الرسم المزدوج

الرسم كمساحة للتعافي النفسي خلال الحرب

حين يصبح اللون مساحة للتنفس

المقدمة

في لحظات الحرب، حين يعم الصمت المقلق بين دوي الانفجارات ويضيق العالم حول الإنسان، تتحول الكلمات وحدها إلى أدوات غير كافية لحمل ثقل المشاعر. في هذه اللحظات العصيبة، يظهر الرسم كوسيلة للتعبير النفسي، يتيح للروح أن تتحدث عندما تعجز اللغة عن ذلك.
الرسم في أوقات الأزمات ليس مجرد نشاط إبداعي، بل هو أداة علاجية معترف بها عالميًا، تساعد الأطفال والبالغين على معالجة الصدمات، تنظيم مشاعرهم، واستعادة شعورهم بالسيطرة الداخلية (Malchiodi, 2012).

الحرب وتأثيرها على الجهاز النفسي والعصبي

الحرب لا تؤثر على الواقع الخارجي فحسب، بل تسكن داخل الإنسان. الدماغ عند مواجهة الخطر ينشط ما يعرف بـ نظام البقاء (Fight, Flight, Freeze)، ومع التكرار المستمر للصدمة يتحول هذا النظام الدفاعي إلى حالة دائمة من القلق، اضطرابات النوم، تشتت الانتباه، ونوبات الانسحاب أو الغضب.
الرسم يعمل كوسيلة لتهدئة الجهاز العصبي، إذ تساعد الحركة اليدوية المنظمة واختيار الألوان على إعادة تنظيم الإشارات العصبية، وخفض مستوى اليقظة المستمرة (Porgès, 2011).

دور الرسم في معالجة الصدمات

  • التفريغ العاطفي الآمن:
    الرسم يسمح بإخراج المشاعر المكبوتة دون الحاجة للشرح اللفظي، ويخلق مساحة أمان خاصة للأطفال الذين لا يمتلكون القدرة اللغوية للتعبير عن مشاعرهم (Koller, 2008).
  • تحويل المشاعر من الداخل إلى الخارج:
    الخطوط، المساحات، والألوان تصبح مرآة للمشاعر، فتحوّل التوتر الداخلي إلى عناصر بصرية قابلة للملاحظة والتحليل.
  • استعادة الإحساس بالسيطرة:
    اختيار اللون، شكل الخط، ومساحة اللوحة يمنح الشخص شعورًا بالتحكم الرمزي في بيئته الداخلية، وهو شعور غالبًا ما يفقده في بيئة الحرب (American Art Therapy Association, 2020).
  • تنظيم الجهاز العصبي:
    الرسم الهادئ يساعد على استعادة التنفس الطبيعي، خفض التوتر العضلي، وتخفيف استجابة اليقظة المستمرة (Porgès, 2011).

مقابلة مع الأستاذ غانم الدن

في هذا السياق، أجريت مقابلة مع الأستاذ غانم الدن، وهو مختص في التربية الفنية والعلاج بالفن، للحديث حول البعد النفسي للرسم ودلالات الألوان في مراحل الأزمات. تحدّث الأستاذ غانم بصوتٍ هادئ يشبه ضوءًا خافتًا ينير مساحة داخليّة مرهقة، وقال:
“إنّ الفن ليس نشاطًا ترفيهيًا نمارسه في لحظات الصفاء، بل هو لغة إنسانية تُولد غالبًا في لحظات العتمة. فحين يفقد الإنسان القدرة على القول، يبدأ اللون بالكلام. وفي البيئات المثقلة بالخوف والتهجير والصدمة، يصبح الرسم مساحة آمنة لإعادة تشكيل الفوضى الداخلية في صورة يمكن النظر إليها، وضبطها، ومواجهتها.”
ثم أوضح أنّ اختيار الألوان ليس أمرًا اعتباطيًا كما يبدو، بل هو انعكاس مباشر للحالة الشعورية، وأن الطفل غالبًا لا يُصرّح بألمه مباشرة، لكنه يتركه يتسرّب عبر الخطوط والظلال ومساحة اللون، مضيفًا:
“إذا رسم الطفل بيتًا بلا نوافذ، فهذا قد يعني شعورًا بالعزلة أو فقدان الأمان. وإذا اختار الأسود أو الرمادي بكثافة، فهذا يُشير غالبًا إلى مشاعر الخوف أو الثِقل العاطفي. أما عندما يبدأ اللون الأخضر أو الأزرق بالعودة تدريجيًا إلى رسوماته، فهذا ليس مجرد تغيير لوني، بل مؤشر على بدء تَنفُّسٍ نفسيّ جديد، واستعادة قدرة الروح على إعادة الاتصال بالعالم.”
وأشار الأستاذ غانم إلى أن دور المعالج أو الميسّر هنا ليس تفسير الرسومات بشكل مباشر أو إصدار أحكام جاهزة، بل توفير إطار آمن للحوار، وقال:
“اللون لا يُفسَّر وحده، بل يُفهم داخل سياقه؛ سياق التجربة، والذاكرة، واللغة الشخصية للطفل. نحن لا نُعلّم الطفل كيف يرسم، بل نساعده على أن يقول ما لا يستطيع قوله بالكلمات.”

تحليل حديث الأستاذ غانم الدن

إن ما طرحه الأستاذ غانم الدن – بوصفه فنانًا تشكيليًا وباحثًا في العلاج بالفن – ينسجم مع ما تؤكده الأدبيات النفسية المعاصرة حول الطاقة الرمزية للون والشكل. فالرسم في لحظات الصدمة لا يعمل بصفته نشاطًا جماليًا فحسب، بل بوصفه صيغة تواصلية بديلة تتجاوز اللغة المنطوقة التي قد يعجز الفرد عن استخدامها نتيجة الخوف أو الصدمة أو ضيق التعبير. وهنا يصبح اللون حاملًا للمعنى، والصورة مرآةً داخلية تنقل ما لا تستطيع الجملة أن تقوله.
يقوم العلاج بالفن على فرضية أساسية مفادها أن المشاعر العميقة تسكن الجسد قبل أن تصل إلى الوعي، وأن التعبير البصري يتيح لها أن تجد طريقًا تدريجيًا نحو السطح، دون صدام مباشر أو إفصاح قهري. فحين يرسم الطفل بيئة آمنة، أو خطوطًا واضحة ومستقرة، أو يستخدم مساحات لونية دافئة، فإنه بذلك لا “يصف” الواقع الخارجي فقط، بل يعيد تنظيم عالمه الداخلي ويمنح نفسه فرصة لاستعادة السيطرة على ما يشعر أنه فقده.
ومن هذا المنطلق، يصبح دور الميسّر أو المعالج ليس تفسير الرسم تفسيرًا لحظيًا، بل متابعة تطور الدلالة عبر الزمن: كيف يتغير شكل البيت في الرسم؟ كيف تتبدل الظلال؟ كيف يخف حضور الأسود أو يزداد الأزرق؟ هذه التحولات، وإن بدت بسيطة، هي مؤشرات على حركة الشفاء الداخلي: ليست قفزة فجائية، بل مسار دقيق يتنفس ببطء، مثل عودة الضوء بعد انقطاع طويل.
إن حديث الأستاذ غانم هنا يذكرنا بأن الفن لا يقدّم علاجًا سريعًا، ولا “يمحو” الصدمة، بل يمنح الإنسان طريقة إنسانية لحملها، بطريقة ألين، أبطأ، وأكثر قدرة على الاستمرار.

دلالات الألوان في العلاج النفسي عبر الرسم

مقدمة نظرية

الألوان في العلاج النفسي بالفن ليست مجرد عناصر جمالية، بل أدوات للتعبير عن المشاعر العميقة، وتعمل كـ “حاويات نفسية” تسمح بالتعبير عن العواطف المكبوتة بأمان (Malchiodi, 2012). اختيار اللون ومساحته وكثافة استخدامه يعكس الحالة النفسية الداخلية، ويمنح الميسّر القدرة على متابعة تطور المشاعر دون الضغط على الفرد.

جدول دلالات الألوان

اللون الدلالة العامة دلالته في الصدمة كيفية استخدامه في الجلسة
الأزرق هدوء، أمان يقلل القلق مساحات واسعة، خطوط مهدئة
الأخضر توازن، نمو يعيد الشعور بالثبات دمجه تدريجيًا بعد الألوان الداكنة
الاصفر تفاؤل، دفء يعزز الحيوية إضفاء عناصر إيجابية صغيرة
الأحمر قوة، غصب تفريغ الانفعالات المكبوتة خطوط محددة ومكثفة بحذر
الأسود عمق، حزن يعكس الضغط النفسي يسمح باستخدامه في البداية، مع تشجيع التحول للألوان الفاتحة
الرمادي تعب، ضبابية التعبير عن الإرهاق ضمن السياق العام للوحة
البنفسجي عمق، خيال تعزيز التعبير الإبداعي دمجه مع ألوان أخرى لتوضيح التعقيد النفسي


تحليل استخدام الألوان

تأثير اللون يعتمد على مساحة استخدامه، كثافة الضغط، وتتابعه في اللوحة. فمثلاً:
الأزرق الواسع يخلق هدوءًا، بينما الأزرق المتقطع يعكس اضطرابًا داخليًا.
الأحمر المكثف يعبّر عن غضب أو طاقة مكبوتة، بينما الأحمر المخفف مع الأصفر يرمز للحيوية.
الأخضر والأزرق معًا يشيران إلى استقرار نفسي وعودة شعور الأمان.

الخاتمة

الرسم خلال الحرب هو منفذ للروح وكلمة غير منطوقة. لا يزيل الألم، لكنه يتيح للإنسان أن يحمل تجربته بطريقة أقل قسوة. الألوان تصبح لغة تعكس ما لا تستطيع الكلمات نقله، واللوحة تتحول إلى مساحة حاوية تنظم المشاعر، وتتيح للروح استعادة صوتها الداخلي.
هكذا، يصبح الرسم أكثر من نشاط إبداعي؛ إنه أداة بقاء نفسي، جسر نحو الذات، وطريقة إنسانية للتعافي وسط أوقات الحرب.

المراجع

American Art Therapy Association. (2020). About art therapy. https://arttherapy.org
Kaya, N., & Epps, H. H. (2004). Color-emotion associations. Journal of Psychology, 138(4), 421–434.
Koller, D. (2008). Therapeutic play. Child Life Council.
Malchiodi, C. A. (2012). Handbook of art therapy (2nd ed.). Guilford Press.
Porgès, S. (2011). The Polyvagal Theory. W.W. Norton.
van der Kolk, B. (2014). The body keeps the score. Viking.

البحث في Google:





عن سحر معين درويش

معلمة صف للمرحلة الأساسية، مقدمة لخدمات الدعم النفسي الاجتماعي، ماجستير مناهج وطرق تدريس

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading