جون ديوي

فلسفة جون ديوي في مدرسته النموذجية

يعتبر جون ديوي أحد أبرز المفكرين في الفلسفة البرجماتية والأكثر شهرة ليس فقط في موطنه، بل في جميع أنحاء العالم وقد دعته العديد من البلدان ليحاضر فيها ومنها: الصين (جامعة بكين- لمدة عامين)، واليابان (جامعة طوكيو الملكية – عام 1919)، وتركيا.

الفلسفة البرجماتية وديوي:

جاءت الفلسفة البرجماتية من الأصول اليونانية من كلمة pragma و التي تعني (فعل ،نشاط، عمل)، وظهرت في القرن العشرين كفلسفة علمية لماديات ذلك القرن ونشأت في أمريكا الرأسمالية كمذهب للمنفعة والعلم لأمريكا لمواكبة القرن العشرين، وساعد الانتشار العلمي والتطور الصناعي في ظهورها، وأدى ذلك لفهم الفرد للطبيعة من حوله والسيطرة عليها للحصول على الاستفادة القصوى منها. بالإضافة لذلك ساعدت رأسمالية أمريكا في ترسيخ الفلسفة البرجماتية مما أدى لازدهارها ونموها لأن النظام الرأسمالي يقوم على مبدأ الحرية في المنافسة الفردية وارتباطه بالعمل الإنتاجي النافع.

لذا كانت غالبية فلاسفة البرجماتية من أصل أمريكي، وبعد ذلك انتشرت أفكارهم في سائر أنحاء العالم. ويعد بيرس هو المؤسس لهذه الفلسفة عام 1878م الذي كان يعتبر العمل وتحقيق المنفعة هم أساس أي فكرة ودليل صدقها، ووضح بيرس في مقاله الأول “كيف نوضح تفكيرنا؟” أسس وأفكار الفلسفة البرجماتية، ويعود الفضل للدعوة لهذه الفلسفة ل (وليام جيمس) حيث أوضح أن أساس الفكرة هو العمل النافع، ثم بعد ذلك برز نجم ديوي وأطلق عليها عدة أسماء أخرى كالأداتية والآلية، واعتبر أن العقل أداة لتطوير حياة الفرد وليس وعاء معرفيا كما كان سابقًا. (الخطيب وآخرون، 2009م، ص78)

كان الظهور الأول للبرجماتية في مجال التربية، وبعد ذلك أصبحت فلسفة لها نظرياتها المنفردة وأفكارها وأسسها، ويرجع الفضل في ذلك لجون ديوي حيث إنه عمل كمعلم وحول المدرسة لمختبر ليطبق به تجاربه الخاصة التي تدعم الفلسفة البرجماتية. (محمد، 2002م، ص92)

من أفضل المبادئ التي ترتكز عليها الفلسفة البرجماتية أن العملية المعرفية وموادها تبرز أهميتها من خلال ما تحققه من ناحية عملية وغرضية بغض النظر عن النظريات الأخرى التي تدعو للتأمل والمبادئ الفكرية المجردة، ومبدأ البرجماتية الأساسي هو لا قيمة للفكرة إلا عبر نتائجها العملية المرضية وحلها للمشكلات. (العاني، 2003م، ص50-51)

أوصل ديوي الفلسفة البرجماتية إلى قمة النضج الفكري من خلال كتاباته التي تهتم بالجانب الإنساني ككل، وذلك عبر الأسس التي ترجع إليها في عدة أنواع من العلوم. سعت جامعة شيكاغو لضم جون ديوي لأستاذتها في قسم الفلسفة، ولكنه اشترط لقبول ذلك توليه أيضًا رئاسة قسم التربية ليس طمعًا في المنصب، ولكن يرجع ذلك لمعتقداته التي تعتبر التربية مختبرا للأفكار الفلسفية، ويستند بذلك لمعتقد أن الفكرة الفلسفية التي لم تخضع للتجريب والاختبار واقتصرت فقط على التأملات المجردة هي بالتأكيد فكرة عدية القيمة. (إبراهيم، 1999م، ص130)

فلسفة ديوي في التعليم:

كانت فلسفة التعليم قبل ديوي تقوم على أساس بناء متعلم من ناحية دينية وأخلاقية ومعلوماتية فقط، ثم جاء ديوي وأحدث نقلة لفلسفة التعليم فقد تجاهل الأهداف التعليمية وتبنى فكرة أن الأهداف التعليمية تتغير وفق الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة بشكل سريع ومستمر، وبالأخص في موطنه “أمريكا”، وأوضح أنه لا يوجد هدف تعليمي نهائي ثابت، بل أن الأهداف تكون بشكل مباشر وفوري، وأن الهدف يتغير مع تغير أسلوب الحياة، والهدف التعليمي قابل للتكيف وذلك لضبط نفسه مع البيئة.

نظر ديوي للأهداف التعليمية على أنها يجب أن تعد المتعلم للأهداف القريبة والفورية وعلى أن المستقبل البعيد ليس من ضمن اهتمامات المتعلم، وأن على منظومة التعليم إعداد المتعلم لحياته الحالية.

ينظر ديوي للمتعلم على أنه يجب أن يتطور وفق معاييره الخاصة، ولا يوجد هنالك معايير محددة توضع له، ويجب أن تكون فلسفة التعليم قائمة على ذلك.

مدرسته النموذجية:

تعد المدرسة النموذجية أحد أهم أعمال جون ديوي وقد تم إنشاؤها في عام 1896 بأمريكا بولاية شيكاغو، بسبب عدم قدرة المدراس في ذلك الوقت عللى مواكبة التطور الهائل الذي أحدثته الثورة الصناعية، واتخذها ديوي كحقل تجارب لنظرياته التربوية، وفي عام 1902 تم ضم المدرسة لجامعة شيكاغو -كلية التربية لتصبح بذلك مدرسة تجريبية تطبيقية تابعة للجامعة.

وأثرت هذه المدرسة على آراء أولياء الأمور الرافضين لأي مبادئ تقدمية خلفتها الثورة الصناعية، فقد اقتنعوا بآراء ديوي التقدمية حول المدرسة ومن هنا كان الباب لفتح العديد من المدارس التقدمية التي تحاكي فلسفة ديوي في التعليم. وظهر اهتمام ديوي في فلسفة التربية من خلال أعماله وأبرزها: الطفل والمنهج، كيف نفكر، المدرسة والمجتمع، الخبرة والتربية، الطبيعة البشرية والتربية، الديمقراطية والتربية.

ينظر ديوي للمدرسة على أنها كيان يركز على الجوانب النفسية والاجتماعية للمتعلم على خلاف النظرة القديمة التي ترى على أنها مؤسسة لصقل التعلم معرفيًا فقط، بل نظر أيضًا على أن التجارب الشخصية للمتعلم هي أهم ركائز التعليم، واعتبر أنه بذلك يصل للمدرسة المثالية كالمنزل المثالي تمامًا، حيث إن المنزل المثالي يكون الآباء على علم باحتياجات أبنائهم ويقدمون الأفضل لهم من خلال المرور بتجارب حقيقية، بحيث تصبح بذلك المدرسة فعلية يتم من خلالها تهيئة الفرد مهنيًا وأخلاقيًا لعيش حياة أفضل. ووفقًا لتعريف ديوي للمدرسة فإنها تمثل: “الانعكاس الأكبر للمجتمع في خارجها، بحيث يمكن للمتعلم تعلم الحياة من خلال العيش، ولكن وفق مجتمع بسيط ومتقن ومتوازن.”

مراحل التعليم وفق فلسفة ديوي:

تقسم المراحل عند ديوي لثلاث مراحل، وهي:

  • فترة اللعب من عمر (4-8) سنوات.
  • فترة الاهتمام من عمر (8-12) سنة.
  • فترة انعكاس الاهتمام من عمر 12 سنة فأعلى.

المعلمون والمتعلمون من منظور ديوي:

يعتبر المعلم وفق منظور ديوي ركنا أساسيا في العملية التعليمية بحيث يعتبر خادما اجتماعيا لها، ينظم ويراقب سير التعليم ووظيفته الأساسية هي أن يولي أهمية لاهتمامات المتعلم ولا يركز على غرس المعارف.

وظيفة المعلم إذن هي توجيه المتعلمين ليواجهوا تعقيدات الحياة حتى يتكيفوا مع بيئتهم بشكل عصري.

ويعد ديوي داعما أساسيا لحرية الطفل في الاختيارات، ولكن وفق مصلحة المجتمع، وألا يفرض عليه شخصيته واهتماماته، ويتضح دور المعلم في اختيار مؤثرات ملائمة لهذه الاهتمامات ومراقبة استجابة المتعلم لها ومساعدته للاستجابة بشكل مناسب.

على المعلم أن يدرك عدة أمور أثناء سيره وفق منظور ديوي، وهي:

  • أن يدرك أن مستواه في الخبرة والمعرفة تمكنه من الصعود بمستوى طلبته لمرحلة أعلى منه، أي تطورهم بشكل سريع.
  • ذكاء ومزاجية المتعلم، ومحاولة الوصول للمطلوب من خلالهم.
  • يجب أن يسير الطالب ومجموعته بشكل متواز بحيث يقدم الطرفان لبعضهما أفضل العادات التعليمية.

كان تركيز ديوي في المعلم على موضوع “الانضباط” ولكن ليست بمفهومها القديم، بل تعني بضبط توجيه المتعلم بناءً على خبرة المعلم الواسعة، ولكن دون فرض هذه الخبرة عليه.

وهنالك نوعان من الانضباط وفق منظوره وهما: الذاتي والجماعي، ويجب على المعلم أن يشجع وجودهما وبالأخص الانضباط الداخلي لأنه متأصل داخل المتعلم ويجب عليه الانضباط ذاتيًا أي من تلقاء نفسه.

ومن خلال النشاطات التعاونية المدرسية نستطيع أن نضبط اندفاعات المتعلم، وسيؤدي هذا لتدريب شخصيته وصقلها، ولا يجب على المعلم أن يحث على الانضباط بواسطة استخدام القوة أو الفرض.

يجب على المعلم أن يوفر بيئة ملائمة لتجربة المتعلم ليمارس أنشطته التعاونية، مما سيؤدي لتطور عاداته ومواقفه.

واقعية جون ديوي المعرفة بالتجربة والخبرة والتعبير في الفن:

اتخذ ديوي الأسلوب العلمي منهاجاً في فلسفته – التي تدمج بين التعليم والحياة، حيث يعد أحد مؤسسي المدرسة الارتقائية الجديدة التي ارتكز فيها على مبدأ أن المدرسة عبارة عن مجتمع صغير يهيئ الطالب للعيش فيه.

يعد ديوي أحد أبرز دعاة الفلسفة البرجماتية التي ظهرت في أمريكا في بدايات القرن الماضي و يعود ذلك إلى منصبه في تدريس الفلسفة في جامعة شيكاجو، حيث لاحظ أن الناس لا يركزون على النظريات غير المجدية بل على الجد و العمل – الذي يحقق رفاهيتهم و رغباتهم – ، لذا جمع ديوي بين الفكر و العمل، و شدد على مبدأ تقدم الفرد و المجتمع، من خلال إيجاد تغييرات تحقق حياة كريمة لأفراد المجتمع، حتى و إن كانت هذه التغييرات لها علاقة بمبادئ النظم السياسية و الاقتصادية في المجتمع، بشرط أن تُحدِث مطابقة بين الإنسان و متطلبات العصر. وعليه فقد قال ديوي: إن الأفكار التي لا تحقق الأهداف المطلوبة تعتبر أفكارا غير مجدية، وإن عملية الفكر يجب أن تكون مرنة ومتطورة وتواكب التغيرات والتطورات التي تحدث في الحياة وتستمد من النتائج الواقعية المادية، أو بسياق آخر: على الفرد التصدي للمشاكل التي تواجهه و إيجاد الحلول المناسبة لها.

انتقد ديوي النظريات السائدة التي تنص على أن الفكر يُعتبر أساس معرفة الإنسان موضحاً أن العقل مجهز بمقولات أولية تعكس معرفة الإنسان، بمعنى أن المعرفة تستقي وجودها من العقل بالفطرة وأنها موجودة فيه مسبقاً. كما أشار أن المعرفة تأتي بالخبرة العملية والتجارب، وعليه فقد دعا ديوي إلى تنفيذ المنهج التجريبي على كل الأصعدة، بما في ذلك الأمور الدينية والأخلاقية والمجتمعية بشرط أن يُوجه هذا التطبيق بالمعرفة والذكاء، حتى لا يقود إلى التسرع والضلال، و لهذا فقد اعتبر ديوي أن المعرفة تستمد أهميتها من خلال البحث و استصقاء العالم من حولنا و ليس من خلال التهرب في التفكير بعالم آخر، و لذلك اعتبر ديوي أن البحث العلمي أهم أسباب الفكر الموضوعي لارتباطه بمواجهة المشاكل الواقعية التي نعيشها. ومن خلال البحث العلمي والمنهج التجريبي يمكن التلاؤم بين الفلسفة والعلم بما يقود لتطور الحياة الإنسانية. في الوقت ذاته، شدد ديوي على أن الفن يعتبر رد فعل وليس عملية نقش أو نسخ وأن التعبير عنه عملية صعبة.

يقول جون ديوي: لقد نشأت نظريتان مختلفتان في محاكاة طريقة التعبير، فالنظرية الأولى اعتبرت أن طبيعة التعبير (التعبير الجمالي) يعود إلى الأشياء الملموسة وتقتصر مهمتها على جعل المواضيع أكثر إثارة، بينما النظرية الثانية فتعارض النظرية الأولى، لأنها تُلحق القوة الجمالية بعناصر الموضوع المتعلق بها.  ووضح ديوي وجهة نظره بأن النظرية الأولى تعتبر رأياً يعبر عنه الأفراد بطريقتهم الخاصة، حيث يعتقد أصحاب هذه النظرية أن الأشخاص يفسرون الأشياء من حولهم على أنها كيفيات جمالية مباشرة. بينما بالنسبة للنظرية الثانية، فإنها تميز بين الحس والعلاقات والمضمون عن الصورة. ويرى ديوي أن النظرية الأولى والثانية متكاملتان.

ورأى جوي ديوي أن التعبير هو نتيجة الانفعالات الجمالية التي تدركها شهواتنا و الي تعمل على إنتاج صورة تعبيرية تتكون من عدد من الانفعالات التي رضخت للتعديل و التبديل. لذا فيؤكد ديوي أن على نظرية الانفعال الجمالي المرتبط بالمادة التعبيرية.

دور الإقناع العقلي في غرس القيم والأخلاق:

تحدث جون ديوي في كتابه ” نظرية الحياة الأخلاقية” عن وظيفة العقل في الإقناع وغرس القيم والأخلاق، واعتبر أن أصل أخلاقنا تمثل السبب الرئيس للعادات التي نقوم بها. لذا فيجب على الأفراد الذين يشاركون في صُنع العادات أن يكون لديهم تطلعات واضحة لتلك القيم والأسس.

كما ناقش ديوي في كتابه ” الحرية و الثقافة Freedom and Culture ” الماركسية و اعتبر أنها فلسفة سياسية واقتصادية، و عارضها من ناحية حرية الأفراد في حين أنه أكد على أن الفرد يكتسب الديمقراطية – الذي يعتبرها أساس حياة الأفراد – من البيت، و في ختام الكتاب اتخذ ديوي أمريكا مثالاً على البحث العلمي و التجارب و اهتمامها بتعدد الثقافات.

في ضوء كتاباته، يمكننا أن نلخص فلسفته التربوية في مجال العقيدة التربوية كما يلي:

  1. أكد جون ديوي أن التربية الفاعلة تشجع الأفراد على المشاركة في الإدراك الاجتماعي للجنس البشري.
  2. اعتبر ديوي أن المدرسة عبارة عن مؤسسة اجتماعية ويجب أن تشجع الطلاب على المشاركة بالحياة الاجتماعية.
  3. أكد ديوي أن حياة الأطفال الاجتماعية تعتبر أساس أنشطتهم التعليمية.
  4. اعتبر ديوي أن أسلوب التعليم ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار نمو قدرات الطفل واهتماماته المختلفة.
  5. أكد ديوي أن التربية هي أساس تقدم وإصلاح المجتمع. كما رأى أن الخبرات الفردية مصدر مهم للعلوم والقيم على عكس المدارس المثالية – فاعتبر أن المعرفة والقيم يتغيران فالعقل هو المسؤول عن القرارات المختلفة.

أهم وظائف المدرسة:

  1. تُسهل للطفل معرفة وإدراك ميوله وكيفية تطويره.
  2. تساعد المتعلم على التخلص من عاداته الاجتماعية المذمومة.
  3. تشجع على الانفتاح المتوازن للأطفال لينشؤوا في بيئة متعاونة متكافلة.
  4. تعتبر المدرسة عند ديوي بيئة ديمقراطية تطمح لنشر الديمقراطية بين أفراد المجتمع، والتربية تساهم في بناء المجتمع مع اعتبار الفروقات الفردية للطلاب.

أسس التفكير العلمي:

  1. الحرص على وجود الخبرات اللازمة للطلاب.
  2. ملاحظة المشكلات وحلها عن طريق التفكير.
  3. معاينة المشكلات واستخدام المتعلم أسلوب الحل والربط لحلها.
  4. إيجاد الفرضيات والاحتمالات لحل المشكلات.
  5. فحص الفرضيات واقعياً للتحقق من فاعليتها.

فلسفة ديوي والمنهاج:

نظر ديوي للمناهج التقليدية نظرة سلبية لإيمانه بأن الأساس لوضع أي منهاج يكون بتحقق الأهداف المرجوة منها. ولم يؤيد نظريات علم النفس التي قسمت العقل لأجزاء مثل الخيال، والحكم، والذاكرة، والإدراك.

باء على ذلك اعتبر ديوي العقل كعضو واحد لا يمكن تقسيمه، حيث استثنت المناهج التقليدية المتعلم من تكوينها واعتبرته مجرد وعاء تصب فيه المعرفة.

حسب فلسفة ديوي فإن المواد الدراسية تنظم وفق أنشطة الطفل الخاصة، وليس كما هو شائع قديمًا: المواد الدراسية المرتبطة فقط بالتاريخ والجغرافيا والعلوم، لذا فمنهج ديوي يجمع بين مصطلحي الارتباط والمهن لخدمة الفرد. واعتبر ديوي المتعلم كيانا له أنشطته الخاصة، ولكن وفق الإطار الاجتماعي.

يعتبر ديوي العقل الأساس الاجتماعي، بني من خلاله المجتمع واعتمدت عليه المؤسسات الاجتماعية، لذا يجب رعايته وتغذيته من خلال الإمدادات الاجتماعية، ومن الضروري العناية بتجارب المتعلم الاجتماعية أثناء بناء المنهاج.

يقول ديوي: “إن البداية تتم مع أنشطة الطفل التعبيرية في التعامل مع المواد الاجتماعية الأساسية – الطعام والمأوى والملبس والنماذج المباشرة للتواصل الاجتماعي مثل الكلام والكتابة والقراءة والرسم والنمذجة وما إلى ذلك. في المدرسة الابتدائية يجب تنظيمها وفقًا لمصالح الطفل ذات الأربعة أضعاف في المحادثة والتحقيق والبناء والتعبير الفني”.

نظرت المناهج التقليدية لموضوعات المناهج على أنها معلومات مجردة، ولم تسع لربطها باحتياجات المتعلم الفعلية، أما بالنسبة لديوي فكان ينظر للمنهاج على أنه مربوط بشكل وثيق بخبرة فعلية ويحقق مصلحة ونفعا حقيقيين للمتعلم، ووفق منظره فإن التعليم “إعادة البناء المستمر” من خلال إعادة بناء التجربة السابقة للمتعلم عبر تجربة حالية له.

وتحدث إثارة للتعلم من خلال التجارب الفعلية، ويجب على المنهاج اتباع الأسلوب الديناميكي لا الثابت. وأعطى ديوي أهمية للتفكير التجريدي، بحيث أكد على أهمية أن يقوم المعلم بالتخطيط للمواقف الفصلية بمساعدة تجارب المتعلمين الناضجة.

نظر ديوي للمنهاج على أنه يجب أن يشمل عنصرين أساسين وهما المشاكل التربوية والخبرات، وأكد أن الهدف الأساسي هو إثراء خبرة المتعلم الفعلية من قبله، وبالنسبة للمشاكل الصفية يجب أن تنظم لتضيف للمتعلم الأفكار والمعارف المرجوة.

وأعطى ديوي مفهومًا خاصا للخبرات التربوية، بحيث تكون هذه التجارب التربوية تعطي الاهتمام الأكبر لميول المتعلم الطبيعية استنادًا لظروفه الاجتماعية، والبدنية، والسياسية، والاقتصادية.

ووفقًا لديوي، فإن التجارب التعليمية المميزة تؤدي لرفع خبرة المتعلم، ويصبح لديه القدرة لتعديل خبراته واكتساب خبرات جديدة والتأثير على الخبرات اللاحقة، وتقديم خبرة ثقافية تفيد المعلمين وكتب المنهاج وتنظر لجميع ظروف المتعلم نظرة شاملة متكاملة، إضافةً لذلك فإن المبادئ العامة لبناء المنهاج قد أوصى ديوي بكيفية إعدادها ووضع مقترحا متكاملا لبناء منهج سليم موضوعاته منظمة ومرتبطة الأركان، وتؤخذ هذه الموضوعات من حياة الطالب الشخصية، لذا نجد أن موضوعات منهاج ديوي تربط بين الماضي والحاضر وتخدم الحاضر القريب.

نظر ديوي لربط الموضوعات على أنه يجب أن يتم بصورة طبيعية، وليس كدراسة متميزة. وأولى عناية كبرى بالأنشطة الصناعية وتطورها عبر التاريخ وعلاقتها بالمجتمع وجعل هذه الأنشطة مركزًا للمناهج وتدور حولها بقية الموضوعات الدراسية.

بالنظر لخطة ديوي التعليمية نجدها شاملة للموضوعات الجمالية والأخلاقية والدينية، من أجل الوصول للتطور الشامل المتكامل، واعتبر الفنون شيئا مهما وأساسيا وليس مكملًا للمنهاج أي أنها مهمة في موضوع التنمية. وبالنسبة للجانب الأخلاقي والديني فنظر لهما كأجزاء أساسية لتجارب المتعلم، ولكن ليس من خلال إعطائها وحدات دراسية و موضوعات للاطلاع لا، بل من خلال تضمينها من خلال الخبرات العملية، ويجب على المتعلم أن يتطور من الناحية الأخلاقية لأنها تعمل على ضبط المتعلم في الأحكام والأهداف.

طرق ديوي في التدريس:

تتمحور طرق ديوي في التدريس حول ثلاث عمليات، وهي:

  1. المتابعة النفسية عبر المناهج المدرسية.
  2. اتباع طريقة المشاريع.
  3. زيادة الفرص الاجتماعية.

بالنسبة لهذه العمليات الثلاثة فإن أول عملية طبيعية لذا فهي ضرورية، والنوع الثاني من العمليات يسعى لتطوير المتعلم بشكل فردي، أما بالنسبة للعملية الثالثة فهي ترفع من الوعي الاجتماعي للمتعلم.

يرى ديوي أن التجارب المباشرة التي يقوم بها المتعلم هي أساس لكل الطرق التعليمية، وتحدث المعرفة الحقيقية من خلال الموقف التعليمي الملموس وذي المعنى، بعدها يجب أن تأتي هذه المعرفة عن طريق الأنشطة العفوية لدى الأطفال. يعتمد ديوي في طرق التدريس على مبدأ “التعلم بالممارسة”، وأنشطة الطفل المختلفة التي يمارسها بشكل يومي. ويَعتبر ديوي – في أسلوبه – أن أهم طرق التدريس تأتي من خلال ما يقوم به الطفل من ممارسات يومية.

لقد دافع ديوي على مشروعه – ووضّح طريقة حل مشكلته باعتبار أن مصلحة الطفل تُعدّ أهم الأولويات، و عليه فقد سنّ خمس خطوات  أساسية، و هي:

  1. ينبغي للطالب أن يكون لديه تجارب حقيقية في التدريس.
  2. يجب أن يواجه الطالب مشاكل حقيقية ليساعده على تحفيز تفكيره.
  3. ينبغي أن يحصل الطالب على ملاحظات بشكل دوري حتى يتمكن من حل مشكلاته.
  4. ينبغي أن يتم حل المشكلات التي تواجه الطالب عن طريق جملة الحلول المقترحة له.
  5. يجب على الطالب الحصول على فرص تطبيقية ليتم من خلالها اختبار أفكاره.

كما واجه ديوي نقداً معارضاً لفلسفته، و من أشكال النقد هذه ما يلي:

  1. يركز ديوي على الحواس والأشياء المادية الملموسة وعليه فإنه عزّز أسلوب المنهج العلمي السليم على حساب قدرة العقل على التحليل والاستنتاج.
  2. غرس ديوي فلسفته الإلحادية (Atheistic Philosophy) في التربية فصارت القيم نسبية ومتغيرة.
  3. يواجه ديوي العديد من العقبات في طريقة التعليم – على الرغم من أن أسلوب مشروعه فيه إبداع وكسر للجمود- حيث أن طريقة المشروع تطلب تكاليف مالية و إدارية غير متوفرة في المدارس الأخرى، و عليه فإن بعض الطلاب في المجموعة سيتمكنون من إتمام المشروع و تحقيق الجزء الأكبر منه، فيصعب على الجميع المشاركة في إعداده و تنفيذه، كما يفضل البعض العمل الفردي، في حين أن التربية يجب أن تأخذ الفروق الفردية بعين الاعتبار. ومن العقبات أيضاً أن المواد الدراسية لا تشمل جميع الموضوعات، فتركز على بعض النقاط – ويقع فيها التكرار- وتهمل نقاط أخرى. ويعتبر الناقدون أن أهم عقبة يواجهها ديوي في طريقة مشروعه تكمن في صعوبة قياس مدى فهم واستيعاب الطالب للمادة العلمية المطلوبة خاصة إذا كانت مراحل المشروع كثيرة ومتعددة. بالإضافة إلى صعوبة تقييم مستوى الفائدة المطلوبة لبعض المشاريع التي قد تأخذ وقتاً طويلاً لتنفيذها.
  4. واجه ديوي العديد من الانتقادات عندما اعتبر أن طريقة حل المشكلات أحد أساليب التدريس في المدرسة، وعليه فإن التحديات العملية التي قد تواجه طريقة حل المشكلات تتلخص فيما يلي:
    • يحتاج أسلوب حل المشكلات إلى مدرّسين محترفين مُلمين بمسائل عديدة متنوعة ولديهم ثقافة شاملة و تجارب متجددة، و هذا النوع من المدرسين قليل، و ذلك لعدم اهتمام المدارس التقليدية بهم و قلة امتلاكها للمصادر المتنوعة لتنمية ثقافاتهم و علومهم.
    • الطلاب الذين يسعون للحصول على أعلى درجات العلم والمعرفة و الذين يمتلكون الرغبة في الاستكشاف و الاستجلاء سيكون لهم النصيب الأكبر من فرص التدريس، على عكس الطلاب الذين يحتاجون للعون و المساعدة من المعلم.
    • المدارس التي تمتلك مصادر محدودة ستتمركز أنشطتها داخل أسوار المدرسة فقط.
    • في بعض الأحيان، عند اللجوء لحل بعض المشكلات ينتج عنه المزيد من التساؤلات والمتاهات.
  1. الإفراط في الاهتمام بحرية المتعلم، وليونة المنهاج، والتشجيع -الدائم- على الديمقراطية في القرارات التعليمية، قد يؤثر سلباً على المخرجات النهائية للتعليم والأهداف المطلوبة.

 

بالرغم من الانتقادات التي واجهت ديوي في طريقته، إلا أن فلسفته التربوية احتلت المراتب الأولى على المستوى العالمي، بل وأصبحت هي المنتشرة في معظم النظم التعليمية.
و على الأنظمة التعليمية العربية أن تتطلع إلى أفكار و تجارب الآخرين في المجالات التربوية، و يجب أن يستقر لديها فكرة “أن التربية وليدة مجتمع بعينه”، و لا يمكن تطبيق فكر تربوي – في المجتمعات العربية-  تلقى نجاحاً و قبولاً في مجتمعات أخرى، لأن هذا الفكر نشأ في بيئة مختلفة عن بيئتنا العربية الإسلامية، و لكن يمكننا أن ننتفع بها بعد مطابقتها مع بلادنا العربية من النواحي المادية و المعنوية و بما ينسجم مع الأسس الدينية مما يحقق التقدم و الازدهار للأنظمة التعليمية العربية.

 

 


المراجع العربية:

  • إبراهيم، مصطفى ابراهيم. (1999م). نقد المذاهب المعاصرة. الاسكندرية، دار الوفاء.
  • الخطيب، إبراهيم، والكسواني، مصطفى خليل، وابو حويج، مروان. (2009م). مدخل الى التربية. عمّان: دار قنديل.
  • العاني، وجيهة. (2003م). الفكر التربوي المقارن. عمّان: دار عمّار للنشر والتوزيع.
  • محمد، أحمد علي الحاج. (2002م). فلسفة التربية. عمان: دار المناهج.

المراجع الأجنبية:

  • Hickman, Larry A. John Dewey’s Pragmatic Technology. (1992) Indiana University Press.
  • Hook, S. John Dewey: An Intellectual Portrait (1939)
  • Pring, Richard (2007). John Dewey: Continuum Library of Educational Thought. Continuum. ISBN 0-8264-8403-4.
  • Rockefeller, Stephen. John Dewey: Religious Faith and Democratic Humanism. (1994)[4]. Columbia University Press
  • Rogers, Melvin. The Undiscovered Dewey: Religion, Morality, and the Ethos of Democracy. (2008). Columbia University Press. [5]
  • Roth, Robert J. John Dewey and Self-Realization. (1962). Prentice Hall.
  • Ryan, Alan. John Dewey and the High Tide of American Liberalism. (1995)[6]. W.W. Norton.

المراجع الإلكترونية:

  • http://www.nfaes.net
  • http://www.marefa.org/index.php
  • http://ashahed.blogspot.com

البحث في Google:





عن ياسمين جمال محمود زقوت

مديرة موارد بشرية وشؤون إدارية متخصصة في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، دكتوراه تخصص تكنولوجيا التعليم من الجامعة الإسلامية بغزة.

تعليق واحد

  1. احمد حسن احمد

    مقال جيد يفتقد المقارنه مع الاخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *