المقدمة:
إن عملية التقويم جزء لا يتجزأ من العملية التعليمية؛ فهي غاية ووسيلة في آن واحد تعمل لتحسين التعلم لدى المتعلمين من جهة، وتعد أساسا يقام عليه أي تغيير أو تطوير من جهة أخرى. من هنا يتضح لنا جملة من الأمور المرتبطة بالتقويم عمادها التحرر من النظرة الضيقة نحوه بأنه مجرد عملية قياس لأداء الطالب محصورة بالاختبارات التحصيلية، والخروج إلى النظرة الشمولية التي تعكس حقيقة التقويم المتمثلة بكونه عملية تشخيصية وعلاجية مستمرة، مرتبطة بطبيعة تعلم الفرد وسلوكه ومشاعره ومعارفه ومهاراته وخصائصه .
وبما أن الرياضيات حقل غني بالمعارف والقيم والمهارات، ومرتبط بالمنطق والتفكير الإبداعي؛ فإن عملية تقويم تعلم الفرد فيه تفرض علينا كباحثين ومعلمين أن نوظف التقويم بأبعاده المختلفة لنقيم أداء المتعلمين بكل الجوانب الممكنة ، فالمهمة الواحدة واستجابة المتعلم عليها تعكس أداء متعددا لذات المتعلم، وهذا يقود المقيم إلى ضرورة وضع خطة تقويمية محكمة لتحليل أداء الطالب على كل مهمة.
ولما كان أداء الطالب معقد فإنه ينبغي على المقيم أن يضع مؤشرات محددة يقومها بصورة تحليلية لدى المتعلمين وفق قواعد تحليلية واضحة وبمنطق تحليلي موضوعي غير متحيز . فكثيرا ما يخطر في أذهاننا كمعلمي رياضيات سؤالا مفاده : ماذا نقيم ؟ والإجابة على هذا السؤال تقودنا إلى معنى التقويم الذي نطمح ونريد ؛ فالتقويم يكون للمعرفة بمجالاتها المفاهيمية والإجرائية والحسابية ، ولطبيعة التفكير وعملياته ومهاراته لدى المتعلمين ، ولقدرتهم على ممارسة العمليات كحل المسألة والتبرير والبرهان والإتصال والربط والتمثيل وغيرها الكثير((NCTM,2000 . وأقف هنا عند التفكير الرياضي وقفة طويلة تعكس عالما من القدرات والمهارات المتفاوتة التي يظهرها المتعلمون تبعا لعوامل متعددة ، لأخصص نظرتي على نوع من أنواع التفكير الذي نسعى جاهدين لنراه منهجا لكل المتعلمين ألا وهو التفكير الناقد بمهاراته المتعددة.
وانطلاقا من النظرة الحقيقية لمفهوم التقويم في الرياضيات وللحرص على تنمية التفكير الناقد لدى المتعلمين جاء موضوع البحث: تقويم أداء طالبات الصف الثامن الأساسي في القدرة على التفكير الناقد في مسائل ذات علاقة بالأشكال الهندسية المستوية؛ والتي هدفت فيه بشكل أساس إلى تحليل أداء طالبات الصف الثامن الأساسي على ثلاث مهمات أصيلة في موضوع الأشكال الهندسية آخذة بعين الاعتبار مؤشرات أريد تقويمها لدى الطالبات تمثلت بثلاثة أبعاد رئيسة : المعرفة المفاهيمية والإجرائية والحسابية، والقدرة على التفكير الناقد، والتواصل الشفوي والكتابي .
الطريقة والإجراءات:
تم تحديد موضوع البحث بعد مراجعة الأدب السابق المتعلق بتقويم الأداء وموضوعات الرياضيات المناسبة لطبيعة المرحلة الدراسية التي تدرسها الباحثة ، وأخذ الموافقة من أفراد عينة الدراسة.
وتحقيقا للغرض من البحث تم إعداد ثلاث مهمات أصيلة بصياغة ملائمة وبأسلوب يتيح للطالبة إظهار أداءاتها المتعددة في آن واحد ، حيث وضعت الباحثة مؤشرات عامة للأداء تم أخذها بعين الاعتبار عند تحليل استجابات الطالبة على كل مهمة ، وقد تمثلت هذه المؤشرات بثلاث مجالات رئيسة :
أ.المعرفة ؛ المفاهيمية والإجرائية والحسابية
ب. القدرة على التفكير الناقد ؛ مهارة الحكم وإصدار القرار
ج. التواصل ؛ الشفوي والكتابي.
وأما عن عينة الدراسة فقد اختيرت بشكل مقصود، وتكونت من 8 طالبات من الصف الثامن الأساسي بعد الحصول على موافقة من إدارة المدرسة وأولياء أمور الطالبات، وتحددت مدة تطبيق الدراسة بثلاث حصص دراسية بواقع حصة لتنفيذ كل مهمة. وعند التنفيذ تم تقديم المهمة الأولى للطالبات مع تخصيص وقت مناسب للإجابة عنها مقداره (25 دقيقة )، ثم أجريت مقابلات مع الطالبات مدتها (15 دقيقة) فور الإنتهاء من المهمة للوقوف على قدرتهن على الاتصال الشفوي ، وهكذا لبقية المهمات .
وبعد ذلك تم تحليل إجابات الطالبات على كل مهمة مع الأخذ بعين الاعتبار مؤشرات الأداء المطلوبة بالإضافة إلى تحليل المقابلات مع التركيز على أدائهن الشفوي في التعبير عن المهمة والحل . وأخيرا عرضت النتائج وتم الخروج بالاستنتاجات وجملة من التوصيات .
الإطار التحليلي لإجابات الطالبات عن المهمات الأدائية:
| المعرفة الأساسية: أسس المعرفة الرياضية التي تظهرها الطالبة في استجابتها على المهمة الأدائية المرتبطة بموضوع الأشكال الهندسية المستوية حيث تؤخذ بعين الإعتبار كمؤشر أساس لموقف التقويم . |
جوانب المعرفة الأساسية:
|
| القدرة على التفكير الناقد: قدرة الطالبة على الإقناع الرياضي عند اتخاذ القرار |
مهارة التفكير الناقد:
|
| الاتصال: تفسيرات الطالبة الشفوية والكتابية لمهمة التقويم وتعبيراتها المستخدمة في التعبير عن طريقة تفكيرها وفهمها أثناء تنفيذ الحل |
مهارتي الاتصال:
|
وقد تم إعداده وبنائه من قبل الباحثة في ضوء قراءاتها المكثفة ومراجعتها الأدب السابق حول تقويم الأداء.
المهمات الأدائية وأهدافها وطبيعة إجابات الطالبات:
المهمة الأولى:
يقول أحمد : أنه يستطيع بمبلغ 3000 دينار فقط أن يحيط ملعب كرة قدم مستطيل الشكل طوله يساوي أربعة أمثال عرضه بسياج حديدي تكلفة المتر الواحد منه 3 دنانير علما أن عرض الملعب 50 م
ما رأيك بقول أحمد ؟ هل توافقيه أم تخالفيه ؟ وضحي إجابتك بالتفصيل
وتهدف هذه المهمة إلى :
- الكشف عن مستوى فهم الطالبة المفاهيمي والإجرائي والحسابي لمحيط المستطيل
- الكشف عن قدرة الطالبة على اصدار الحكم واتخاذ القرارات السليمة
- الكشف عن مستوى مهارة الطالبة في القدرة على التواصل الكتابي.
المهمة الثانية:
قدم صاحب المزرعة عرضين للمزارع الذي يعمل عنده تحفيزا له على عنايته الجيدة بأرضه ، حيث منحه سياجا طوله (44 متر ) وقال له : أوجد بهذا السياج أرضا على شكل دائرة او أرضا على شكل مربع لتصبح ملكا لك . فكر المزارع قليلا ثم اختار أرضا على شكل دائرة قائلا بأنها ستكون الأكبر مساحة . ما رأيك باختيار المزارع ؟ هل توافقيه على اختياره ؟ وضحي إجابتك بالتفصيل. ( البسام، 2007)
وتهدف هذه المهمة إلى تحليل أداءات الطالبة المتعددة من حيث :
- الفهم المفاهيمي والإجرائي والحسابي لدى الطالبة لمفهومي المساحة والمحيط والعلاقة بينهما فيما يتعلق بالمربع والدائرة .
- قدرتها على تقويم الحجج الرياضية واتخاذ القرار المناسب .
- مهارة الاتصال الكتابي لديها.
المهمة الثالثة:
احتار صاحب عمارة بين طلبي أحمد وخالد ل ( 9) بلاطات كل منها مربعة الشكل طول ضلعها 2 م كانت فائضة عن حاجته ، حيث قال له أحمد : لدي ممر مستطيل الشكل طوله 18م وعرضه 2م وأحتاج هذه البلاطات لتبليطه ، في حين قال خالد : لدي ساحة مربعة الشكل طول ضلعها 6م وأحتاج هذه البلاطات لتبليطها. فكر صاحب العمارة قليلا ثم قال : سأعطي البلاطات لأحمد لأنه سيستخدمها جميعها دون أن يبقي منها شيئا
ما رأيك بقراره ؟ هل كان منصفا في حكمه ؟ وضحي إجابتك بالتفصيل
وتهدف هذه المهمة إلى تحليل أداءات الطالبة المتعددة من حيث :
- الفهم المفاهيمي والإجرائي والحسابي حول مفهومي المساحة والمحيط والعلاقة بينهما فيما يتعلق بالمربع والمستطيل.
- قدرتها على اتخاذ القرار المناسب وإصدار الحكم.
- مهارة التواصل الكتابي لديها.
طبيعة المقابلات مع الطالبات بعد كل مهمة
كان الهدف من إجراء المقابلة بعد كل مهمة يتمثل في الكشف عن قدرة الطالبة على التواصل الشفوي والتعبير عن فهمها وتفكيرها وطريقة حلها باعتباره مؤشرا للأداء
وقد تمثلت المقابلة (التي استغرقت 15 دقيقة لكل مهمة) بتوجيه أسئلة للطالبة فور انتهائها من الإجابة على المهمة وكانت الأسئلة كالآتي :
- ما رأيك بالمسألة ؟
- وضحي لنا جوانب تفكيرك ؟
- هل توصلت لنتيجة مقنعة؟
- هل استطعتي إصدار حكم اتخاذ قرار ؟
نماذج من تحليل أداء الطالبات على المهمات الثلاث
تحليل أداء الطالبة “إسراء” على المهمات الثلاث:
| مجال الأداء | المهمة الأولى | المهمة الثانية | المهمة الثالثة |
| المعرفة الأساسية:
المفاهيمية الإجرائية
الحسابية |
|
|
|
| التفكير الناقد:
القدرة على إصدار الحكم واتخاذ القرار |
|
|
|
| الإتصال :
الكتابي الشفوي |
|
|
|
تحليل أداء الطالبة “سلمى” على المهمات الثلاث:
| مجال الأداء | المهمة الأولى | المهمة الثانية | المهمة الثالثة |
| المعرفة الأساسية:
المفاهيمية الإجرائية
الحسابية |
|
|
|
| التفكير الناقد:
القدرة على إصدار الحكم واتخاذ القرار |
|
|
|
| الإتصال :
الكتابي الشفوي |
|
|
|
تحليل أداء الطالبة “راما” على المهمات الثلاث:
| مجال الأداء | المهمة الأولى | المهمة الثانية | المهمة الثالثة |
| المعرفة الأساسية:
المفاهيمية الإجرائية
الحسابية |
|
|
|
| التفكير الناقد:
القدرة على إصدار الحكم واتخاذ القرار |
|
|
|
| الإتصال :
الكتابي الشفوي |
|
|
|
تأملات وملاحظات:
- ليس بمقدور جميع المتعلمين التعبير الكتابي عن طريقة تفكيرهم رغم أنها قد تكون صحيحة في كثير من الحالات ، فعدم قدرتهم على التواصل الكتابي وضعف المعرفة الإجرائية لديهم يشكلان عائقا أمام قدرتهم على إظهار طبيعة تفكيرهم . وقد لاحظت هذا الأمر من خلال استجابة الطالبتين “اسراء” و ” سلمى” على المهمتين “الأولى” و ” الثالثة ” على التوالي .
- بعض المتعلمين لديهم الدراية التامة بمنطقية حلولهم وصحة اجراءاتهم ولديهم القدرة على تقييم حلولهم بكل موضوعية أثناء الحل. وقد توصلت لهذه الملاحظة من خلال تحليلي لأداء الطالبة ” راما” على المهمات الثلاث
- ضعف المعرفة الحسابية تشكل عائقا أمام تنفيذ المهمة حتى وإن كانت المعرفة المفاهيمية حاضرة وطريقة التفكير صائبة ، وقوة التواصل لدى المتعلم تسهم في كسر هذا العائق في كثير من الحالات. وقد بنيت ملاحظتي من خلال مقارنتي لأداء الطالبتين “سلمى” و ” راما” على المهمات وما تبعهن من مقابلات كشفت الكثير من الأمور حول أدائهن.
- تحليل المتعلم للمسألة من معطياتها والمطلوب منها وما ورائها يقوده إلى منطق متسلسل في وضع خطة للحل والسير بموجبها للوصول إلى النتائج السليمة واتخاذ القرارات بموجبها. وقد تبين هذا الأمر جليا في إجابتي الطالبتين “غادة” و “لين” على المهمات الثلاث.
الاستنتاجات والتوصيات:
إن عملية تحليل أداء المتعلمين عملية متشعبة تحتاج دراية وفهما من المعلمين ، فالمهمة الأصيلة الواحدة تقيس أداءات متعددة للمتعلم نفسه في آن واحد إن أحسن المعلم التصرف فيها بدءا بانتقائه المهمة ، وتقديره ظروف العمل على المهمة بشكل مناسب، واتباعه اطارا تحليليا مبنيا على مؤشرات أداء واضحة ثم بعرضه الواضح وتفسيره المنطقي لمستوى الأداء.
فأداء المتعلم لا ينحصر بمستوى معرفته الرياضية وتذكره للحقائق والعلاقات والقوانين بل أدائه الحقيقي هو انعكاس لكل جوانب تعلمه سواء أكانت معرفية أو مهارية او سلوكية أو بطبيعة تفكيره وتواصله وقدرته على اتخاذ القرارات.
من هنا فإنني أدعو نفسي وزملائي من المعلمين والمعلمات أن نخرج من دائرة التقويم الضيقة إلى دائرة أوسع قدر المستطاع بملاحظاتنا أداء المتعلمين من كافة الجوانب الممكنة وبانتقائنا مهمات أصيلة تتيح لهم إظهار أداءاتهم المتعددة لنحقق الغرض المنشود من العملية التقويمية ألا وهو تحسين عمليتي التعليم والتعلم .
المراجع:
البسام، د.بدر عبدالرحمن. (2007). موسوعة ألغاز المنطق والرياضيات والاستنتاج. ط(3)، مكتبة العبيكان للنشر والتوزيع
بدوي،رمضان. (2003). استراتيجيات في تعليم وتقويم تعلم الرياضيات.ط(1)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
. McNeil, N. M., Hornburg, C. B., Devlin, B. L., Carrazza, C., & McKeever, M. O. (2019). Consequences of individual differences in children’s formal understanding of mathematical equivalence. Child Development, 90(3), 940-956.
National Council of Teachers of Mathematics. (2000). Principles and standards for school Mathematics. Reston,VA:NCTM.
تعليم جديد أخبار و أفكار تقنيات التعليم
