بيداغوجيا المقهورين

قراءة في كتاب تعليم المقهورين : حين تصبح الأبجدية سلاحًا في الواقع الفلسطيني

مقدمة

لا يمكن قراءة كتاب تعليم المقهورين (Pedagogy of the Oppressed) للمفكر البرازيلي باولو فريري بمعزل عن سياقات القهر والتحرر التي تعصف بالعالم منذ عقود.

ولكن، حين تُنقل هذه القراءة إلى التربة الفلسطينية، فإن الكلمات تتحول من مجرد نظريات تربوية جافة إلى أدوات اشتباك يومي ووجودي.

في فلسطين، ليس التعليم مجرد عملية تراكم معرفي أو وسيلة للحصول على شهادات أكاديمية، بل هو فعل وجود واستمرارية في وجه محاولات المحو والإبادة الثقافية الممنهجة.

يأتي هذا المقال ليقدم قراءة نقدية معمقة في فكر فريري، مسقطًا مفاهيمه الجوهرية على الواقع الفلسطيني المعاصر، وتحديدًا في ظل الظروف الكارثية التي أنتجت ما يُعرف بـ”النقاط التعليمية” وسط الركام والخيام في قطاع غزة.

إننا هنا لا نقرأ كتابًا فحسب، بل نقرأ واقعًا يُعاد تشكيله بالأبجدية في مواجهة الدبابة، وبالقلم في مواجهة الحصار.

إن فلسفة فريري تجد في فلسطين مختبرها الأكثر قسوة والأكثر صدقًا، حيث يصبح “التعليم كفعل للحرية” حقيقة ملموسة تُعاش كل صباح، في حصص الدرس داخل الخيام أو في المدارس التي تكتظ بالنازحين.

أولًا: نقد “التعليم البنكي”

يستهل فريري كتابه بنقد لاذع لما أسماه “التعليم البنكي” (Banking Education)، ففي هذا النموذج يُنظر إلى الطلاب كأوعية فارغة، والمعلم هو “المودِع” الذي يملأ هذه الأوعية بالمعرفة التي يراها مناسبة.

هذا النوع من التعليم يعزز السلبية، ويقتل روح النقد، ويحوّل الإنسان إلى كائن قابل للتكيف مع واقع القهر بدلًا من السعي لتغييره.

يرى فريري أن التعليم البنكي يخدم مصلحة القاهرين؛ لأنه يمنع المقهورين من إدراك واقعهم كذوات فاعلة في التاريخ.

في السياق الفلسطيني، يتخذ “التعليم البنكي” بعدًا استعماريًا واضحًا.

تاريخيًا، حاول الاستعمار دومًا السيطرة على العقل الفلسطيني من خلال المناهج التعليمية، سواء عبر حذف المصطلحات الوطنية، أو تغييب الرواية التاريخية الفلسطينية، أو فرض سردية القاهر كحقيقة مطلقة.

إن محاولات “أسرلة” التعليم في القدس المحتلة، أو الضغوط الدولية لتعديل المناهج الفلسطينية لتجريدها من محتواها النضالي، هي أشكال معاصرة من “الإيداع البنكي” الذي يهدف إلى خلق “إنسان فلسطيني جديد” متصالح مع هزيمته.

المقهور في هذا السياق، كما يصفه فريري، هو من يُراد له أن يقرأ العالم بعيون قاهره، وأن يتبنى قيم القاهر كمعايير للنجاح والتحضر.

ولكن ما يميز الواقع الفلسطيني هو تلك المقاومة الفطرية والمنظمة لهذا النموذج البنكي.

فالطالب الفلسطيني، حتى في المدارس الرسمية، غالبًا ما يمارس نوعًا من “الوعي المزدوج”؛ فهو يتلقى المنهج الرسمي لينجح، ولكنه يستقي وعيه الحقيقي من الشارع، ومن حكايات الأجداد، ومن واقع الحواجز والاعتقالات والحروب.

هذا الانفصام بين “المعلومة المودعة” و”الواقع المعاش” هو الذي يُفشل مشروع التعليم البنكي الاستعماري.

ثانيًا: “الوعي النقدي” (Conscientização) كضرورة للبقاء

يقترح فريري بديلًا ثوريًا هو “التعليم بطرح المشكلات” (Problem-posing Education). هذا النوع من التعليم يقوم على الحوار (Dialogue) والمساواة بين المعلم والمتعلم.

الهدف النهائي هو الوصول إلى “الوعي النقدي” (Conscientização)، وهو القدرة على إدراك التناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، واتخاذ إجراءات ضد العناصر القمعية في الواقع.

بالنسبة للفلسطيني، فإن الوعي النقدي ليس ترفًا فكريًا يمارسه الأكاديميون في قاعات الجامعات، بل هو غريزة بقاء.

إن الطفل الفلسطيني الذي يسأل معلمه: “لماذا لا نستطيع الذهاب إلى بحر يافا؟” أو “لماذا هدموا بيتنا؟” هو طفل يمارس “طرح المشكلات” بالفطرة.

التعليم التحرري في فلسطين يبدأ من هذه الأسئلة الوجودية؛ إنه التعليم الذي يربط بين درس الجغرافيا وموقع الحاجز العسكري، وبين درس التاريخ ومفتاح العودة المعلق في صدر الجدة.

فريري يؤكد أن الوعي يمر بمراحل: من الوعي “شبه المتصلب” الذي يرى المشكلات كقدر محتوم، إلى الوعي “الساذج” الذي يدرك المشكلات ولكنه يفسرها بشكل سطحي، وصولًا إلى الوعي “النقدي” الذي يفهم الجذور الهيكلية للقهر.

في فلسطين، نجد أن الظروف الصعبة قد سرّعت من وتيرة الانتقال نحو الوعي النقدي، فالتعليم في “النقاط التعليمية” اليوم لا يكتفي بتعليم الحروف، بل يُعلِّم الأطفال كيف يقرؤون “خريطة القهر” وكيف يرسمون “خريطة التحرر”.

إن “قراءة الكلمة” عند فريري مرتبطة دائمًا بـ”قراءة العالم”، والفلسطيني يقرأ العالم من خلال جرحه، مما يجعل وعيه نقدًا مستمرًا للزيف الدولي وللسرديات الاستعمارية.

ثالثًا: “النقاط التعليمية” في غزة

تجسيد لـ”البركسيس” الفريري وسط الركام:

لعل أصدق وأقسى تطبيق لمفهوم “البركسيس” (Praxis) يتجلى اليوم في “النقاط التعليمية” المنتشرة في قطاع غزة.

يعرف فريري البركسيس بأنه “التأمل والعمل اللذان يوجهان نحو الواقع من أجل تغييره”.

لا يوجد فصل بين النظرية والممارسة في الفكر التحرري؛ فالمعرفة التي لا تؤدي إلى فعل هي مجرد “ثرثرة”، والفعل الذي لا يستند إلى تأمل هو مجرد “نشاطية” فارغة.

في ظل ما يصفه الخبراء بـ”الإبادة التعليمية” (Scholasticide) ـ وهي التدمير المتعمد والشامل للمنظومة التعليمية من مدارس وجامعات ومكتبات وقتل للأكاديميين والطلاب ـ برزت “النقاط التعليمية” كفعل مقاومة تربوي بامتياز. هذه النقاط، التي غالبًا ما تكون عبارة عن خيمة بسيطة أو زاوية في مركز إيواء أو حتى جلسة فوق الركام، هي المختبر الحي للبركسيس.

هنا يسقط الجدار التقليدي بين المعلم والطالب، فالمعلم الذي فقد منزله وربما بعض أفراد عائلته، يجلس بجانب الطالب الذي يعاني من ذات الفقد.

هذا “الالتحام” (Communion) هو جوهر التعليم التحرري الذي نادى به فريري.

في هذه النقاط، يتعلم الأطفال الحساب من خلال توزيع المساعدات، ويتعلمون اللغة من خلال كتابة رسائل للعالم، ويتعلمون العلوم من خلال فهم كيفية تنقية المياه أو التعامل مع الأمراض في ظل غياب المنظومة الصحية.

هذا هو التعليم الذي ينبثق من صلب المعاناة ليحولها إلى قوة دافعة للاستمرار.

إن “النقاط التعليمية” هي رد عملي على محاولة “تجهيل” الشعب الفلسطيني.

إنها تقول للقاهر: “يمكنك هدم المبنى، لكنك لا تستطيع هدم المعنى”.

هذا التمسك بالتعليم في أصعب الظروف هو أرقى أشكال “العمل التحرري” الذي يحول الضحية من كائن سلبي يتلقى الضربات إلى ذات فاعلة تصنع مستقبلها بأبسط الوسائل المتاحة.

رابعًا: الحوار في زمن الصمت الدولي

يخصص فريري فصلًا كاملًا في كتابه للحديث عن “الحوار” كأداة أساسية للتحرر؛ فهو يرى أن الحوار لا يمكن أن يوجد من دون حب عميق للعالم وللإنسان، ومن دون تواضع، ومن دون إيمان بقدرة المقهورين على صنع التاريخ.

في المقابل، يمارس القاهرون “اللا-حوار” الذي يقوم على الغزو الثقافي، والتقسيم، والتلاعب، والفرض، والإبادة.

في الواقع الفلسطيني، نجد أن العالم يمارس “اللا-حوار” مع المقهورين من خلال الصمت على جرائم الاحتلال أو من خلال فرض شروط سياسية مقابل التعليم.

أما داخل “النقاط التعليمية”، فيُعاد بناء الحوار الحقيقي، فالمعلم الفلسطيني يمارس الحوار ليس فقط لنقل المعلومة، بل لترميم الأرواح المحطمة.

التعليم في هذه الظروف هو فعل “حب” سياسي؛ إنه إعلان بأن هؤلاء الأطفال يستحقون مستقبلًا أفضل.

هذا الحوار هو الذي يكسر “ثقافة الصمت” التي يحاول القهر فرضها. المقهور الذي يكتشف صوته يبدأ في تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية: الاحتلال هو احتلال، وليس “نزاعًا”، والحرية هي حق، وليست “منحة”.

إن “النقاط التعليمية” هي المختبر الذي يتحول فيه الطفل من “رقم” في إحصائيات النزوح إلى “مفكر” يناقش قضايا وطنه.

خامسًا: المعلم الفلسطيني كـ”مثقف عضوي” ومحرر في “حالات الحدود”

يتحدث فريري عن “حالات الحدود” (Limit-situations)، وهي العوائق التي تبدو في البداية غير قابلة للتجاوز، والتي يستخدمها القاهرون لإبقاء المقهورين في حالة من اليأس، ولكن بالنسبة للإنسان التحرري فإن هذه الحدود هي تحديات تستوجب “أفعال الحدود” (Limit-acts) لتجاوزها.

المعلم الفلسطيني اليوم هو من يقوم بـ”أفعال الحدود”.

إنه يتجاوز واقع الدمار، ونقص الورق والأقلام، وغياب الكهرباء، ليخلق مساحة للتعلم.

هذا المعلم يجسد دور “المثقف العضوي”، فهو ليس موظفًا يؤدي وظيفة تقنية، بل هو جزء لا يتجزأ من حركة التحرر الوطني.

المعلم في “النقاط التعليمية” هو محرر بالدرجة الأولى؛ فهو يحرر عقول طلابه من الخوف ومن الشعور بالعجز، ويغرس فيهم أن المعرفة هي الدرع الأخير في معركة البقاء.

سادسًا: دور المرأة الفلسطينية في بيداغوجيا الصمود

لا يمكن الحديث عن التعليم في الظروف الصعبة في فلسطين دون الإشارة إلى الدور المحوري للمرأة والأم الفلسطينية.

إذا كان فريري قد ركز على العلاقة بين المعلم والمتعلم، فإن الواقع الفلسطيني يضيف “الأم” كمعلمة أولى في مدرسة الصمود.

في مراكز النزوح، نجد الأمهات هن من يبادرن لإنشاء هذه النقاط التعليمية، وهن من يحفزن الأطفال على الذهاب إليها رغم المخاطر.

المرأة الفلسطينية تدمج بين التعليم الأكاديمي والدعم النفسي والتربوي.

إنها تدرك، بوعيها الفطري والسياسي، أن خسارة التعليم تعني خسارة المستقبل، ولذلك تخوض معركة “الأبجدية” بنفس القوة التي تخوض بها معركة رغيف الخبز.

سابعًا: التحديات والآفاق

لا يمكن إغفال حجم التحديات التي تواجه التعليم في فلسطين.

إن “الإبادة التعليمية” ليست مجرد مصطلح، بل هي واقع مؤلم يتمثل في فقدان آلاف الطلاب والمعلمين لحياتهم، وتدمير عقود من التراث العلمي والأكاديمي.

الصدمات النفسية التي يعاني منها الأطفال تجعل من العملية التعليمية مهمة شاقة تتطلب أدوات تتجاوز ما قدمه فريري في كتابه.

ومع ذلك، فإن التجربة الفلسطينية تقدم إضافات نوعية للفكر التربوي العالمي؛ إنها تثبت أن التعليم التحرري يمكن أن يزدهر في أكثر الظروف ظلامًا.

إن “النقاط التعليمية” الفلسطينية هي اليوم منارة لكل المقهورين في العالم، تذكرهم بأن العقل هو الحصن الذي لا يمكن احتلاله إذا ما تسلح بالوعي النقدي وبالإرادة.

إننا بحاجة اليوم إلى صياغة “بيداغوجيا فلسطينية للتحرر”، تستلهم من فريري مفاهيمه، ولكنها تضيف إليها خصوصية التجربة الفلسطينية في مواجهة المحتل. هذه البيداغوجيا يجب أن تقوم على:

التعليم الرقمي: استخدام التكنولوجيا لتجاوز الحصار الجغرافي.

الذاكرة كمنهج: جعل التاريخ والذاكرة الجمعية جزءًا أصيلًا من كل مادة تعليمية.

التعليم النفس-اجتماعي: دمج التفريغ الانفعالي والعلاج باللعب والفن كجزء أساسي من التعلم.

ثامنًا: الصدى العالمي والتضامن التربوي

إن ما يحدث في “النقاط التعليمية” الفلسطينية في غزة اليوم ليس شأنًا محليًا فحسب، بل هو درس كوني في التربية والسياسة. لقد أصبح المعلم الفلسطيني، بوعي أو من دون وعي، يطبق نظريات فريري في أكثر صورها نقاءً وتحديًا. هذا الصمود التربوي أثار موجة من التضامن العالمي بين الأكاديميين والتربويين الذين رأوا في فلسطين تجسيدًا حيًا لـ”بيداغوجيا المقهورين”.

إن التضامن التربوي العالمي مع فلسطين يجب أن يتجاوز مجرد إصدار البيانات، لينتقل إلى تبني “المنهج الفلسطيني” في التعليم التحرري.

فلسطين اليوم تعيد تعريف “العالمية”؛ فهي ليست عالمية القوي الذي يفرض قيمه، بل عالمية المقهور الذي يفرض حقيقته وإنسانيته على وعي العالم.

تاسعًا: مستقبل التعليم في فلسطين

من الركام إلى البناء والتحرر، حين تضع الحرب أوزارها، سيواجه الفلسطينيون التحدي الأكبر: إعادة بناء المنظومة التعليمية. وهنا تبرز أهمية فكر فريري مرة أخرى. لا يجب أن يكون الهدف هو العودة إلى “ما قبل الدمار” فحسب، بل يجب أن يكون الهدف هو بناء منظومة تعليمية تحررية بالكامل، تستفيد من دروس “النقاط التعليمية” ومن تجربة الصمود.

إن إعادة الإعمار لا يجب أن تقتصر على الحجر، بل يجب أن تشمل “إعادة إعمار العقل” وفق أسس نقدية.

نحن بحاجة إلى مدارس تكون مراكز مجتمعية للحوار، وجامعات تكون مختبرات للتحرر الوطني والاجتماعي. المستقبل التعليمي في فلسطين يجب أن يُكتب بأيدي أولئك الذين علّموا وتعلّموا تحت القصف؛ لأنهم الأقدر على صياغة مناهج تليق بتضحياتهم و بأحلامهم.

خاتمة

غزة تعيد كتابة “تعليم المقهورين” بالتأكيد على أن تجربة غزة خلال العامين الماضيين ليست مجرد مأساة إنسانية، بل هي ملحمة تربوية وفلسفية ستُدرس للأجيال القادمة.

لقد تجاوزت غزة نصوص فريري لتكتب نسختها الخاصة من “بيداغوجيا المقهورين” بالدم والدموع واليقين الراسخ.

إن “بيداغوجيا الصمود” الغزية تخبرنا أن التعليم هو الجبهة التي لا تسقط أبدًا، وأن المقهورين حين يمتلكون “الكلمة” في وجه “الرصاصة”، فإنهم يمتلكون المستقبل.

ستنتهي الحرب يومًا، وسيعود الطلاب إلى مقاعدهم، لكنهم لن يعودوا كما كانوا؛ سيعودون بوعي نقدي صُقل في أتون الإبادة، وبإيمان راسخ بأن التعليم هو أقوى سلاح للتحرر.

إن غزة اليوم هي المدرسة الكبرى للعالم، حيث يتعلم الجميع أن الحرية تبدأ من “نقطة تعليمية” ترفض الانكسار وسط الركام، وأن الأبجدية حين تُكتب تحت القصف تصبح أقوى من كل القنابل.

 


المراجع:

فريري، باولو. (د.ت). تعليم المقهورين. (يوسف نور عوض، مترجم). دار القلم.

شاركها

البحث في Google:





عن سامي عوض الله جاد الله رباح

طالب دكتوراه فلسفة الإدارة التربوية، البرنامج المشترك بين الجامعة الإسلامية وجامعة الأقصى بغزة.

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة