الرئيسية » إرشادات » التطبيع الاجتماعي ودوره في خلق المعرفة داخل المنظمات المتعلمة
التطبيع الاجتماعي

التطبيع الاجتماعي ودوره في خلق المعرفة داخل المنظمات المتعلمة

لقد أصبحت مادة البناء الأساسية في بنيان المؤسسات هي المعرفة، وأصبح التعلم هو القاعدة الأساسية التي تعتمد عليها المنظمات في بناء مستقبلها وهو كلمة السر في بقاء منظمات وانهيار أخرى، وأصبح من الضروري أن يكون لدى كل منظمة إدارة خاصة معنية بإدارة المعرفة، ويمكن القول: إن أحد أهم التحديات التي تواجه المنظمات في مجتمع المعرفة هو بناء ممارسة منهجية منظمة لإدارة المعرفة التنظيمية”، وهذا ما سنركز عليه في سلسلة المقالات القادمة. وقد تحدثنا في مقالنا (استراتيجيات إدارة المعرفة داخل المنظمات المتعلمة) بالتفصيل عن:

  1. قيمة المعرفة.
  2. هرم المعرفة.
  3. خلق المعرفة.
  4. تحويل المعرفة.
  5. نقطة التحول المعرفي .
  6. أنماط التحول المعرفي الأربعة (تشارك المعرفة).

وفي هذا  المقال، سنتحدث عن التطبيع الاجتماعي كأحد أنماط التحول المعرفي (تشارك المعرفة):

ويتم خلق المعرفة التنظيمية من خلال التفاعل الاجتماعي بين موظفي المؤسسة ثم يتم تحويل تلك المعرفة من خلال أربعة عمليات تحويلية حلزونية مستمرة، ولكل مرحلة طبيعتها وسياقها واستراتيجيتها التي تناسبها، والمخطط التالي يوضح هذا التحويل والتشارك المعرفي:

(توفيق ،عبد الرحمن ،2007، ص145)

التطبيع الاجتماعي لخلق المعرفة: ضمنية إلى معرفة ضمنية

لم يكن العالم الهنغاري ميشيل بولياني Michael Polani مبالغا عندما سمى كتابه ب (إننا نعلم أكثر مما نقول)، وقد انعكس عنوان الكتاب على مضمونه حيث أشار أن المعرفة التي يمكن التعبير عنها بالأرقام والكلمات ليست إلا الجزء اليسير الظاهر للعيان من جبل الجليد، وهو يقصد بالجزء الأكبر الخفي أي المعرفة الضمنية الموجودة في عقول منسوبي المؤسسة وليست تلك الموجودة في أدبيات المنظمة. ولعل هذا يتوافق مع المدخل الاجتماعي للمعرفة الذي يتعامل مع المعرفة بصفتها حالة التعلم المتواصل في إطار عمليات التفاعل الاجتماعي التي تتم داخل المنظمة. ومما يجب أن نؤمن به أن التعلم في المنظمة يحدث عندما يجتمع الأفراد معا في إطار ثقافة تنظيمية تشجعهم على تبادل الأفكار بهدف تطوير رؤى جديدة من شأنها المساهمة ليس فقط في نقل المعرفة وتحويلها بل في خلق وتكوين معرفة جديدة.

مفهوم التطبيع الاجتماعي للمعرفة:

هو عملية الاشتراك في الخبرات ومن ثم خلق معرفة ضمنية مثل النماذج العقلية والمهارات الفنية المشتركة ويمكن القول أنه النقل المباشر للمعرفة الضمنية من خلال الخبرة المشتركة، ويمكن التعبير عنه بالتفاعل أو الاتصال الاجتماعي. وقد ذكر عبد الرحمن توفيق (2007) أن التطبيع الاجتماعي يولد ما يمكن أن نسميه المعرفة التعاطفية Sympathized Knowledge.

مفتاح اكتساب المعرفة الضمنية:

تعد الخبرة المشتركة بين المشتركين في التطبيع الاجتماعي للمعرفة هي مفتاح اكتساب المعرفة الضمنية. و بدون وجود شكل ما من أشكال الخبرة المشتركة، يصبح من الصعب للغاية على الفرد أن يتخيل نفسه ممارسا لعملية تفكير فرد آخر، ستكون المشاركة عندئذ مشاركة شكلية لا تخترق العمق المعرفي للطرف الآخر ولا تكتشف سر الخلطة المهارية، فمجرد نقل المعلومات يكون ضئيل الجدوى في الغالب إذا ما خلا من الانفعالات ذات الصلة والسياقات الخاصة المطمورة فيها الخبرات المشتركة.

استراتيجيات التطبيع الاجتماعي المعرفي:

تتعدد طرق اكتساب المعرفة الضمنية داخل المؤسسات المتعلمة ومن أهمها :

  • التلمذة: يرى دراكر (1993) أن المهارة لا يمكن شرحها وتفسيرها بالكلمات سواء المنطوقة أو المكتوبة بل يمكن فقط البرهنة عليها، لذا يرى أن الطريقة الوحيدة لتعلم المهارات هي التلمذة والخبرة.
  • الملاحظة والمحاكاة والممارسة المشتركة في سياق عمل حقيقي: فقد لا يحتاج الموظف الجديد إلى محاضرات مطولة أو دورات مجدولة ليتعرف على كيفية القيام بعمل ما أو طريقة تعامله مع مديره، إذ يكفيه ملاحظة من هم أقدم منه ممن يعرفون بتميز علاقاتهم وحسن تعاملهم مع قياداتهم ليدرك سر خلطة العلاقات الإدارية داخل مؤسسته.

مثال للتطبيع الاجتماعي المعرفي:

هذا المثال يوضح كيف تم تطبيع مهارة فنيية ضمنية اجتماعيا، فقد كانت شركة ماتسوشيتا إليكتريك إنداستریال التي يقع مقرها بمدينة أوساكا تواجه مشكلة كبيرة متعلقة بتطوير جهاز أتوماتيكي لصنع الخبز بالمنزل في أواخر الثمانينيات، وهي كيفية مكننة عملية صنع العجينة، التي هي في جوهرها معرفة ضمنية موجودة عند الخبازين البارعين.
و قامت الشركة بعمل صور أشعة للعجينة المصنوعة بواسطة خباز بارع والعجينة المصنوعة بواسطة ماكينة ومقارنة الصور، ولكنها لم تتوصل إلى أي استبصارات لها معنی.
و كانت إيكوكو تاناكا – رئيس قسم تطوير البرمجيات – تعلم أن أفضل خبز في المنطقة يأتي من فندق أوساكا الدولي، ولكي تكتسب المعرفة الضمنية بمهارة العجن، تطوعت مع العديد من المهندسين بالتتلمذ على يد كبير الخبازين بالفندق. إن صنع خبز شهي كالذي يصنعه كبير الخبازين لم يكن أمرا سهلا، ولم يستطع أحد أن يفسر سبب ذلك، إلا أنها لاحظت في أحد الأيام أن الخباز لم يكن يمط العجينة فقط بل يلويها” أيضا، واتضح أن هذا هو سر صنع الخبز الشهي المذاق، وبذلك طبقت المعرفة الضمنية الموجودة لدى كبير الخبازين اجتماعيا من خلال الملاحظة والمحاكاة والممارسة.

معسكرات العصف الذهني الاجتماعية:

تنظم الكثير من الشركات الرائدة   “معسكرات للعصف الذهني” – وهي عبارة عن لقاءات غير رسمية تعقد مناقشات تفصيلية حول موضوع ما من الموضوعات المحورية للشركة والتي قد تؤثر على مستقبلها.

أهم خصائص معسكرات العصف الذهني ضمن استراتيجيات التطبيع الاجتماعي المعرفي:

  • غالبا ما تعقد في أماكن تبعث على الراحة النفسية بعيدا عن أماكن العمل الرسمي.
  • يسودها جو اجتماعي يُخفف – قدر المستطاع – من الرسميات والروتينيات.
  • يكفيك فقط أن تكون شغوفا ومهتما بالمشروع موضوع المعسكر لتكون أحد الحضور وليس من الضروري أن تكون ضمن الفريق المكلف بتنفيذ المشروع.
  • لا تخف فلن تكون مؤهلاتك أو مكانتك -مهما كانت- مانعا للمشاركة، فقط كن من المهتمين والشغوفين.
  • شعار تلك المعسكرات: نحن هنا لطرح الآراء وتقديم المقترحات وليس للنقد والتقييم.

موضوعات معسكرات العصف لذهني ضمن استراتيجيات التطبيع الاجتماعي المعرفي:

تتنوع موضوعات تلك المعسكرات فهي يمكن أن تستخدم في أمور كثيرة منها:

  • تطوير المنتجات والخدمات الجديدة.
  • تطوير النظم الإدارية أو الاستراتيجيات المؤسسية.
  • إيجاد حلول لمشكلات تواجه المنظمة.

أهمية معسكرات العصف الذهني ضمن استراتيجيات التطبيع الاجتماعي المعرفي:

  • تمثل هذه المعسكرات منتدى للحوار الإبداعي، ووسيلة للاشتراك في الخبرات وتعظيم الثقة المتبادلة بين المشاركين.
  • أحد أساليب الاشتراك في المعرفة الضمنية وخلق منظور معرفي جديد.
  • تمثل القوة الناعمة للمنظمات في إعادة توجيه النماذج الذهنية لمنسوبيها.
  • تمثل آلية يبحث الأفراد من خلالها عن التناغم والانسجام من خلال الاستغراق في خبرات جسدية وذهنية معا.

إعادة تعريف المنظمة لمواردها:

عندما تدرك المنظمة مفهوم التطبيع الاجتماعي ودوره في تحويل المعرفة فإنها ستعيد تعريف كل جزء فيها وكل أداة من أدواتها حيث سيتم التعامل مع القاعات ومراكز التدريب وحتى أماكن الراحة وتناول الأطعمة وكذلك مع اللقاءات الرسمية وغير الرسمية على أساس أنها ليست مجرد أماكن للجلوس أو أوقات للراحة بل أدوات من أدوات المؤسسة  لخلق  المعرفة وتحويلها بين موظفيها.

وأخيرا فلا يمكن لأي عمليات أو إجراءات أن تتيح تحويل المعرفة ما لم يكن هناك قيادة تحويلية تؤمن بأهمية المعرفة وتوليدها وخلقها ونشرها بين جميع العاملين كخيار استراتيجي لخلق ميزة تنافسية للمنظمة.

 

 

المراجع:

السالم، مؤيد (2014). غدارة المعرفة التنظيمية، دار الكتاب الجامعي، ط1، الجمهورية اللبنانية-الإمارات المتحدة.

توفيق، عبد الرحمن (2007). الإدارة بالمعرفة، مركز الخبرات المهنية للإدارة “بميك”، القاهرة.

الصبيحات، إبراهيم بدر (2017). إدارة المعرفة منحنى تطبيقي، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

اقطي، جوهرة (2017). القيادة الاستراتيجية للمعرفة، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

Manaf, H. A., & Marzuki, N. A. (2009). The Success of Malaysian Local Authorities: The of Personality and Sharing Tacit Knowledge, International Conference on Administrative in Public Sector Performance, Kingdom of Saudi Arabia, Institute of Public Administration.

Jennifer Rowley, “From learning organization to knowledge entrepreneur” , The

Journal of Knowledge Management, Vol. 4 No. 1, 2000, p. 11.

Druker, P. (1993), Capitalist Society, Harper Business, New York.

Gao,F.,Li,M.,and Clarke,Steve.(2008), Knowledge, Management, and Knowledge Management in Business Operations, Journal of KM.Vol.12.No.2.pp.3-17.

Garvin, D. (1993).  Building  a learning organization. Harvard Business Review , 71(4), pp.78-91.

البحث في Google:






كاتب المقال

د.أيمن أصلان  
كتب ما مجموعه 5 مقالات اضغط هنا لقراءتها

المدير التنفيذي لمركز صناعة القيادات. مستشار وخبير تربوي متخصص في مجال الإشراف التربوي.





3 تعليقات

  1. أبوبكر عبدالله العمري

    جهودكم مشكورة د. ايمن نعم يجب على المؤسسات التعليمية إدارة كيفية تكوين المعرفه لا ان تستقبل الأوامر والحرص على تنفيذها من جهات لا تعتمد على طرق البحث العلمي وكيفية استنباط حلول لمشكلات تكاد تكون صعبة ولكنها أسهل بكثير فقط مع قليل من الحرص
    فالواقع مرير والمشكلة هي كم السهوله التي يمكن تطبيقها كماا جاء في المقال عن التطبيع الاجتماعي ولكن ارجع إلى ما ورد في بدايات المقال بأن على البلد إعطاء حلول واهتمام اكثر بكثير لمستقبلها وازدهارها ولكن هيهات.
    مقال يقدم اسلوب جديد وسهل وله مردود بكل تأكيد

  2. طلال كلبونة

    أحسنت القول والمقال دكتورنا الفاضل.

  3. موقع متاز لتقديم الخدمة المعرفية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *