بين مطرقة القيود المفروضة وسندان الأزمات المتلاحقة، ينهض التعليم الفلسطيني كرسالة بقاء يمتزج فيها حبر الطموح بدم الصمود، فلم تعد السياسات التعليمية خططا إجرائية، بل استراتيجية تحرر جماعي تهدف لترسيخ الهوية الوطنية بمواجهة محاولات الطمس، وتطوير مناهج مرنة ودمج التكنولوجيا. تسعى فلسطين لبناء منظومة تعليمية شاملة تفتح أبوابها للجميع، محولةً المؤسسات التعليمية من ساحات للصمود لمنارات للريادة والسيادة المعرفية.
السياسات التعليمية: عملية تقوم على منهجية علمية، تتجه للمستقبل تمر بعدة مراحل تبدأ بتحديد المشكلة وتنتهي بالقوانين واللوائح، مستندة على المعلومات واللوائح، مستندة على المعلومات والبحث العلمي، والأخذ بالاتجاهات الحديثة وتوجهات المجتمع وظل السياق العالمي المعاصر (عبد القادر وآخرون، 134:2024).
السياسات التعليمية إجرائياَ: مجموعة الخطوات التنفيذية والقرارات الرسمية والمسارات العملية التي تتبناها المؤسسة التعليمية كوزارة التربية والتعليم، لتوجيه عملية اتخاذ القرار وتفعيلها، وتحديد نمط توزيع الموارد (البشرية والمالية والتقنية)، بهدف تحقيق نواتج تعلم قابلة للقياس خلال فترة زمنية معلومة، وتحويل الأهداف النظرية لواقع ملموس من خلال تخصيص الموارد، وتحديد المسؤوليات، ووضع الجداول الزمنية.
القوى الصانعة للسياسات التربوية بفلسطين: تقوم وزارة التربية والتعليم منذ تسلمها مسؤولياتها بـ 1994 بوضع السياسات التربوية، وإعداد الخطط الرامية لتحقيق إلزامية التعليم، والمنبثقة من المواثيق الدولية حول حق الانسان بالتعليم، فركزت على الالتحاق بنظام تعليمي شامل يتكون من المراحل: ما قبل المدرسة، والتعليم الأساسي، والثانوي والتعليم العالي، وتتحمل الوزارة مسؤولية المدارس الحكومية وتشرف على المدارس الخاصة (عفونة، 268:2024).
الواقع الموجود (تحديات وعقبات): وتؤكد الباحثة أن التعليم يواجه تقويضاً ممنهجاً، لا سيما بالقدس التي تشهد محاولات “أسرلة” المناهج وفرض البغروت الإسرائيلي، وضعف البنية التحتية، ويُعاني التعليم المهني والتقني من ضعف المناهج، نقص التدريب العملي، وضعف تأهيل المعلمين وتوجد تحديات بدمج الطلبة ذوي الحاجات الخاصة بسبب محدودية الموارد، ولا تزال بعض البرامج التعليمية تعاني من الانفصال عن الواقع، مع غلبة الطابع الإداري والنمطي على الفعل التربوي.
واقع عملية صُنع السياسات التربوية بفلسطين: بذلت الوزارة جهوداً لتطوير النظام التعليمي، بصياغتها العشرات من السياسات التربوية بإطار تخطيطها الاستراتيجي المستمر، لكن هناك فجوة علمية وتكنولوجية، يتوجب علاجها لتصبح أكثر مقدرة على مواءمة متطلبات العلم وحاجة المجتمع الفلسطيني، والأوضاع التي يعيشها الشعب الفلسطيني أفرزت واقعا ًتربويا ًمريراً، ما وضع الوزارة أمام تحديات، وجعلها تسعى لتطوير التعليم أفقيا ًورأسياً، بتنفيذ خطة طوارئ تتضمن توجهات تطويرية وإجراءات تحسينية، طالت عناصر العملية التعليمية، والمحافظة على سير العملية التربوية بما يتوافق وأولويات الحكومة الفلسطينية التي تولي التعليم اهتماما ًخاصاً (زامل،94:2017).
إشكاليات التعليم بفلسطين:
– غياب رؤية فلسطينية للتعليم: فالخطط الاستراتيجية الموضوعة تحتاج لوقت طويل لقياس أثر تطبيقها على العملية التربوية، فيكون التغيير بطيئاً.
– نظام التعليم: الوزارة حققت جهودا ًكمية لم تصل لمستوى إحداث تغيير نوعي بالتعليم بفلسطين، لغياب الربط بين عمليتي التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ للخطط الموضوعة.
– أثر البيئة التعليمية والظروف المحيطة على العملية التعليمية التعلمية: الظروف السياسية سببا ًمهما ًبتراجع مستوى الجودة بجميع مناحي الحياة وتدني المستوى التحصيلي للطلبة.
– تدني مستوى التحصيل: هناك تفاوت في نتائج الاختبارات بشكل ملحوظ، فيما يتعلق بمؤشرات امتحانTIMSS بالرياضيات والعلوم ونتائج الثانوية العامة، وعد المسؤولون ذلك مؤشرا ً خطيرا ًعلى الرغم من الجهود المبذولة لتحسين نوعية التعليم، وعزوا التدني للإغلاقات وتعطل الدراسة بالانتفاضة.
– تردي أوضاع المعلمين: وعي الوزارة بأن أوضاع المعلمين غير مناسبة، والجهود التي بُذلت لتحسين أوضاعهم من خلال قانون الخدمة المدنية.
– ضعف جدوى برامج تدريب المعلمين: أولت وزارة التربية والتعليم منذ تسلمها اهتماما ًبالغا ًبتطوير الكوادر البشرية وخاصة المعلمين، وكان التركيز ببرامج التدريب، للمنهاج، والمحتوى، والتقويم، وتكنولوجيا التعليم (عفونة، 275-276:2014).
المبادئ والأولويات التي تقوم عليها السياسات التعليمية الفلسطينية:
تركز على المبادئ والأولويات الوطنية وهي التعليم كحق تمكيني من حقوق الانسان، ولإعمال هذا الحق لانتفاع بالتعليم والتعلم الجيدين على نحو متكافئ ومنصف وشامل للجميع، ويحقق المساواة بين الجنسين، على أساس مجاني وإلزامي، والتعليم منفعة عامة ومسعى مجتمعي (وزارة التربية والتعليم العالي، 2017).
الأمل المنشود- رؤية سياسة تعليمية مستقبلية:
وتؤكد الباحثة أن الأمل المنشود بفكرنا التربوي ليس مجرد طموحٍ نظري، بل مسارٌ كفاحي للتحرر؛ تبدأ ملامحه بإرساء تعليمٍ مرنٍ ومقاوم يكسر قيود التبعية ويستقل بالقرار الوطني، وإننا نسعى لصياغة هوية تربوية فلسطينية معاصرة، تضع الابتكار والبحث العلمي بقلب التنمية الشاملة، ليكون العلمُ جسرنا السيادي المتين نحو بناء الإنسان وتجسيد الدولة.
وأشادت منظمة اليونسكو (2025) بالمبادرات الاستراتيجية الرئيسية :(2025-2026)
حرم غزة الجامعي الافتراضي: أطلقت اليونسكو هذه المنصة الرقمية الموحدة لتوفير مساقات معتمدة لأكثر من 20,000 طالب بالتعليم العالي، لضمان استمرارية التعلم رغم تدمير معظم الجامعات. خطة إعادة الإعمار: وفقاً لتقديرات 2025-2026 يحتاج قطاع التعليم العالي بغزة وحدها لما لا يقل عن 373 مليون دولار لإعادة الإعمار، حيث تضرر 95% من المباني الجامعية.
مُعوقات صُنع السياسات التربوية:
– محدودية التنبؤ وقصوره: يعتري عملية رسم السياسات بعض الجحود، بسبب عدم دقة التنبؤ بالبيانات والمعلومات.
– التناقض والتعرض بالمحتوى والإجراء: فيؤدي لإضعاف السياسة أو إفشالها وفقدانها فعاليتها.
– غياب المشاركة ومعارضة التغيير: رسم السياسات التربوية يحمل بين ثناياه نقل المجتمع فكريا ًوواقعيا ًمن موضوع لآخر أفضل مكانة وآراء (عبيدات،34:2007).
مقترح سُبل تحسين عملية صُنع السياسات التربوية لتتناسب وحاجات التعليم بفلسطين:
اقترحت (صايج، 121:2024) تركيز أكثر من قبل الوزارة على تحديد الأولويات المهمة بالخطة الإستراتيجية لتطوير التعليم، وتكون قضية التعليم مجتمعية يشارك فيها جميع شرائح المجتمع بإثارة جدل تربوي عام وإجراء تغيير شامل بالنظام التعليمي والتربوي، بما يتلاءم مع الظروف السياسية غير المستقرة التي يعيشها الفلسطينيون، وتشكيل مجلس أعلى للتعليم العام ليشمل ممثلين لجميع فئات المجتمع باعتبار التعليم قضية وطنية شاملة تخص الجميع وتنعكس آثاره على جميع الجوانب، وتفعيل دور الشركاء بالعملية التربوية.
صفوة القول أنه برغم التحديات الجسيمة التي تعصف بالواقع الفلسطيني، تبرز الإرادة المجتمعية كقوة دافعة لإعادة تشييد منظومة تعليمية صلبة، تقوم على أركان الجودة والعدالة وحماية الهوية الوطنية، فالاستثمار بالإنسان هو الرد الاستراتيجي الأمثل لمواجهة الظروف المعقدة، مما يتطلب تظافر الرؤية السياسية والاحتضان الشعبي لصياغة عقد تربوي متجدد، ويهدف هذا المسار لبناء جيل معتز بجذوره، متسلح بالعلم، وقادر على تحويل الأزمات لفرص للتمكين والبناء، فصيانة مستقبل التعليم هي عهد أخلاقي لضمان بقاء المؤسسات التعليمية منارات للحرية والكرامة الإنسانية، وبذلك، تصبح السياسات التعليمية الشاملة جسراً يعبر بالشعب نحو غدٍ مشرق يليق بتضحياتهم ويحقق طموحاتهم الوطنية، ومن هنا، يظل التعليم هو الحصن المنيع والركيزة الأساسية لتحقيق الأهداف الوطنية والإنسانية بآن واحد.
المراجع العربية:
- عبد القادر، أسماء ومجاهد، نجوى وكمال، نادية (2010). معوقات تفعيل مساهمة البحث التربوي في صنع السياسة التعليمية بمصر: دراسة ميدانية، مجلة البحث العلمي في التربية. جامعة عين شمس، 1(11)، 139-174.
- وزارة التربية والتعليم العالي. (2017). الخطة الاستراتيجية لقطاع التعليم: (2017-2022)، رام الله، وزارة التربية والتعليم العالي.
- السعود، راتب (2024). السياسات التربوية في الدول العربية: مفاهيم وآفاق. ط1، شركة طارق وشركاه للخدمات المكتبية، عمان.
- زامل، مجدي (2017). التجديدات التربوية بالمدارس الفلسطينية: دراسة تحليلية، مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية. جامعة بابل، (35)، 92-109.
- عفونة، سائدة (2014). واقع التعليم بالمدارس الفلسطينية ما بعد نشوء السلطة الفلسطينية: تحليل ونقد. مجلة جامعة النجاح للأبحاث (العلوم الإنسانية)،28(2)، 266-292.
- عبيدات، سهيل (2007) السياسات التربوية في الوطن العربي. ط1، إربد: عالم الكتب الحديث للنشر.
- صايج، جوديت (2024). واقع عملية صنع سياسات التعليم في فلسطين وسبل تحسينها، المؤتمر التربوي الدولي السنوي الثامن (رؤى وأفكار لقضايا ساخنة في التعليم العربي: تحديات الواقع وآفاق المستقبل)، الجمعية الأردنية للعلوم التربوية وجامعة الحسين بن طلال، 24 -26 أبريل.
الأجنبية:
– UNESCO. (2025). Education in emergencies – Palestine: Gaza Virtual University Campus and reconstruction plan 2025-2026. [URL]
تعليم جديد أخبار و أفكار تقنيات التعليم
