التقنية في التعليم

التعليم بين المسارين العمومي و الخاص : الصعوبات و المغريات

تمهيد

أصبح رهان إنتاج المعرفة والتحكم فيها رهانا ملحا في ظل التنامي السريع لتيار العولمة    وهو ما دفع المدرسة للبحث عن أنساق جديدة لمواكبة هذه التطورات ومقاومة ما يفرضه الواقع من تحديات اقتصادية ومعرفية وثقافية.

وقد مثلت المدرسة العمومية مكسبا اجتماعيا وثقافيا هاما للمجتمع التونسي في فترة ما بعد الاستقلال أسهم في النهوض بالأمّة عبر تعميم التعليم بين مختلف الشرائح الاجتماعية وتوحيد البرامج ملاءمتها مع الحاجيات الوطنية بما يتناسب مع الأولويات السياسية خلال تلك الفترة.

إلا أنه مع تغيير الظرفية التاريخية وبروز معطيات عالمية جديدة وطرح تحديات اقتصادية وثقافية متزايدة، كان لابد من فتح مسارات جديدة لإنتاج معرفة مواكبة للواقع، ملائمة للنسق العالمي. هذا ما فتح مجالا لمسارات موازية لإنتاج المعرفي من خلال تجربة التعليم الخاص بما يقدمه من مغريات مقابل ما تواجهه المدرسة العموميّة من صعوبات وتحديات.

1- تحديات المدرسة العموميّة

في السنوات التي أعقبت الاستقلال، حظي نظام التعليم العمومي في تونس بإشادة الخبراء والمختصين وحتى الأولياء بجودة برامجه التعليمية. لكنها سرعان ما انهارت هذه الصورة وأصبحت مثقلة بالكثير من المشاكل حتى أن التشخيص الرسمي اعترف بأن المدارس العامة وصلت إلى أزمة شاملة على مستوى البنية التحتية وعلى المستوى التربوي والمعرفي مما أدى الى ضعف مردوديته التربوية مقارنة بالتعليم الخاص.

ورغم تعدد محاولات الإصلاح وتظافر المجهودات للنهوض بالقطاع التربوي عامة وبالمدارس العمومية خاصة، إلا أن جميعها قد فشلت في تجاوز هذه المشاكل والنقائص.

إذ تشهد المدرسة العمومية على مستوى البنية التحتيّة تدهورا ملحوظا في بنيتها الأساسية، فقد بني أغلبها في أواخر خمسينات وستينات القرن الماضي ولم يقع تعهد أغلبها بالصيانة منذ ذلك الحين. ورغم أنها ظاهرة تهم المدارس الريفية أكثر، فإن عديد المدارس حتى بالمدن الكبرى تشكو من نقص التغطية بالماء الصالح للشرب والكهرباء والطريق المعبد والسياج الكامل والمطاعم المدرسية والانترنت كل ذلك مثل عوامل منفرة من المدرسة العمومية.

إضافة إلى ظاهرة الاكتظاظ التي تعد سمة بارزة تميز المشهد بالمدارس العمومية فمعدل التلاميذ بالمدارس الابتدائية بلغ 477 تلميذا سنة 2014 بمعدل كثافة 27.7 بالمائة للأقسام، كما أنّ نسبة الانقطاع المدرسي لازالت تدعو للقلق إذ أنها لا تمثل ما ينص عليه القانون التوجيهي والدستور من إلزامية التعليم. إضافة إلى ضعف النتائج ومستوى التحصيل بالمدارس الابتدائية العمومية الذي يدفع بالأولياء نحو المدارس الخاصة. وذلك بعد أن باتت المدرسة الابتدائية العمومية منفرة بفضائها الحالي وبساحاتها وقاعاتها وأبوابها ونوافذها وبمعلقاتها البالية.

كل ذلك يرد في جانب هام منه إلى ما عرفته ميزانية وزارة التربية عموما والميزانية المخصصة للتعليم العمومي من تراجع ملحوظ ورصد جزئها الأكبر إلى نفقات الأجور والتصرف، ممّا أدى إلى ضعف الاستثمارات المباشرة في هذه المرحلة وتراجع الإنفاق على المدارس العمومية وبالتالي ترد متفاقم للبنية التحتية لعديد المدارس وهو ما تسبب في نفور أبنائها منها. فقد مثلت الميزانية المرصودة للتعليم الابتدائي ثلث ميزانية وزارة التربية لسنة 2013.

إضافة إلى مشاكل التمويل والإنفاق التي تشهدها المدارس العمومية فهي تشكو أيضا من غياب تكريس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص حيث لا تزال نسبة تغطية المدارس الابتدائية العمومية بالأقسام التحضيرية ضعيفة إذ ظلت دون 50 بالمائة حتى نهاية السنة الدراسية 2013/2014. مع وجود فجوة كبيرة بين واقع المدرسة العموميّة ومشروعها المبدئي الذي بقي نظريا، ممّا عمّق من أزمة المنظومة التربوية العموميّة. إضافة إلى ذلك فتلميذ المدرسة العمومية ضحية ضغط الزمن المدرسي الذي يفرض عليه نسقا يجعله في حالة توتر ويثقل كاهله بالواجبات المدرسية.

وكنتيجة لعدم مواكبة المدرسة الابتدائية العمومية للتغيرات المتسارعة والتحولات العميقة التي يشهدها المجتمع والعالم، فقدت المدرسة العمومية بريقها نتيجة تراجع ثقة الأولياء مقابل مغريات التعليم الخاص.

2- مغريات التعليم الخاص

خلافا للهنّات المنفّرة من المدرسة العمومية، تحظى المدرسة الخاصّة بعدة عوامل جاذبة، و ذلك يرتبط بدعم الدّولة للاستثمار في التّعليم الخاصّ الذي لم يقتصر على الارتفاع المتزايد لعدد الرخص الممنوحة وعلى عبارات الرضا التي ضمنتها وزارة التّربية في المخطط الاستراتيجي القطاعي التربوي 2016 – 2020 باعتبار أنّ تزايد الإقبال على هذا الصّنف من التّعليم يعود إلى “ملائمة الحياة المدرسية بهذه المؤسّسات لظروف ‏عيش العائلة في الوسط الحضري وإلى البحث عن تكوين جيّد للأبناء والتّمدرس المبكّر وكذلك توفّر آليات المتابعة والمرافقة والى ملائمة الزّمن المدرسي لهذه المؤسّسات للزّمن الاجتماعي وإيقاع الحياة” ، بل تجلّى هذا  الدّعم  أيضا في إجراءات ملموسة ساهمت في صناعة الطّفرة التي شهدها هذا القطاع خلال السّنوات الأخيرة بالخصوص[1].

من هذا المنطلق حرصت وزارة التربية على إشراك القطاع الخاصّ في المجهود الوطني للارتقاء بالخدمات التّربوية مع تحفيزه على إحداث مدارس ابتدائية وتمكّنه من حوافز خصوصيّة في الغرض[2]. حيث تقدّم الدولة حسب مقتضيات مجلة الاستثمار كل أنواع التّشجيع للمستثمرين الخواص على الانتصاب والاستثمار في القطاع لتوفير الخدمة التّربوية لكل من يرغب في الالتحاق بهذا النّوع من التعليم، ومنها تكفّلها بمنحة استثمار وبنسبة من الأجور المدفوعة الى المدرسين التّونسيين القارّين وبمساهمة الأجراء في النظام القانوني للضمان الاجتماعي بعنوان الأجور المدفوعة، إضافة إلى عديد الإعفاءات الجبائية والحوافز الضّريبية، وترك الحريّة كاملة لأصحاب المؤسّسات التّربوية الخاصّة في تحديد كلفة الدّراسة[3].

كما خصّ القانون التّوجيهي للتّربية والتّعليم المدرسي القطاع الخاص بعدّة فصول قانونيّة مرنة مثّلت عوامل جذب اذ سهّلت إمكانيات استقطاب المدارس الخاصّة للأولياء لتسجيل أبنائهم خاصّة وأنّها مكّنت تلاميذ المؤسّسات الخاصّة من العودة لاحقا ومواصلة تعليمهم بالمؤسّسات العمومية.

يخصّص عديد المستثمرين في قطاع التّعليم الخاصّ بالمرحلة الابتدائية استثمارات ضخمة لنفقات التّنمية والإنفاق على مقرّات مدارسهم الخاصّة ممّا جعل بنيتها التّحتية ملائمة وعصرية وجاذبة للأطفال. ويبرز ذلك من خلال المباني الفخمة واحتوائها على جميع المرافق من قاعات اختصاص وانترنت ومطاعم مدرسية وحتّى التّرفيهية والرياضية منها كالملاعب المعشبة وملاعب التّنس.

لذلك تحظى هذه المدارس بمؤشّرات جودة عالية لضعف الاكتظاظ وانخفاض عدد التّلاميذ بالقسم إذ عادة ما يكون ما بين 15 و20 تلميذا أي تقريبا نصف ما هو عليه في المدارس العمومية المكتظّة مما يعني أنّ ظروف الدّرس والتّركيز أحسن والوقت الذي يخصّصه المدرّس لكل تلميذ أكبر[4].

أمّا على المستوى النوعي فقد أصبح التّعليم الابتدائي الخاصّ يمثل مصعدا جديدا للتّفوّق والجودة يلبّي تطلّعات جميع الشّرائح، وهو ما يجعله نموذجا للاحتذاء لذلك يهاجر التّلاميذ من المدارس الحكومية الى نظيراتها الخاصّة بدعم وتشجيع من عائلاتهم. اذ يسعى عديد الأولياء إلى تسجيل منظوريهم في المدارس الخاصّة على أمل أن تقدّم لهم تأطيرا وتكوينا وتدريسا أفضل يؤهّلهم إلى مستقبل أكثر إشراقا وتنمية ثقافتهم وقدراتهم. فإضافة إلى اعتمادها برامج وزارة التّربية تضمن المدارس الخاصّة تكوينا جيدا في اللّغة الفرنسية والإنجليزية والمعارف الأوّلية في الإعلامية منذ الصغر. وتساهم في تكوين شخصيات متوازنة عبر أنشطة فنية وترفيهية في النّوادي المختصّة.

علما وأن هذه الإغراءات لم تقتصر على الفئات الميسورة، بل امتدّت لبعض الفئات المتوسّطة التي تعتبر مصاريف المدارس الخاصّة نوعا من الاستثمار في تعليم أبنائها وتدعيم قدراتهم التّنافسية التي تمكنهم من التفوق لاحقا[5].

إضافة إلى أنّ نسبة تغطية المدارس الابتدائية العمومية بالسّنوات التحضيرية تعدّ ضعيفة وهو ما يدفع بالأولياء الى الالتجاء للقطاع الخاص بكثافة للحصول على هذه الخدمة المتوفّرة برياض الأطفال والمدارس الخاصّة.

كما يعتبر القطاع الخاصّ المستفيد الأكبر من ضغط الزّمن المدرسي باعتبار أنه يغيّب التّمييز بين التّعلم والزّمن المقضي في المدرسة.

خاصة أنّ الظّروف الاقتصادية والاجتماعية للعائلة التّونسية تضطرهم إلى قضاء كامل اليوم في العمل خارج البيت، وبالتّالي غير قادرين على مراقبة أبنائهم ومتابعتهم خارج ساعات الدّروس والعطل المدرسية، مما يدفعهم للالتجاء الى مؤسسّات خاصة مؤهلة لتأمين الدّروس وتوفّر المطاعم المدرسية والنّقل المدرسي لتأخذ مكانهم في تربية أبنائهم والإحاطة بهم.

3 – سبل تجاوز الصعوبات وتحقيق التوازن

للحدّ من الهنّات التي تشوب النّظام التّربوي العمومي ومن أجل استرجاع المدرسة العمومية لجاذبيّتها ولثقة أبنائها فيها وحمايتهم من التّسرّب إلى القطاع الخاصّ لابد من القيام بعلاج جذري وذلك باتخاذ قرارات لتفعيل مشروع الإصلاح التربوي وذلك من خلال العمل على بناء منوال تربوي تونسي أصيل يبنى على مكاسب المدرسة التونسية ويأخذ بعين الاعتبار خصوصيّة المجتمع التونسي ويستفيد من الّتّجارب المقارنة الناجحة.

مع ضرورة الاستثمار في التعليم وتحسين ظروف الدراسة بالتّرفيع من ميزانية وزارة التربية والانتصار للمدرسة العمومية وضمان الحقّ في تعليم عمومي مجاني ديمقراطي موحّد والعناية بالفضاء المدرسي وتدعيمه بالتّوسيعات اللاّزمة من قاعات ومطاعم وقاعات مختصّة وتحسين الخدمات داخلها. أمّا على المستوى النوعي لا بد من تحسين جودة مكتسبات التلاميذ من خلال: مراجعة طريقة العمل بالمقاربة بالكفايات للنظر في ملاءمتها للواقع التربوي كاختيار رسمي. وتحسين جودة وأداء نظام التعليم في تونس على كافّة المستويات وضمان فاعلية ودعم جودة التعلّمات. ومواصلة الجهود لتعميم السّنوات التحضيرية. كما أنّه من المهم مراجعة البرامج الدّراسية والكتب المدرسية وطرق التدريس والوسائل التعليمية ومنظومة التقييم والتّكوين الأساسي والمستمر للمدرسين وطرق انتدابهم ودعم حرفيّتهم والمواكبة المستمرة للمتغيّرات العالميّة في مجالات المعرفة والتكوين والتأطير. وإثراء الحياة المدرسية بالاعتناء بالأنشطة الثّقافية والرياضية وترسيخ ثقافة المواطنة وحقوق الإنسان والوعي الصحي والبيئي عبر مراجعة الزّمن المدرسي مع وضع خطّة متكاملة وتنفيذها لاستكشاف الطّاقات والمواهب في المجال الثّقافي والفنّي والرياضي للعناية بها. وذلك عبر تكثيف إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتّصال في التّعليم عبر مضاعفة مجهودات تكوين المدرّسين وتعميم الربط بالأنترنت وتجديد أسطول الحواسيب دوريّا. مع تكريس مبدأ الإنصاف وتكافئ الفرص بوضع مرجعية للمؤهلات المستوجبة في التسيير الإداري والتصرف المالي والتّدخل البيداغوجي. كما يمكن أن يكون هناك تعاون بين المدارس الخاصة والعامة من خلال برامج تبادل أو تقديم خدمات تعليمية مشتركة، كما يمكن أن يستفيد النظام التعليمي من تبادل الأفكار والممارسات المتكاملة بين هذين القطاعين، و هو ما من شأنه أن يجعل هذه العلاقة إيجابية ومثمرة اذا تم تنظيمها بشكل جيد وفقا لأهداف تعزز جودة التعليم وتلبي احتياجات القطاع.

 

 


المراجع :

  1. هادي بوحوش ومنجي العكروت، تاريخ الإصلاحات التربويّة بالبلاد التونسيّة، الجزء الأول من القسم الثاني : محاولات وتجارب لتطوير المنظومة التعليميّة الزّيتونيّة، نشر في موقع المدونة البيداغوجية، سبتمبر 2014.
  2. علي المحجوبي، أثر فكر خير الدين باشا في الحركة الوطنية التونسية، نشر في “بيت الحكمة، خير الدين التونسي: وقائع الندوة التي انتظمت ببيت الحكمة يوم 4 ماي 2010، ص. 17.
  3. الهادي التيمومي، تونس 1956-1987، دار محمد علي للنشر، 2006، ص. 57.
  4. التعليم الخاص في تونس المفكرة القانونية ص 18.
  5. التقرير الوطني جول التربية للجميع في أفق 2015 ص80.
  6. التعليم الخاص في تونس، المفكرة القانونية.
  7. محمد رامي عبد المولى، التعليم الخاص يتغول في تونس، السفير العربي 23 ديسمبر2016.
  8. الهادي التيمومي تعليم الجهل
  9. Noureddine Sraieb, L’idéologie de l’école en Tunisie coloniale (1881-1945), Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée, Année 1993, p. 248.
  10. Mohamed Mzali, La parole de l’action. Conversation avec Xavière Ulysse, Publisud, 1984, p. 161

البحث في Google:





عن د. ليلى العبيدي

أستاذة اللغة و الآداب العربيّة، دكتوراه لسانيات نظريّة و تطبيقيّة عربيّة، كلية الآداب منوبة تونس - دار المعلمين العليا بتونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *