مهارات القرن الحادي والعشرين في صفوف اللغة الثانية

باتت الآن مهارات القرن الحادي والعشرين الشّغل الشّاغل لكثير من أساتذة اللغة، وأصبحت حاجة ملحّة في صفوف تعليم اللغة كلغة ثانية، وهي عبارة عن مجموعة من المهارات التي تُسهم في إنجاح الأستاذ لعمليته التعليمية.

تُسمى هذه المهارات بالمهارات الشخصيّة، أو المهارات التطبيقيّة، أو المهارات الحياتيّة والوظيفيّة، أو المهارات غير المعرفيّة، ونظرًا لأنه يمكن تطوير هذه المهارات واستخدامها في مجالات أكاديمية متنوعة وفي جميع مراحل التعليم، يُشار إليها على أنها مهارات متعدّدة المناهج أو متعدّدة التخصّصات[1]، يحتاجها الطلبة اليوم للنجاح في حياتهم المهنية خلال عصر المعلومات.

تهدف هذه المهارات إلى مساعدة الطلبة على مواكبة الوتيرة السريعة للأسواق الحديثة، فكل مهارة هي فريدة من نوعها في كيفية مساعدة الطلبة على ذلك، وتتمثّل في ثلاث فئات وهي:

1- مهارات التعلّم والإبداع (المعايير الأربعة):

وهي أكثر مهارات القرن الحادي والعشرين شيوعًا، تشمل مهارات تعلّم الطلبة العمليات العقلية المطلوبة للتكيّف والتحسّن في بيئة العمل الحديثة، وتتضمّن هذه المهارات:

  • التفكير النّقدي (إيجاد حلول للمشاكل):

يشير التفكير النقدي إلى مجموعة واسعة من العمليات العقلية، كتحليل المعلومات والاستنتاج والاستدلال الاستقرائي والحكم أو التقييم وحل المشكلات[2]

يساعد التفكير النّقدي الطلبة على اكتشاف الأشياء بأنفسهم عندما لا يكون لديهم  أستاذ تحت تصرّفهم، فمن خلاله يقوم الطلبة بصياغة المعلومات، وتحليلها، وتوليفها من أجل استكشاف المشكلات والقضايا من وجهات نظرهم الخاصة والمختلفة ومن ثمّ اتخاذ القرار ووضع الحلول الأفضل لها.

  • الإبداع والابتكار (التفكير خارج الصندوق):

يوصف الإبداع بأنه مهارة معقدة ” يتجلى بعدة طرق مختلفة، وهذا أحد الأسباب التي تثبت صعوبة تعريفه [3]. إن الإبداع لا يقتصر على إنتاج الأعمال الفنية أو الموسيقية، ولكنه يعتبر حيويًا لمجالات الحياة المختلفة، على سبيل المثال التفكير العلمي أو ريادة الأعمال أو التفكير التصميمي أو الرياضيات. سيكون تعلّم اللغات الأجنبية بلا شك أكثر نجاحًا إذا دُمج الإبداع في العملية التعليمية وشُجّع الطلبة على التفكير خارج الصندوق[4].

تمكّن هذه المهارة الطلبة من رؤية المفاهيم من منظور مختلف مما يؤدي إلى جعلهم قادرين على الابتكار، إذ يصبح الطلبة منفتحون ومستجيبون لوجهات النظر الجديدة للآخرين، فيستخدمون اللغة بطرائق إبداعية ومبتكرة لتقديم مساهمات مفيدة من خلال تطوير أفكارهم وإيصالها للآخرين، والعمل على هذه الأفكار الإبداعية وتطويرها لتقديم مساهمة ملموسة ومفيدة في المجال الذي يحدث فيه الابتكار.

فعلى سبيل المثال، يمكننا للطلبة في المستوى المبتدىء أن ينجزوا نصائح مصوّرة لمنع الناس من التدخين في الأماكن العامة، أما في المستوى المتوسّط يمكننا جعل الطلبة يقومون بتأليف أغنية تحفّز الناس على عدم التدخين في الأماكن العامة، أما في المستوى المتقدّم فيمكن مطالبتهم بتصميم لعبة مميّزة (لعبة لوحية أو لعبة فيديو) تستكشف سيناريوهات بديلة متعددة لتعرّف الناس بأهمية ترك التدخين، أما في المستوى المتميّز فيمكننا جعل الطلبة يوجهون خطابا للناس لتوعيتهم بمضار التدخين.

  • التعاون (العمل مع الآخرين):

يعني التعاون عمل الطلبة معًا ضمن فريق واحد، والقيام بتنازلات للحصول على أفضل النتائج الممكنة لحل مشكلة ما. إن العنصر الأساسي للتعاون هو الاستعداد، فيجب على جميع الطلبة أن يكونوا مستعدين للتضحية بأجزاء من أفكارهم الخاصة وتبنّي أفكار أخرى لتحقيق نتائج لصالح المجموعة من خلال استخدام الطلبة لغتهم الأصيلة والمكتسبة للتعلّم من الثقافات، والتعبير عن أفكارهم بشكل واضح وفاعل من خلال التحدث والكتابة.

  • التواصل (التحدث مع الآخرين):

على الطلبة أن يتعلّموا كيفية نقل الأفكار والتعبير عنها بشكل فاعل بين مختلف فئات المجتمع. ولتحقيق هذا الأمر عليهم أن يكونوا قادرين على فهم وتفسير نص مسموع أو مكتوب، وتقديم المعلومات، والأفكار، والمفاهيم المذكورة فيه بطريقة مكتوبة أو شفوية، باستخدام مهارات الاتصال الشفوي والكتابي في مجموعة متنوعة من الأشكال والسياقات، ونقلها باستخدام وسائط مختلفة كالملصقات، والمدوّنات، والفيديو.

2- مهارات الثقافة الرقمية:

تتمثّل هذه المهارات فيما يلي:

  • المعرفة المعلوماتية:

وهي تعدّ المهارة التأسيسية إذ تساعد الطلبة على فهم الحقائق، والأرقام، والإحصاءات التي سيواجهونها عبر الإنترنت. فقد أصبح البحث عن الحقيقة عبر الإنترنت وظيفة بمفردها ومن المهم جدًا أن يتمكّن الطلبة من التمييز بين المفاهيم الصحيحة والمغلوطة بأنفسهم.

  • المعرفة التكنولوجية:

نظرًا لأن أجهزة الحاسوب، والبرمجة السّحابية، والأجهزة المحمولة أصبحت أكثر أهمية للعالم في الوقت الحالي، يحتاج العالم إلى المزيد من الأشخاص لفهم هذه المفاهيم، ويمكن للطلبة التكيّف مع هذا العالم بشكل أكثر فاعلية إذ يمكنهم لعب دور مهم في تطوّرها. ولتحقيق ذلك على الطلبة أن يكونوا قادرين على استخدام هذه التكنولوجيا كأداة بحثية للوصول للمعلومات، وتقييمها، ونقدها بكفاءة، واستخدامها بدقة وإبداع للقضية أو المشكلة المطروحة.

  • الثقافة الإعلامية:

إذ يحاول الطلبة من خلالها فهم كيفية بناء الرسائل الإعلامية، واستخدام الأدوات والخصائص لفهم الأساليب والطرائق التي تُنشرُ فيها المعلومات، ولفهم كيف تعكس وسائل الإعلام اللغة والثقافة وتأثيرها على المعتقدات والسلوكيات.

3- مهارات الحياة:

تُعرف هذه المهارات أيضًا باسم (FLIPS) [5] وتتعلّق جميعها بالحياة الشخصيّة لشخص ما، تهتمّ بالعناصر غير الملموسة في الحياة اليومية للطالب، فتركّز على الصفات الشخصية والمهنية الخاصة به، وتضمّ هذه المهارات خمس مهارات أساسية وهي:

  • المرونة والقدرة على التكيّف:

تعدّ هذه المهارة من أصعب المهارات التي يجب أن يتعلّمها الطلبة؛ لأنها تستند إلى فكرتين غير مريحتين للطالب هما: طريقتك ليست دائمًا أفضل طريقة، وعليك أن تعترف عندما تكون مخطئًا ويعدّ هذا صراع لكثير من الطلبة.

إنّ الطلبة كمتعلّمي لغة مرنين وقابلين للتكيّف، ومنفتحون، ومستعدّون لتحمّل المخاطر، وقبول غموض اللغة أثناء الموازنة بين التنوع والتكيف مع الأدوار والمسؤوليات المتنوعة. تتطلّب المرونة منهم إظهار التواضع وقبول أنه سيكون لديهم دائمًا الكثير لتعلمه – حتى عندما يكونون من ذوي الخبرة- فالمرونة أمر بالغ الأهمية لنجاح الطلبة على المدى الطويل في مهنة ما.

  • القيادة والمسؤولية:

يستفيد الطلبة كقادة مسؤولين من مهاراتهم اللّغوية لإلهام الآخرين ليكونوا منفتحين ومتفهمين داخل وخارج المجتمع المحلّي من خلال استخدام مهارات التعامل مع الآخرين، ومهارات حل المشكلات للتأثير على الآخرين وتوجيههم نحو الهدف، والاستفادة من نقاط القوة لدى الآخرين لتحقيق هدف مشترك، والتصرّف بمسؤولية مع مراعاة مصالح المجتمع الأكبر.

  • المبادرة والتوجيه الذّاتي:

يُحفَّز الطلبة كمتعلمين لتحديد أهدافهم الخاصة والتفكير في تقدمهم أثناء نموهم وتحسين كفاءتهم اللغوية والثقافية، وتجاوز المناهج الدراسيّة لاستكشاف وتوسيع التعلّم الفردي والفرص لاكتساب الخبرة، فيصبح الطلبة قادرين على تحديد المهام وترتيب أولوياتها وإنجازها دون إشراف مباشر من قبل أستاذهم.

  • الإنتاجيّة والمساءلة:

يتحمّل الطلبة كمتعلّمين وخاضعين للمساءلة مسؤولية تعلّمهم من خلال العمل النّشط لزيادة إتقانهم اللّغوي ومعرفتهم الثقافية، وإنجاز المطلوب منهم في فترة زمنيّة مناسبة.

  • المهارات الاجتماعية:

يفهم الطلاب بصفتهم متعلّمي لغة وجهات نظر ثقافية متنوعة ويستخدمون المهارات الاجتماعية واللغوية المناسبة من أجل العمل في سياقات ثقافية ولغوية متنوعة، والعمل بشكل مناسب ومنتج مع الآخرين، وهذا الأمر يجعلهم قادرين على تجسير الاختلافات الثقافية واستخدام وجهات نظر مختلفة لزيادة الابتكار وجودة العمل.

وعليه نجد أن لامتلاك مهارات القرن الحادي والعشرين أهمية كبيرة؛ فهي تجعل التعلّم أكثر متعة مما يزيد دافعية المعلّم نحو التعليم وكذلك المتعلّم نحو التعلم، بالإضافة إلى تسهيل الوصول إلى المعلومات، فضلًا عن التعاون والمشاركة اللّذين سيتحقّقان بين المعلّم والمتعلّم في العملية التعليمية، والإسهام في إعداد الطلبة للمستقبل.

يتطلّب تعليم اللغة وفق هذه المهارات إعداد الأستاذ إعدادًا جيّدا ليكون قادرا على تدريب وتمكين الطلبة من هذه المهارات ليصبحوا مواكبين للتطوّرات وفاعلين فيها في الوقت نفسه. ومن ناحية أخرى علينا العمل على تطوير المناهج التعليميّة لتمُزج فيها مهارات القرن الحادي والعشرين كمهارات التفكير والإبداع، ومهارات استخدام التكنولوجيا، ومهارات الحياة الوظيفية … إلخ، مما يجعل المناهج أكثر فاعلية وأكثر فائدة لمعلّمي ومتعلّمي المستقبل.

 

 


المراجع:

 

Great Schools Partnership (2016) “21st Century Skills.” https://www.edglossary.org/ 21st-century-skills/ [Accessed 24 January 2020]

Hurst, Nicolas, Carla Diogo, Catarina Abelha, Carolina Teixeira (2018) “English Language Teaching and 21st Century Skills. The Four Cs: Not a Soft Option.” [In:] The APPI eJournal; 35–40.

Maley, Alan (2015) “Overview: Creativity—the What, the Why and the How.” [In:] Alan Maley, Nik Peachy (eds.) Creativity in the English Language Classroom. London: British Council; P7.

Maley, Alan, Nik Peachy (eds.) (2015) Creativity in the English Language Classroom. London: British Council.

Ukata & Silas-Dikibo, The Trends Of Teaching And Learning 21st Century Skills By OTM Lecturers And Students For Employability Skills In Nigeria, International Journal of Innovative Social & Science Education Research 9(4):102-110, Oct.-Dec., 2021

الإحالات:

 

[1] Great Schools Partnership (2016) “21st Century Skills.” https://www.edglossary.org/ 21st-century-skills/ [Accessed 24 January 2020]

[2]  Lai, Emily R., Michaela Viering (2012) Assessing 21st Century Skills: Integrating Research Findings. Vancouver, B.C.: National Council on Measurement in Education.

[3] Maley, Alan (2015) “Overview: Creativity—the What, the Why and the How.” [In:] Alan Maley, Nik Peachy (eds.) Creativity in the English Language Classroom. London: British Council; P7.

[4] Maley, Alan, Nik Peachy (eds.) (2015) Creativity in the English Language Classroom. London: British Council. Hurst, Nicolas, Carla Diogo, Catarina Abelha, Carolina Teixeira (2018) “English Language Teaching and 21st Century Skills. The Four Cs: Not a Soft Option.” [In:] The APPI eJournal; 35–40.

[5] Ukata & Silas-Dikibo, The Trends Of Teaching And Learning 21st Century Skills By OTM Lecturers And Students For Employability Skills In Nigeria, International Journal of Innovative Social & Science Education Research 9(4):102-110, Oct.-Dec., 2021

البحث في Google:





عن نادية مصطفى العسَّاف

حاصلة على البكالوريوس في اللّغة العربيّة، والماجستير في تعليم اللّغة العربية للناطقين بغيرها في الجامعة الأردنية، الأردن. عملت في مركز اللّغات في الجامعة الأردنية كمحاضر غير متفرغ من عام 2009 حتى عام 2014 ، ثمّ أصبحت محاضرًا متفرغًا في عام 2015 حتى عام 2018، ثمّ أصبحتُ مدرّسًا في العام نفسه حتى الآن، بالإضافة إلى عملي كمساعد لمدير المركز لشؤون الاعتماد والجودة وكنت عضوًا في العديد من اللّجان على مستوى الجامعة والقسم، عملتُ أيضًا مع جامعة بوخوم الألمانيّة بالتعاون مع الجامعة الألمانية الأردنية في صيف 2013 و 2014.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.