مقدمة عامة وتأطير استراتيجي :
يواجه النظام التعليمي الفلسطيني تحديات وجودية وهيكلية غير مسبوقة في تاريخه، حيث يقع في تقاطع معقد بين متطلبات التنمية والتحرر، وبين وطأة الدمار الممنهج الناجم عن سياسات الاحتلال والنزاعات المسلحة المستمرة. حرب الإبادة الجماعية التي تعرض لها قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر عام 2023م لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل شكلت حالة “إبادة تعليمية” مكتملة الأركان استهدفت محو البنية التحتية، وتصفية الكوادر البشرية، وتجهيل جيل كامل من الأطفال والشباب.
وفي هذا الوضع الكارثي، يتجاوز التعليم كونه مجرد قطاع خدمي تقليدي، ليبرز في الفكر الحقوقي والسياساتي كـ “حق تمكيني” وهو المفهوم المحوري في منظومة حقوق الإنسان الدولية الذي يشير إلى أن نيل كافة الحقوق المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية الأخرى مشروط بالضرورة بضمان التمتع بالحق في التعليم وتحصينه. فالتعليم هو الأداة الحيوية التي تمنح الأفراد والمجتمعات القدرة على انتزاع حقوقهم، وتأمين حمايتهم، والحفاظ على هويتهم الوطنية والنسيج الاجتماعي من الاندثار في أوقات التهديدات الوجودية.
ومن هذا المنطلق، شهدت أدبيات “التعليم في ظل الطوارئ” (Education in Emergencies – EiE) تحولاً إبستمولوجياً بارزاً؛ فلم يعد التعليم يُنظر إليه كاستجابة إغاثية إنسانية مؤقتة أو ثانوية تأتي في مرحلة متأخرة بعد توفير الغذاء والمأوى، بل بات يُصنّف كجزء بنيوي أصيل لا يتجزأ من التخطيط التربوي الحديث والحوكمة الرشيدة للأزمات. إن دمج خطط الطوارئ في صلب السياسات التربوية يضمن توفير بيئات تعلم آمنة ومستدامة وقادرة على التكيف مع الصدمات الحادة، مما يعزز مناعة المنظومة التعليمية وقدرتها على البقاء وإعادة البناء المادي والمعرفي.
بناءً على هذا التأطير الاستراتيجي، تأتي هذه الدراسة لتقديم تحليل بنيوي معمق لواقع التعليم الفلسطيني في ظل الطوارئ الحادة، مستندة إلى وثيقة استراتيجية تطوير التعليم في فلسطين (2025-2027) الصادرة عن وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية…
منهجية الدراسة: تُعد هذه الورقة دراسة تحليلية سياساتية تعتمد بشكل رئيس على المنهج الوصفي التحليلي، وأسلوب المراجعة المكتبية الفاحصة، والنقد البنيوي للوثائق الرسمية والاستراتيجيات الوطنية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية (لاسيما استراتيجية 2025-2027م). ويتكامل هذا التحليل مع قراءة استقرائية للتقارير الميدانية الحية، والبيانات الإحصائية الصادرة عن الجهات الأممية والمحلية الفاعلة في الميدان حتى عام 2026م؛ وذلك لتفكيك أبعاد الأزمة الراهنة واستشراف مسارات عملية لإعادة بناء المنظومة التربوية في بيئات النزاع الحاد.
أولاً: تحليل الواقع التربوي والديمغرافي والسياسي المعاصر (2024-2026)
يتأثر قطاع التعليم الفلسطيني بسياقات مركبة تلقي بظلالها على قدرات النظام التعليمي على البقاء والتطور . تشير التقديرات السكانية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى نمو ديمغرافي مستمر ، حيث ارتفع إجمالي عدد السكان من 5.6 مليون نسمة في عام 2024 م، ويتوقع أن يصل إلى 6.3 مليون نسمة بحلول عام 2029 م . يمثل الأطفال دون سن الثامنة عشرة حوالي 44% من إجمالي السكان في فلسطين (بواقع 41% في الضفة الغربية و47% في قطاع غزة ) ، مما يضع عبئاً ديموغرافياً كبيراً على البنية التحتية التعليمية التي تعاني أصلاُ من الهشاشة والعجز المتراكم
مؤشر الكثافة والضغط الديمغرافي : بلغ عدد الطلاب في قطاع غزة عشية الحرب حوالي 625.000 طالب وطالبة يشرف عليهم ما يزيد عن 23.000 معلم ومعلمة ، يتوزعون على 803 مدارس . ويبلغ معدل عدد الطلبة لكل شعبة صفية في المدارس الحكومية بغزة 38.7 طالباً مقاربة 26.4 طالباً في الضفة الغربية ، مما يعكس الفجوة الكبيرة في الموارد والبيئة التعليمية المتاحة قبل الكارثة الحالية
من الناحية الاقتصادية، يتسم الواقع الفلسطيني بالانكماش الحاد والأزمات المالية العميقة الناجمة عن الحصار وقرصنة أموال المقاصة الفلسطينية من قبل سلطات الاحتلال. وقد انخفض نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في عام 2023م بنسبة 12% على مستوى الوطن، in حين سجل تراجعاً كارثياً في قطاع غزة بنسبة 28% لنفس العام، حيث بات نصيب الفرد من الدخل في غزة يعادل خمس مثيله في الضفة الغربية. وتنعكس هذه الأرقام مباشرة على قدرة الأسر على تلبية الاحتياجات التعليمية الأساسية لأطفالها، كما تزيد من معدلات البطالة بين أرباب الأسر (خاصة الأسر التي ترأسها إناث، حيث بلغت البطالة بينهن 66.7% في غزة)، مما يولد ضغوطاً نفسية واقتصادية هائلة على المتعلمين.
أما على الصعيد السياسي والمؤسسي، فإن التقسيمات الجغرافية الناتجة عن الاتفاقيات السياسية (مناطق أ، ب، ج) والجدار العنصري في الضفة الغربية، وإعادة الاحتلال البري لقطاع غزة، خلقت بيئات تعليمية معزولة ومعرضة للتهديد المستمر. تشكل المناطق المصنفة “ج” والمناطق المهمشة حوالي 64% من مساحة الضفة الغربية، حيث يمنع الاحتلال بنية التعليم من التوسع والترميم عبر رفض منح تراخيص البناء، فضلاً عن إخطارات الهدم المستمرة التي تطال ما يزيد عن 60 مدرسة (مثل مدارس التحدي).
ثانياً: تدمير المنظومة التعليمية ومفهوم الإبادة التعليمية (Scholacide)
دخل النظام التعليمي في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023م في حالة طوارئ إنسانية وتدميرية غير مسبوقة تاريخياً، حيث تجاوزت الانتهاكات حدود العمليات العسكرية التقليدية لتتحول إلى “محو ممنهج للتعليم” أو ما يُعرف بالتحليل الأكاديمي بـ الإبادة التعليمية (Scholacide). ولم يستثنِ الاستهداف أي مرفق تعليمي، سواء كان حكومياً، أو تابعاً لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، أو تابعاً للقطاع الخاص والأهلي.
وتشير البيانات الرسمية المحدثة حتى منتصف عام 2025م إلى حجم الكارثة الإنسانية والتربوية على النحو التالي:
| المؤشر التربوي / البشري | حجم الخسائر والأضرار في قطاع غزة | الأثر الإستراتيجي والتربوي |
| الشهداء من الطلبة والكوادر | 16,019 طالباً وطالبة / 703 معلمين وإداريين | فقدان رأس المال البشري وصدمات نفسية جماعية ممتدة |
| تدمير المباني المدرسية | 93.5% من المباني تضررت كلياً أو جزئياً (139 كلي، 359 جزئي) | خروج المنظومة النظامية الوجاهية عن الخدمة بالكامل |
| الحرمان من الامتحانات الرسمية | 39,000 طالب ثانوية عامة حُرِموا لعامين متتاليين | انسداد أفق التخرج والانتقال للتعليم العالي لجيل كامل |
| الانقطاع العام عن الدراسة | أكثر من 625,000 متعلم حُرموا من حقهم التعليمي | تراكم الفاقد التعليمي وزيادة مخاطر التسرب الدائم وعمالة الأطفال |
إن تدمير البنية التحتية التعليمية لم يقف عند حدود المباني، بل طال مستودعات اللوازم والكتب، ومراكز تدريب المعلمين، ومباني المديريات، مما تسبب في شلل تام في الإدارة التربوية الميدانية. علاوة على ذلك، تحولت المدارس المتبقية أو أجزاؤها الصالحة إلى مراكز إيواء مكتظة بمئات الآلاف من النازحين الذين فقدوا مساكنهم، مما يجعل إعادة استخدامها لأغراض التعليم التقليدي في المدى القريب أمراً بالغ التعقيد دون توفير بدائل إغاثية شاملة. لا يمكن مقاربة تدمير المنظومة التعليمية في قطاع غزة بوصفه نتاجاً عرضياً أو ضرراً جانبياً حتمياً للعمليات العسكرية التقليدية، بل إن التحليل السوسيولوجي والسياسي العميق لسياسات الهدم والاستهداف الممنهج يفضي بالضرورة إلى مأسسة مفهوم “الإبادة التعليمية” (Scholacide) كاستراتيجية مقصودة ومكتملة الأركان. يعبّر هذا المفهوم في الأدبيات التربوية المعاصرة عن المحو البنيوي والمعرفي المتعمد للنظام التعليمي بكل مكوناته المادية والبشرية والمؤسسية. إن استهداف العقول عبر اغتيال مئات الأساتذة والعلماء، وتصفية رأس المال البشري المتمثل في آلاف الطلبة والكوادر الإدارية، يتكامل وظيفياً مع تدمير فضاءات التعلم وجعل البيئة الحضرية غير قابلة للحياة أو إنتاج المعرفة.
ويتجلى العمق الأكاديمي والسياسي لـ “الإبادة التعليمية” في كونها لا تستهدف مجرد تعطيل العام الدراسي الحالي أو سد آفاق التخرج للأجيال الناشئة، بل تمتد هندستها التدميرية لتطال “الذاكرة المعرفية والمجتمعية” للشعب الفلسطيني. فالإصرار على حرق وتدمير مراكز الأرشيف التاريخي، والجامعات، ومستودعات الكتب والوثائق الوطنية، والمختبرات البحثية، يمثل محاولة بنيوية لطمس الهوية الوطنية، وقطع حبل التواصل التاريخي والثقافي للمجتمع مع ماضيه وحاضره، مما يؤدي إلى هندسة فراغ معرفي وهشاشة مجتمعية يصعب ترميمها في المدى القريب.
من الناحية السوسيولوجية، يسعى هذا النمط من التدمير إلى تفكيك وظيفة المدرسة والجامعة كأدوات للتنشئة الاجتماعية البناءة والمقاومة الثقافية والوعي السياسي؛ حيث تُحرم البنية التربوية من دورها الأساسي في بناء الذات الإنسانية وتوفير الاستقرار النفسي. وفي ظل هذا الاستهداف، تصبح خطط الطوارئ وإعادة الإعمار محكومة بتحديات مركبة لا تقف عند حدود الترميم الإنشائي للمباني، بل تمتد إلى ضرورة إعادة بناء النسيج المعرفي والثقافي، وتحصين الهوية الوطنية ضد محاولات التجهيل والإلغاء الممنهج.
ثالثاً: التعليم في حالة الطوارئ: الخيم التعليمية في قطاع غزة أنموذجاً
-
واقع عمل الخيم التعليمية والمبادرات البديلة
كاستجابة ميدانية عاجلة، قامت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي والشركاء المحليين والدوليين (مثل مؤسسة “رحمة للعالمين” السنغافورية) بإنشاء مساحات تعليمية مؤقتة فُعّلت في خيام داخل مخيمات النزوح الممتدة بقطاع غزة. وقد تم تأسيس عشرات المواقع التعليمية المؤقتة التي استهدفت آلاف الأطفال للحد من خسارتهم للتعلم. تضمن البرنامج تجهيز المواقع، وتنظيف المساحات، ونصب خيام بجودة معينة، وإقامة حواجز وبوابات لتحديد الخيمة كمساحة آمنة ومعروفة للأطفال، مع تزويدها بحصائر للأطفال الأصغر سناً ومقاعد بسيطة للفئات الأكبر عمراً.
يركز المحتوى التربوي داخل هذه الخيم في “المرحلة الحادة” للاستجابة على تعليم المهارات الأساسية في اللغة العربية (القرائية والكتابية) والرياضيات (الحساب الأساسي) والعلوم، إلى جانب تخصيص أوقات واسعة لبرامج الدعم النفسي والاجتماعي والأنشطة الترفيهية والتفريغية التي يقودها معلمون ومرشدون متطوعون. إن الهدف الأساسي هنا ليس تحقيق التميز الأكاديمي وفق المناهج المعيارية، بل إعادة بناء الروتين اليومي للطفل، ومنحه إحساساً بالأمان والاستقرار النفسي، وحمايته من الأخطار المتزايدة كالاستغلال، وعمالة الأطفال، والزواج المبكر.
وتكشف الآليات الإجرائية لعمل هذه المساحات البديلة عن فلسفة تربوية استثنائية فرضها واقع الأزمة الحادة؛ فعملية اختيار واستقطاب الكوادر التعليمية والمتطوعين لا تخضع للبروتوكولات البيروقراطية التقليدية، بل ترتكز على مسوح ميدانية تفقدية لتجمع الكفاءات التربوية النازحة داخل المخيمات، مع إعطاء الأولوية للمعلمين الرسميين ذوي الخبرة السابقة بمناهج الوزارة، يليهم خريجو كليات التربية العاطلون عن العمل، شريطة امتلاكهم المهارات الأساسية في الإسعاف النفسي الأولي (Psychological First Aid) والقدرة على التعامل مع الأطفال في ظروف الطوارئ.
وتبرز الفجوة التعليمية والفروق الفردية الهائلة كأعقد التحديات الإجرائية داخل الخيم، حيث يتشارك خيمة التعلم الواحدة أطفال تتباين أعمارهم ومستوياتهم المعرفية نتيجة الانقطاع الطويل لعامين متتاليين عن الدراسة. ولتجاوز هذا المعوق، تُطبق المبادرات نموذج “التعليم التمايزي المكثف” (Differentiated Accelerated Learning)، والذي يقوم على تصنيف الطلبة بناءً على “مستوى المهارة الحالي” في القرائية والحساب (باستخدام اختبارات تشخيصية سريعة بدلاً من التصنيف التقليدي حسب السن أو المرحلة الدراسية المعتادة)، ومن ثم تقسيمهم إلى مجموعات مرنة تتلقى تعليماً موجهاً يركز على الكفايات الأساسية، مما يضمن جسر الهوة المعرفية المتراكمة وتفادي التسرب المعرفي الكامل.
ومن منظور فكر الإدارة التربوية وسياسات التخطيط، يمكن تفسير نجاح هذه المساحات المؤقتة في البقاء والانتشار بالاستناد إلى مفهومين رئيسين: أولهما “القيادة الرشيقة” (Agile Leadership) التي تحلت بها الطواقم التربوية والمؤسسات الشريكة؛ حيث اتسمت عملية اتخاذ القرار باللامركزية الفائقة، والقدرة العالية على التكيف السريع، وإعادة توجيه الموارد البدائية المتاحة للاستجابة الفورية للتغيرات الأمنية والميدانية الطارئة. والمفهوم الثاني هو “الترابط الفضفاض” (Loose Coupling Theory)؛ إذ يعكس طبيعة العلاقة الهيكلية المرنة بين وزارة التربية والتعليم العالي وبين شبكة المبادرات الأهلية والأممية (مثل اليونيسف ومؤسسة رحمة للعالمين). هذا الترابط الفضفاض سمح للمبادرات بالتحرك بحرية وسرعة فائقة بعيداً عن الجمود والتعقيدات البيروقراطية للمؤسسات الرسمية المنهكة بفعل الحرب والدمار، مع الحفاظ -في الوقت ذاته- على خيط ناظم يضمن التزام الخيم بالهوية العامة والخطوط العريضة للمنهاج الوطني الفلسطيني والمصلحة العليا للمتعلمين.
وبالتوازي مع المعوقات اللوجستية، يظهر بُعد “الاحتراق المهني والنفسي” (Burnout) للمعلم المتطوع كأحد أعمق التحديات الإنسانية في هذا النموذج؛ فالإسناد التربوي والنفسي يقدمه معلمون يعيشون هم أنفسهم تفاصيل الصدمة المركبة وفقدان الأمان والنزوح القسري المتكرر. يجد المعلم نفسه واقعاً تحت طائلة صراع توازني حاد ومستنزف: إذ يتعين عليه الفصل بين واجبه المهني والوطني والأخلاقي تجاه تلاميذه داخل الخيمة التعليمية لإشاعة الأمل والاستقرار، وبين معاناته الشخصية اليومية خارجها في تلبية متطلبات البقاء الأساسية لعائلته، كالبحث الشاق عن مياه صالحة للشرب، وتأمين الغذاء الشحيح، وتوفير الحماية المادية لأطفاله تحت وطأة التهديد الأمني المستمر، مما يجعل الدعم النفسي والمادي الموجه للمعلم نفسه متطلباً سابقاً وشرطاً أساسياً لنجاح واستدامة أي سياسة تعليمية طارئة.
-
التحليل النوعي للتحديات الميدانية في الخيم التعليمية
بناءً على الدراسات الميدانية والمقابلات الكيفية الشاملة مع المشرفين التربويين والمعلمين المتطوعين في قطاع غزة، تبين أن العمل داخل هذه الخيم يواجه أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل التالية:
- التهديدات الأمنية وانعدام الحماية: تقام الجلسات التعليمية تحت التهديد المستمر بالقصف الجوي والمدفعي وأزيز الطائرات المسيرة. فالخيمة التعليمية، بطبيعتها الإنشائية البسيطة، لا توفر أي تحصين مادي ضد الشظايا أو الانفجارات، مما يجعل المعلمين والطلاب عرضة للموت المباشر، ويجبر الإدارات على تعليق الأنشطة فجأة عند تصاعد الهجمات.
- الظروف الإنسانية والصحية القاسية: يواجه المتعلمون نزوحاً متكرراً وقسرياً يؤدي إلى تشتيت المجموعات الطلابية وضياع السجلات التربوية البسيطة. كما تنعدم في هذه المخيمات المياه النظيفة والكهرباء والخدمات الصحية الأساسية، مما أدى إلى انتشار الأوبئة الفتاكة والأمراض الجلدية والمعوية بين الأطفال.
- شح الموارد والوسائل التعليمية: تعاني الخيم من نقص حاد في القرطاسية، والكتب، وحقائب التعلم، والسبورات، والطباشير نتيجة للحصار وإغلاق المعابر وتدمير المخازن الرئيسية، مما يضطر المعلمين للاعتماد على وسائل بديلة وبدائية للغاية.
- الضغط النفسي والاحتراق المهني للمعلمين: يعاني المعلمون ومتطوعون أنفسهم من نفس ظروف الصدمة وفقدان الأهل وانعدام الأمن الاقتصادي والغذائي، مما يضعف قدرتهم على تقديم الدعم النفسي الأمثل للطلاب.
- التعقيدات الإدارية والتنظيمية: يتسم العمل بضعف التنسيق المؤسسي المشترك في مراحل معينة بين الأطراف الفاعلة، مما يسبب تضارباً في الأولويات وازدواجية في التدخلات في بعض المناطق وحرماناً لمناطق أخرى.
رابعاً: الخطة الإستراتيجية (2025-2027) وتحليل السياسات التربوية المستقبلية
تدرك وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية أن التخطيط للمستقبل يجب أن ينطلق من رحم الأزمة الحالية، ولذلك جاءت إستراتيجية تطوير التعليم في فلسطين (2025-2027) لتعمل كإطار سياساتي ومرجعي مرن يهدف إلى “تعزيز كفاءة ومرونة وحصانة النظام التعليمي لتوفير تعليم ذي جودة عالية”، متجاوزاً المعيقات كافة التي يفرضها الاحتلال والعدوان.
مرتكزات ومواءمة الإستراتيجية مع الأجندات العالمية
تتميز الإستراتيجية الجديدة بمواءمتها العميقة بين المرجعيات الوطنية والأطر التشريعية العالمية، لضمان مصداقيتها الدولية والسياساتية. وتتمثل أبرز هذه المرتكزات في:
- القانون الأساسي الفلسطيني وقانون التعليم رقم (8) لعام 2017م وتعديلاته الذي يكرس إلزامية ومجانية التعليم الأساسي.
- الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (SDG4): الذي يضمن التعليم الشامل والمنصف والنوعي وتوفير فرص التعلم مدى الحياة للجميع.
- التزامات دولة فلسطين في قمة تحويل التعليم (2022م) وتوصيات اليونسكو بشأن التعليم من أجل السلام.
خامساً: الرؤية الاستشرافية لآليات إعادة البناء والتوصيات السياساتية
بناءً على التناغم التحليلي بين واقع الميدان الحاد والتوجهات السياساتية الكلية لإستراتيجية (2025-2027)، يمكن رسم خريطة طريق استشرافية واعدة تعتمد على التوصيات والتدخلات السياساتية الآتية:
- مأسسة التعليم في الطوارئ وتطوير الحوكمة التشاركية: الانتقال بالخيم التعليمية والمساحات المؤقتة من طابع المبادرات الفردية إلى بنية مؤسسية تحت إشراف مباشر وموحد من وزارة التربية والتعليم العالي.
- تبني نموذج التعليم الهجين المرن والمناهج المكثفة: تصميم وتطبيق مناهج تعليمية مكثفة تركز حصراً على الكفايات والمهارات الأساسية والمزاوجة بين المساحات الوجاهية والتعلم الذاتي التمايزي.
- الإسناد النفسي والاجتماعي الشامل والمستدام: مأسسة برامج الدعم النفسي والاجتماعي وجعلها جزءاً أصيلاً ومستداماً من اليوم الدراسي لحماية الكفاءة العاطفية لكل من الطلاب والمعلمين كشرط أساسي مسبق لبناء المهارات المعرفية.
خاتمة واستنتاجات عامة:
إن السياسات التربوية الفلسطينية المتمثلة في خطة (2025-2027) تواجه أصعب اختباراتها عبر التاريخ، حيث لم يعد التعليم مجرد قطاع خدمي، بل هو حجر الزاوية في الحفاظ على الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي الفلسطيني من الاندثار. إن نجاح التطلعات الإستراتيجية واستشراف مستقبل تعليمي آمن ومنصف يتوقف بالضرورة على مدى جدية المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية في توفير الحماية الفعلي تعليمية، وتقديم الدعم المالي والسياسي اللامشروط لإعادة الإعمار المادي والبشري للمنظومة التربوية.
المراجع:
المراجع العربية:
- أبو زاهر، نادية، والزين، إيناس. (2024). انعكاس حرب السابع من أكتوبر على التعليم العالي الفلسطيني في قطاع غزة [ورقة عمل]. المؤتمر الدولي الافتراضي “التعليم العالي في فلسطين تحديات الواقع وآفاق المستقبل”، 24-25 أكتوبر.
- أبو شرخ، نادر، وأبو شرخ، مي. (2024). التأثيرات الهيكلية والمعرفية للحرب الإسرائيلية (2023-2024) على التعليم الجامعي في غزة: دراسة تحليلية للأبعاد الاستراتيجية والتربوية في ظل الانقطاعات المستمرة. مجلة رابطة التربويين الفلسطينيين للآداب والدراسات التربوية النفسية، 6(14)، 151-167.
- أبو قاسم، رسمية. (2021). التحديات التي تواجه تطبيق برنامج التعليم في حالات الطوارئ في مدارس وكالة الغوث الدولية (الأونروا) في المحافظات الجنوبية لفلسطين وسبل الحد منها. مجلة الجامعة الإسلامية التربوية والنفسية، 29(4)، 107-134.
- الأمم المتحدة. (2024، 18 نيسان). خبراء أمميون يحذرون من “إبادة تعليمية” في غزة. أخبار الأمم المتحدة. مسترجع من: [https://news.un.org/ar/story/2024/04/113017](https://news.un.org/ar/story/2024/04/113017)
- الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. (2025). الإحصاء الفلسطيني يستعرض أوضاع السكان في فلسطين بمناسبة اليوم العالمي السكان: 8 مليارات نسمة وإمكانات لا متناهية (قضية الحقوق والواجبات). رام الله، فلسطين. مسترجع من: [https://www.pcbs.gov.ps/postar](https://www.pcbs.gov.ps/postar)
- الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. (2025). فلسطين في أرقام 2024. رام الله، فلسطين. مسترجع من: [https://pcbs.gov.ps](https://pcbs.gov.ps)
- السرطاوي، عادل. (2022). استراتيجيات تدريس إبداعية في مواجهة الأزمات. مجلة رابطة التربويين الفلسطينيين للآداب والدراسات التربوية النفسية، 2(4)، 182-195.
- شبير، محمد. (2024، 19 آب). ورقة حقائق حول الانتهاكات بحق التعليم المدرسي في قطاع غزة: من الهشاشة إلى الإبادة. منهجيات نحو تعليم معاصر. مسترجع من: [https://www.manhajiyat.com/ar](https://www.manhajiyat.com/ar)
- العاروري، سوسن، وشهاب، سماح، وصبرة، رنا. (2024). واقع التعليم المدرسي في قطاع غزة ومجالات الدعم اللازمة أثناء وبعد الحرب لاستعادة التعليم من وجهة نظر مديري التربية والتعليم في الضفة الغربية. مجلة رابطة التربويين الفلسطينيين للآداب والدراسات التربوية النفسية، 6(14)، 84-100.
- عبد التواب، عبد التواب، وعبد المعطي، أحمد، ومحمد، الشيماء. (2022). معايير جودة التعليم في حالات الطوارئ. المجلة التربوية لتعليم الكبار، كلية التربية – جامعة أسيوط، 5(2)، 30-61.
- عبد القادر، مؤيد. (2021). الحق في التعليم في ظل حالة الطوارئ. المجلة الأكاديمية لجامعة نوروز، 10(3)، 239-248.
- عفونة، سائدة، وأبو صاع، جعفر، وجمعة، يافا. (2024). التعليم في غزة وطوفان الأقصى: نموذج صمود. مجلة جامعة صنعاء للعلوم الإنسانية، 3(3)، 39-52.
- كلية التربية بجامعة كامبريدج، ومركز الدراسات اللبنانية، ووكالة الأونروا. (2024). التعليم الفلسطيني تحت الهجوم في غزة: الاستعادة، التعافي، والحقوق والمسؤوليات في التعليم ومن خلاله )تُرجم بواسطة دانا الشحبري وكلية التربية بجامعة كامبريدج جامعة كامبريدج.(
- مركز الميزان لحقوق الإنسان. (2024). إبادة التعليم في قطاع غزة في سياق الإبادة الجماعية. مسترجع من: [https://www.mezan.org/ar/post/46488](https://www.mezan.org/ar/post/46488)
- وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية. (2025). استراتيجية تطوير التعليم في فلسطين 2025-2027. رام الله، فلسطين.
- وفا (وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية). (2023). أكثر من 625 ألف طالب يتوجهون لمقاعد الدراسة في قطاع غزة. مسترجع من: [https://www.wafa.ps](https://www.wafa.ps)
المراجع الأجنبية:
- Burde, D., Kapit, A., Wahl, R. L., Guven, O., & Skarpeteig, M. I. (2017). Education in Emergencies: A review of theory and research. Review of EducationalResearch87(3619–658. [https://doi.org/10.3102/0034654316671594](https://doi.org/10.3102/0034654316671594)
- Coutts (Noor), C. E., Buheji, M., Ahmed, D., Abdulkareem, T., Buheji, B., Eidan, S., Perepelkin, N., & Draghici, A. (2020). Emergency remote education in Bahrain, Iraq, and Russia during the COVID-19 pandemic: A comparative case study. Human Systems Management, 39(4), 473-493. [https://doi.org/10.3233/HSM-201045](https://doi.org/10.3233/HSM-201045)
- Durrani, N., & Ozawa, V. (2024). Education in Emergencies: Mapping the global education research landscape in the context of the COVID-19 crisis. SAGE Open, 14(1), 1-24. [https://doi.org/10.1177/21582440241234567](https://doi.org/10.1177/21582440241234567)
- Helmer, J., Durrani, N., Mir, G., Polat, F., Karimova, N., & Qanay, G. (2024). Navigating homeschooling, parenting, and work during an educational emergency: Insights from Kazakhstan. SAGE Open, 14(4), 1-15. [https://doi.org/10.1177/21582440241307440](https://doi.org/10.1177/21582440241307440)
- UNICEF Palestine. (2024). Escalation of hostilities in the Gaza Strip. UNICEF State of Palestine. [https://www.unicef.org/sop/escalation-hostilities-gaza-strip](https://www.unicef.org/sop/escalation-hostilities-gaza-strip)
- UNICEF State of Palestine. (2024). Gaza’s children are seeing their schools destroyed, but UNICEF has them back in classroom. UNICEF. [https://www.unicef.org](https://www.unicef.org)
- UNICEF USA. (2024, November 5). Temporary learning spaces: A haven for Gaza’s children. Humanitarian Aid for Children in Crisis. [https://www.unicefusa.org](https://www.unicefusa.org)
- United Nations in Palestine. (2024, September 9). Defending the Right to Learn: Education in the face of war. United Nations. [https://palestine.un.org/en/](https://palestine.un.org/en/)
تعليم جديد أخبار و أفكار تقنيات التعليم