تعلمه وفي معرفة أسباب تميزه أو فشله.

على طريق البحث عن توصيات فكرية:

إن حالة طوارئ عالمية و خطيرة كالتي  فرضها انتشار كوفيد 19 تحتاج لحلول من نوع مختلف، حلول تفي بالغرض أيضاً لحالات شائعة متكررة في مدراسنا (كتغيب مدرس أو متعلم عن حصة أو أكثر)، حلول تبني فضاء تعليمياً يمنح فرص التعلم للجميع.

وفي إطار البحث عن احتياجات مجال التعليم عن بعد رأيت أنه من الأهمية تأمين مستلزمات لا غنى عنها ربما تكون هي ضالتنا و لا أقصد المستلزمات التقنية أو المجتمعية _كما طرحها الكثير من الكتاب في الأشهر الأخيرة بإفاضة مشكورين _ إنما مستلزمات فكرية.

ضمن سلسلة من المقالات سنقوم بطرح فكرة عن مهارات جوهرية ينبغي السعي لإكسابها للمتعلمين وتطويرها لديهم …

 إنها   مهارة التعلم الذاتي 

وكما هو معروف أن مهارة التعلم الذاتي مهارة معقدة تتكون من مجموعة من المهارات يجب الجَمع بينها للوصول إلى الإتقان، وهي في الواقع التي تكشف الفارق بين متعلم وآخر في محاولات التعلم المباشر أو التعلم عن بعد وتفسر تفاوت درجات الإنجاز فيما بينهم.

أولئك الطلبة الذين لديهم “استراتيجيات” خاصة لإدارة تفكيرهم بشكل أكثر فاعلية ، سواء كانت القراءة و استيعاب المواد النصية أو حل المشكلات في مجالات متعددة مثل الرياضيات. وبعبارة أخرى : المفكرون الجيدون الذين يمكنهم ممارسة بعض السيطرة الاستراتيجية على تفكيرهم.

لست بصدد الحديث عن مهارة البحث أو التخطيط أو التفكير الناقد أو غيرها من مهارات التعلم الذاتي المعروفة

بل مهارات التعلم الذاتي في صيغة تجعلها أكثر قابلية للتعلم ، مهارات في حلة حديثة تكمن حداثتها في جانبين:

  • نوع المهارات.
  • طريقة تعليمها.

و قبل التعريف بالمهارات لابد من التطرق في البداية إلى مواصفات العقل .

أولاً: مواصفات العقل

لا يأتي العقل مع رزمة مسبقة الإعداد من المهارات التي تنتظر خاملة لكي يتم تفعليها ولكنه يقوم بتشكيل مهاراته من خلال مواجهته لمهام تتطلب هذه المهارات أي أن :

“العقل يشكل مهاراته العليا فقط عندما يحتاج أن يقوم بأداء عال”  Gary A. Woditsch

ومن هذه الزاوية يمكن أن نجيب عن تساؤل كثيراً ما نفكر به و هو :

 لماذا بعض العقول التي تمتلك قدرات عالية لا تظهر هذه المهارات العليا؟  كما يصبح من السهل معرفة دور المدرس في تشكيل هذه المهارات.

ومن البديهي في سيكولوجيا تطور الانسان أن تطور الإدراك يبدأ من البسيط إلى المعقد  فالعقل يصنع المفهوم وفق مراحل :

1- الحصول على أكوام من البيانات والمعلومات heaps

2- صنع التراكيب complexes

3-شبه المفهوم pseudo_concepts

4- المفهوم concept

                                          

و مهارات التفكير المطلوبة لتشكيل المفاهيم هي نفسها المهارات التي يستخدمها العقل لمعاجلة وتوظيف المفاهيم بحيث يقوم العقل ببناء المفهوم من خلال معالجة البنى المسبقة بين يديه.

مثال ذلك:

إذا كان هناك 16 كائن أحمر اللون على الطاولة، وسألنا طفلاً عن تلك الأغراض فإن العقل سيشكل تركيبا ( مفهوم جزئي) وهو مجموعة من الأغراض الحمراء على الطاولة” فإذا قام أحد الأشخاص بإزالة أحد هذه الكائنات هذا لن يعدل التركيب ولكنه يمكن أن يدفع العقل لتذكر الشيء الأحمر الذي تم إزالته عن الطاولة، ويدفعه للتثبت من تشابهه مع الأغراض التي ما زالت موجودة، وبعدها يشكل العقل تركيبا جديدا وهو “الأشياء الحمراء” والتي يمكن أن تطبق على فئة واسعة من الأغراض أكثر مما كان سابقاً.

وإذا سألنا  الطفل مرة ثانية أين توجد الأغراض الحمراء؟ فهو ببساطة سيشير إلى الطاولة و إذا تم سؤاله عن التركيب الجديد (بعد الإزاحة) فإنه سيذكر الغرض الذي تمت إزاحته وربما يُضيف لعبته ذات اللون الأحمر إلى القائمة.

ما يمكن استخلاصه من المثال:

إنْ دُفِع العقل لمعالجة البنى المختزنة لديه فإن البنى الجديدة تظهر و كذلك من خلال دفع العقل لمعالجة البنى الموجودة فإنه يستطيع حل المشكلات ، فبناء البنى الجديدة مشابه للنموذج الأصلي وفي هذا الحالة يتم توظيف نفس القدرات الأساسية.

” يعود العقل دائماً إلى الأصل، فكما حل المشكلة في المرة الأولى ( بناء المفهوم) سيقوم بحلها في المرة الثانية  ( معالجة والتعامل مع المفهوم) ”   عاصم رمضان

من وجهة النظر تلك فإن دور المدرس ليس تمكين الطلبة من مئات المهارات، بل تمكينهم من مجموعة صغيرة من المهارات الجوهرية (الأساسية) التي توجد في متناول يده، ودفعه لاستخدامها بطرق متعددة من خلال مجال واسع من الحالات المختلفة، وكلما زادت عملية توظيف هذه المهارات نجاحاً وتنوعاً سيكون عند الطالب رغبة أكثر في استخدامها وهكذا تزيد إمكانيات العقل وتنمو.

فما هي المهارات الجوهرية التي يجب أن يُوجهها ويُنميها ويُركز عليها المدرس؟

ثانياً: مهارات التفكير الشمولية 

من الطرق الجيدة لفهم أهمية وقيمة مهارة ما هو أن ندرس ماذا يحدث لو غابت هذه المهارة، وهذه النقطة بالذات يدرسها علماء النفس للبحث في أسباب الفشل في اختبارات الذكاء (IQ). ومن المعروف أن تلك الاختبارات تضع الطالب أمام مجموعة من المشكلات المتنوعة، هذا التنوع كبير لدرجة أنه يغطي جميع الأنشطة الذهنية المدرجة في قوائم مهارات التفكير (من تذكر و معرفة التشابه و الاختلاف و الربط وإعطاء أحكام).

و بعد إحصاء التصرفات المرافقة للفشل في حل المشكلات يمكن أن نضع قائمة بأكثرها تكرراً :

1) يظهر الطالب تركيزاً عشوائياً لأنه لم يركز انتباهه على المتغيرات المتعلقة بالمشكلة.

2) لا يستكشف الطالب المشكلة المعقدة ولا يتفحصها ليتعرف جميع مكوناتها.

3) يفشل الطالب في المقابلة (أي: إيجاد التشابه) بين العلاقات التي يعرفها مسبقاً مع العلاقات الجديدة الكامنة في المشكلة.

4) يتوجه الطالب إلى التخمين السريع، حيث يقفز إلى الجواب دون أن يدمج البيانات المتاحة و يأخذها بعين الاعتبار.

5) يفشل الطالب في التحقق من الإجابات، فلا يراجع المشكلة ليرى إن كان الحل مناسبا من ناحية و أنه الحل الأنسب من ناحية أخرى.

هذا السلوك الذي يؤدي إلى الفشل يظهر مراراً و تكراراً خلال مجموعة كبيرة و طيف عريض من المشكلات المشابهة. وهو سلوك يُظهره جميع الأفراد من جميع الأعمار بدءاً من طلبة المرحلة الابتدائية و وصولاً إلى طلبة الدكتوراه. 

/// جرب عزيزي القارئ تذكر فشلك في حل سؤال أو معاجلة موقف أو حل مشكلة حتى خارج حدود المدرسة ستجد نفسك قد مررت بنفس التصرفات في الغالب ///

ومن ناحية أخرى، فإن قائمة السلوك الذي يُظهره من استطاع الحصول على درجات عالية في (IQ) هي على الشكل الآتي:

 1) التركيز الانتقائي: وهو القدرة على التحكم بالمنبهات والتي تؤدي إلى التركيز الواعي.

2) التحليل المركز: وهو القدرة على استكشاف وتمحيص الحالات المعقدة حتى يتم تعريف كافة مكوناتها.

3) القياس: وهو القدرة على اختبار التشابه بين العلاقات المعروفة و العلاقات المحتملة للحل الجديد.

4) التريث في الإغلاق : وهو القدرة على تقييم جميع مكونات المشكلة المتاحة قبل وضع حل لها.

5) الرقابة التلقائية: وهي اختبار خفايا الحل قبل تأكيده.

 

مهارات التفكير الشمولية

من خلال قائمة سلوك النجاح هل نستطيع القول بأن هذه هي : المهارات الجوهرية؟

نعم فهذه القدرات موجودة في كل مكان وتعمل أينما أراد العقل أن يقوم بعمله بشكل جيد، و إن كلية الوجود لها في العمل الذهني يقود للتفكير على أنها شمولية ( لذلك سميت بمهارات التفكير الشمولية).

المهم هنا هو أن هذه المهارات الشمولية أساسية جداً وغير معقدة بشكل كبير بحيث لا يمكن إيجادها وتقويتها عند الأطفال في المراحل الأولى من التعلم، وهي أيضاً ليست تلقائية أو راسخة ويمكن أن نجدها عند الطلبة المرشحين لنيل درجة الدكتوراه، وبالتالي أصبح لدينا قائمة بمهارات التفكير التي تدعم المهام الأساسية للعقل وهي ( الاستقبال و الحفظ والاسترجاع).

إنها واحدة من استراتيجيات إدارة التفكير ومن يمتلكها هم المفكرون الجيدون الذين يمكنهم ممارسة بعض السيطرة الاستراتيجية على تفكيرهم وكثير من الأحيان لا يمكنهم تفسير تلك القدرات و كأنها مجرد إلهام أو فكرة خطرت لهم دون غيرهم . ولكن ما الذي يجعلها تتكرر لديهم ، ما الذي ينقلها من الحيز الضمني إلى الحيز الملموس؟  إنه استخراج هدف تعليم مهارات التفكير من الحالة الذهنية إلى حالة صريحة علنية ( بمعنى آخر : التفكير بصوت عالٍ)

على سبيل الختام و التوضيح

 

مخطط نهج دوري للتعليم في حالات الطوارئ

إذن نحن نحتاج للبدء بالاهتمام بتعليم مهارات التفكير الشمولية كواحدة من أهم الدروس في كل فصل تعليمي. والمشكلة الحقيقية تكمن في الطرق والأساليب التي يجب اتباعها لتعليم مهارات التفكير حتى نجعل من المتعلم ” متعلما ذاتيا” قادر على تحصيل تعلمه في أي ظرف كان، فيكون هذا النموذج واحد من سناريوهات “التأهب” لحالات الطوارئ. وهذا من شأنه أن يُسهل عملية “التكيف” بمجرد حدوث أي أزمة والتقليل من تأثيراتها السلبية إلى أدنى حد ممكن.

ويتكرر السؤال  بعد الانتقال إلى وضع “التعافي”  هل يستمر المدرس في القيام بالأعمال اليومية في النظام التقليدي الذي لا يتطرق إلى تعليم مهارات التفكير و  يركز على تعليم المحتوى التعليمي فقط؟ وعند المرور بأزمة أو حالة طارئة نفقد عندها السيطرة على تعليم المحتوى أو تحقيق أهداف التعلم؟

///بالتالي ليس من المنطقي بأي حال العودة إلى التعليم كسابق عهده فقد ثبت عدم كفايته ///

وقد أجاب المقال عن أهمية  العمل على استخراج هدف تعليم مهارات التفكير من الحالة الضمنية إلى جعله هدفاً صريحاً.

/// إنها فكرة لاستحداث نماذج تعلم جديدة تجعل النظام التعليمي أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات

و يمكن أن تصل إلى الجميع ///

بحيث نقوم بتعليم مهارات التفكير الشمولية في بداية كل فصل تعليمي وقبل سرد محتوى مادة الفصل ومن ثم توظيف تلك المهارات في سياق المحتوى. وهذا هو جانب التطبيق الذي سنتوسع به في المقال القادم بإذن الله.

 


المراجع

  • وكيبيديا الموسوعة الحرة – أثر جائحة فيروس كورونا على التعليم 2019-2020
  • محاضرات دورات التدريب حول (دليل المدرس الفكري إلى مهارات التفكير) – ترجمة وتدريب المدرب الأستاذ عاصم رمضان
  • The Thoughtful Teacher’s Guide to Thinking Skills , Gary A. Woditsch with  John Schmittroth‏
  • DEVELOPING AND ASSESSING THINKING SKILLS, by Robert Swart

  • https://blogs.worldbank.org/ar/education/managing-impact-covid-19-education-systems-around-world-how countries-are-preparing

البحث في Google:






كاتب المقال

أروى نادر بنيـان  
كتب ما مجموعه 28 مقالات اضغط هنا لقراءتها

مُدرسة علم أحياء و باحثة في التربية والتعليم،مشرف الفريق الوطني السوري لتصميم المناهج التفاعلية الإلكترونية سابقاً، عضو مُشارك و مُقرر في لجان تأليف المناهج الدراسية لمادة علم الأحياء في المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية.مُدوِنة في مجال التربية والتعليم مُتخصصة في التصميم التعليمي الإلكتروني و إستراتيجيات التعلم الحديثة.





2 تعليقان

  1. موضوع جدا مثير فيه كم من المعلومات المفيدة

  2. موضوع جميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *