وسائل التواصل الاجتماعي ليست ماء

يقول المثل ” الوقت من ذهب ” كل شخص عنده الوقت ـ هذه البضاعة الثمينة ـ وبحسب استفادتك من هذه الساعات والدقائق وتسعى فيها، تحصل على الفائدة سواء كانت معنوية كالنجاح بالنسبة للطلاب، أو مادية كالأموال (الذهب) بالنسبة للتجار أو الموظفين. فعلى قدر استفادتك من الوقت الذي تملكه تكون النتيجة، يقول الله سبحانه وتعالى :”  وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ” ]  سورة النجم 39 [. والآن لنرجع إلى واقعنا المعاش، كم شخصا يسعى؟ سواء صغارا أم كبارا ! لقد ارتبط الكثير من الناس بالأجهزة الذكية، لِما تقدمه من مساحة تعارف  واسعة النطاق، فالإنسان اجتماعي بطبعه، فصارت متابعة مواقع التواصل الاجتماعي شغلهم الشاغل،  وصار الشخص أسيرًا لهذا الجهاز الصغير لا يكاد ينفك منه، فنرى الأجهزة ترتفع عند الذهاب للمطعم أو رحلة ترفيهية أو زيارة…. حتى في السيارة نرى الهواتف ترتفع لالتقاط الصور وتسجيل اللحظات. جميل أن نسجل الذكريات و نخلدها بصورة باقية، لكن هل هذا الهدف من التصوير؟ أغلب الناس صاروا مصورين ينشدون رؤية العالم لهم: ماذا يفعلون؟ وكيف يعيشون؟ وماذا لديهم؟ فيتفننون في عرض مقتنياتهم وبيوتهم وأطفالهم ورحلاتهم، وفي المقابل يريدون أن يروا الطرف الآخر وما هم عليه أيضًا، فذلك يغذي روح الفضول لديهم، جميل أن نتعرف على أذواق مختلفة وتجارب متنوعة، وأشخاص جديدة، ولكن للأسف هذه الحياة التي يتم عرضها مصطنعة تتسم بالمثالية المزيفة كأنها إعلانات ترويجية بل هي كذلك بالفعل.

ألا ترون أننا أصبحنا نرى العالم من خلف شاشات الهواتف؟ لقد أنطفأت حواسنا ووُئدت مشاعرنا، لانرى المناظر الخلابة ولا ألوان الطبيعة الحقيقية، لا نسمع تغريدات العصافير ولا خرير الماء، لا نشم رائحة الشواء، ولا نستنشق عبق الأزهار وأريجها، لا نلمس الأحجار ولا نفرك الرمال بين أصابعنا، لا نفرح بسقوط المطر ولا يأسرنا رؤية غائب، لا نسعد بلقاء الأصحاب ولا نشتاق لجمعة الأهل، فمن خلف الشاشة المسطحة كل شيء ناعم كملمس الشاشة الزجاجية، فلا نفرق بين السهل والجبل، بين البرد والحر، بين الضحل والعميق، ولا نستشعر صدق المشاعر، ولا نعرف معنى الابتسامات ولا حرارة العلاقات، وتبادل الحوارات، تبلور كل ذلك في تعليق بكلمة أو أيقونة أو إشارة إعجاب أو حظر… انتقلت حياتنا من العالم الحقيقي إلى العالم الافتراضي ( الوهمي ). فهل الإنجاز في رأيك آلاف من المتابعين على صفحتك؟ وكم تدوم فرحتك عندما تحصد الإعجاب بمحتواك أو الصورة التي تنشرها؟ ومَن مِن هؤلاء سيقف بجانبك وقت الحاجة؟ تساؤلات وتساؤلات نعرض عن سبر أغوارها ونشيح بوجوهنا عن هذه الأرضية المصقولة المنمقة؛ حتى لا نصطدم بالحقائق التي نتجنبها عندما نلج هذا العالم، وبالرغم من بريق هذه المواقع إلا أنها لا تخلو من الصدأ والخلل، فقد يكون مصدرًا في إثارة الفتن وإشعال فتيل العنصرية، ونشر الشائعات الكاذبة والأخبار السيئة، ومتنفس لأصحاب النفوس المريضة لممارسة التنمر والسرقات…. فقد تستهدف التسلية وقتل وقتك، لكنك تجد نفسك تسبح في بحيرة الإحباط وخيبة الأمل.

لقد تقلص عالمنا في صور، وهذه الصور التي تطير عبر فضاء الإنترنت جعلت  شركات مواقع التواصل الاجتماعي تتفنن  في عروضها، فبعض المواقع تقدم أشكال متنوعة من منقحات الصور ( فلاتر )، وأخرى تقدم خلفيات، واستبانات رأي الجمهور…. أصبحت المحتويات التي تقدم ويتابعها المليارات من الناس في كافة أقطار الكرة الأرضية لا هدف لها إلا تحقيق الشهرة وإرضاء الناس والجماهير. في القديم كانت الجماهير تهتف بأسماء اللاعبين أو المشاهير من الفنانين، أما الآن فكل شخص حاضر في هذه الحسابات يتم تقديره ويهتفون له وتفرش له السجادة الحمراء عند استقباله، وللأسف معظم هؤلاء يقدمون موضوعات سطحية وتافهة بأسلوب مبتذل، ومثل هذه الحسابات تتفاقم بشكل كبير، ولا غرو أنها تؤثر على المتابعين وتشكل شخصيتهم فتتقهقر القيم المثلى، وتتراجع الأخلاق، وتتدنى السلوكيات، ويتردى الذوق، وبين هذا التشوه الفكري والثقافي والاجتماعي نتجت هوية غير التي تنشدها المجتمعات كل المجتمعات ليست الإسلامية فحسب، لقد اهتزت الانتماءات وصارت الهوية هجينة مشوبة بباقة من السطحية والشكليات التي لا طائل منها.

وبالرغم من أن الكثيرمن الناس يرفض هذه الحسابات و ينتقدها، لكنهم  يقعون في شَرك متابعتها ، فقد تكون أنتَ شخصًا حريصًا على وقتك الثمين، ولك أهداف سامية تريد أن تحققها في حياتك، لكنك تجد نفسك مكبلا، تفتح جهازك لمتابعة حساب يناسب اهتماماتك، فتجد نفسك قد قضيت ساعات وساعات تتصفح حسابات أخرى، وبالتالي يُهدر وقتك في سلسلة من التفاهات والإعلانات والروابط التي تحيلك من موقع إلى آخر، فتشتت فكرك وتمنع تحقق طموحاتك، ولم تستفد شيئًا من يومك…. وهكذا تمر الأيام والشهور دون جدوى، وبالتالي تخسر وقتك. وإذا كان الوقت ذهبًا كما يقال في الأمثال، فإن الوقت في ديننا الإسلامي هو حياتنا، وحياتنا أرقى من أن نربطها بهذه المواقع التي لا تضيف قيمة لنا، بل أصبحت وسيلة غزو الأفكار الغريبة التي تشن هجومًا على المبادئ والقيم والعقيدة واللغة، لذا علينا أن نستغني عنها فهي ليست حاجة أساسية كالماء والطعام، نعم الكل يريد الاستغناء عن إدمان مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ليس الأمر سهلا، ولعلها مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الفرد والمجتمع تتمثل في حملة توعية عن مخاطر متابعة مثل هذه الحسابات، وتكثيف نشر الحسابات الهادفة.

البحث في Google:





عن عبد الرحمن أسامة عبيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *