التدوير الوظيفي

بين استقامة الاتجاه وإدارة الفجوة

كثير من الانحرافات في العمل، وفي القرار، وفي التفكير، لا تنشأ من سوء نية ولا من ضعف جهد، بل من خلل في ضبط العلاقة بين الهدف والقدرة.

فالطاقة قد تكون صادقة، والاندفاع حقيقيًا، لكن الاتجاه غير منضبط، أو الفجوة غير معترف بها.

من هنا تظهر الحاجة إلى قاعدة لا تُثقل على الإنسان حتى ينقطع، ولا تُخفف عنه حتى يتفلّت؛ قاعدة تُبقي الهدف ثابتًا، وتُنظم السير نحوه. وهذه القاعدة لا تعمل إلا إذا فُهمت داخل مفهومين حاكمين: استقامة الاتجاه، وإدارة الفجوة.

أولًا: استقامة الاتجاه

الاتجاه هو ما يسبق الحركة، ويضبطها، ويُقاس العمل عليه لا العكس. فالحركة الكثيفة لا تُغني شيئًا إن كانت في مسار مختلّ، بل قد تُضاعف الخطأ بدل أن تُصلحه.

استقامة الاتجاه تعني:

  • أن يكون الهدف مُعرّفًا تعريفًا صريحًا.
  • وأن تُفصل الرغبة عن القدرة.
  • وألا يُستعاض عن توصيف الواقع بعبارات مطمئنة.

وأخطر ما يهدد استقامة الاتجاه هو الإجابة الأخلاقية عن سؤال بنيوي؛ حين يُسأل عن القدرة، أو المعرفة، أو البنية، فيُجاب بالنية، أو الإخلاص، أو حسن الظن.

فيُقال مثلًا:

  • عن فجوة معرفية: الناس مخلصون وفيهم الخير.
  • عن فجوة تقنية: الفريق متحمس وسيتعلم.
  • عن فجوة نموذجية: لدينا تاريخ من النجاحات.

هذه الإجابات ليست خاطئة في ذاتها، لكنها لا تصف الواقع، بل تُسكّن القلق. وحين يُسكَّن القلق بدل أن تُسمّى الفجوة، يختل الاتجاه من حيث لا يشعر صاحبه.

ثانيًا: إدارة الفجوة

إذا استقام الاتجاه، ظهرت الفجوة تلقائيًا. الفجوة ليست خللًا، بل حقيقة ملازمة لكل انتقال جاد بين حالتين. الإشكال ليس في وجودها، بل في طريقة التعامل معها.

إدارة الفجوة لا تعني:

  • إنكارها.
  • ولا القفز فوقها.
  • ولا إعادة تعريف الهدف ليتناسب معها.

بل تعني تنظيم الحركة داخلها دون كسر الاتجاه.

من يُدرك أن التحول الذي يريده يتطلب أدوات غير متوفرة، ثم يبدأ بنواة صغيرة، أو شراكة، أو استقطاب محدود—فهو يُدير الفجوة.

أما من يُخفّف تعريف التحول نفسه ليصبح ممكنًا بالموارد الحالية، فقد غيّر الهدف لا الوسيلة.

ثالثًا: الفرق الجوهري بين المقاربة والتفلت

وهنا يقع الالتباس الذي تُساء فيه قراءة كثير من العبارات العميقة.

المقاربة:

  • تُبقي الهدف كما هو.
  • وتُغيّر السرعة أو الوسيلة.
  • وتتعامل مع النقص بوصفه مرحلة.

التفلت:

  • يُغيّر الهدف.
  • ثم يُسمّي هذا التغيير واقعية، أو مرونة، أو فهمًا للظروف.

المقاربة تقول: الطريق صحيح، لكننا نسير عليه ببطء.

أما التفلت فيقول: الطريق صعب… فلنغيّر الطريق، ثم نطمئن أنفسنا أننا ما زلنا عقلانيين.

رابعًا: موضع القاعدة النبوية

في هذا السياق تتضح العبارة النبوية التي جاءت لضبط هذا التوازن الدقيق، لا لتخفيفه ولا لتشديده. فقد ورد في الحديث الصحيح:

«إن هذا الدين يسر، ولن يُشادّ الدين أحد إلا غلبه،

فَسَدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا…»

(رواه صحيح البخاري).

ليست العبارة هنا تفسيرًا لليسر، بل حماية له من الانقلاب إلى تفلت.

فالسداد جاء أولًا ليضبط الاتجاه، ثم جاءت المقاربة لتُنظم السير، لا لتُعيد تعريف الغاية.

خامسًا: أين تبدأ إساءة الاستخدام؟

تبدأ إساءة استخدام هذه القاعدة حين تُستدعى المقاربة قبل السداد؛ أي حين يُخفّف التنفيذ قبل أن يُضبط الاتجاه.

فتتحول العبارة من ميزان دقيق إلى غطاء لغوي:

  • لتخفيف المعايير بدل إدارة الفجوة.
  • أو لتسكين القلق بعد قرار غير منضبط.
  • أو لتحميل الواقع ما لا يحتمل ثم تسميته اجتهادًا.

وفي هذه الحالة، لا تكون المقاربة انتقالًا مرحليًا، بل إعادة تعريف خفية للهدف.

خاتمة

«سددوا وقاربوا» ليست شعار تهدئة، ولا فلسفة تساهل، ولا دعوة للعمل المرتجل.

إنما هي قاعدة تضبط المسافة بين المثالية القاتلة والواقعية المزيّفة.

فالسداد يحفظ الاتجاه،

والمقاربة تنظّم السير،

وأي استعمال للمقاربة دون سداد ليس حكمة… بل انحراف مُلطّف.

وحين تُفهم العبارة داخل هذه البنية، تستعيد وظيفتها الأصلية:

ميزانًا يمنع الغلوّ كما يمنع التفلت،

لا عبارة تُستدعى لتبرير أي مسار.

البحث في Google:





عن د.أيمن أصلان

رئيس تنفيذي، مدير تنفيذي سابق لمركز صناعة القيادات، مدير إدارة إستراتيجية سابق، خبير نمذجة تنموية في الوعي الإنساني وتصميم النماذج المعرفية.

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading