الرئيسية » رأي » كورونا والمواطنة الرقمية، الداء والدواء

كورونا والمواطنة الرقمية، الداء والدواء

هل تشكل المواطنة الرقمية الدرع الواقي للأبناء في ظل استخدام كبير للتكنولوجيا؟

كيف ستغير كورونا فكر وثقافة التربويين حول سلامة الأجيال في العالم الرقمي؟

ما ضرورة تطوير جدارات المختصين حول المواطنة الرقمية؟

تغيرت الحياة الاعتيادية بفضائلها وإيجابياتها المتعددة، وكذلك تغير العالم اليوم بتقدمه ورفاهيته وتقنياته وبأفكار المختصين والباحثين، فقد مثَّلت جائحة كورونا أعظم التغييرات وأكثرها أثراً في العشرين عاماً الماضية؛ فأحدثت فجوة كبيرة في كل من دراسات المستشرفين، وخدمات التقنيين، واستراتيجيات وطرائق التدريس. ولا يختلف اثنان أن جيل الإنترنت يرتبط بالتقنيات الرقمية والتكنولوجيا ارتباطاً فطرياً، ولكن مع هذه التغيرات العالمية وتأثيرات كورونا أصبحت ضرورة للأجيال كافة، هذه الأجيال التي نشأت في ظل التكنولوجيا وقد ظهرت التكنولوجيا في حياتها، فأصبحت مرتكزا أساسا للتواصل بين الناس، وأعادت تشكيل كل الكيانات الحياتية (الأسرة، والعمل، والتعليم، والسوق التجاري، وغيرها). وبدأت الأجيال تهتم بأداة العصر الحديث (الإنترنت) بصورة قوية، فظهر الاهتمام بمواقع التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية ومقاطع الفيديو، والموسيقى بأنواعها، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة حوار يتبادل فيها الأفراد موضوعاتهم الحياتية وقضاياهم الاجتماعية، وازداد الأمر في ظل جائحة كورونا بالمناداة للتباعد الاجتماعي. فقد بدأ التربويون في العملية التعليمية بتطبيق استراتيجيات التعلم عن بعد، والمناداة بتطبيق استراتيجيات التعليم الإلكتروني التي نجحت فيه بعض الدول، وأخفقت فيه أخرى. وظهرت العديد من تقنيات وبرامج التعليم الإلكتروني، مما انعكس على كل عناصر العملية التعليمية، فبدأ الاهتمام بالمعلم الرقمي القادر على تحقيق أهدافه التعليمية عبر الشبكات الرقمية، وإعادة النظر في المقررات الدراسية والمحتوى المقدَّم للطلبة، وأدوات التقويم الاعتيادية والانتقال للتقويم الإلكتروني، كما ظهر الاهتمام بالقيادة، وبدأت العناية بإعداد القيادات التربوية الرقمية أو الافتراضية القادرة على إدارة الموارد البشرية عن بعد، وعبر بوابة التعليم الإلكتروني. وقد أصبح في البيئة الأسرية من الضرورة توفير أجهزة رقمية، وإتاحتها للكبار والصغار، إضافة إلى الارتباط الكبير للأطفال بالتكنولوجيا، وقد يصل في بعض الأحيان إلى حد الإدمان للإنترنت. فعند الاستفسار عن استخدام التكنولوجيا لدى أولياء الأمور؛ يقر أحدهم بأن لديها أضرار ولكن لديه غموض وتشتت في طرح حلول أو آليات منطقية للتعامل معها؛ لهذا نجد الحيرة عند طلب استخدام التكنولوجيا من طرف الابن؛ فإما عزله عنها، ويبقى متأخراً عن أقرانه، أو إتاحة استخدامها، وقد يصعب مراقبته، وقد يقع الابن في أحد المشكلات السيئة التي تُحْدثها التكنولوجيا.

فاليوم نعيش في زمن التكنولوجيا، ومع كل مظاهر التحول نحو مجتمعٍ رقميّ، فقد أحدثت هذه التكنولوجيا تغييراً فسيولوجياً في بنية الدماغ البشري، فتغيرت تصورات الأفراد عن العالم، وكذلك تغيرت العادات والتقاليد باستمرار مع مشاهدة أنماط حياتية تختلف مع عاداتنا وتقاليدنا المستنبطة من ديننا الإسلامي، فأعادت التفكير في مفهوم الهوية الوطنية والمواطنة.

وإذا كانت النظرة سليمة للتحول نحو المجتمع الرقمي؛ فإنَّ مسؤولية التربويين والقيادات المختصة تكمن في تشجيع الأفراد على استخدام التكنولوجيا دون إحداث الضرر، والحث على استخدامها بصورة حسنة وذكية، وهذا ما طرحته المواطنة الرقمية التي تنادي بها المؤسسات التربوية المعنية إقليمياً وعالمياً، ذلك المفهوم الذي يبحث في الاستخدام الآمن والملائم للتكنولوجيا، ويعزز الوعي بالقضايا المتعلقة بالتكنولوجيا، فهو يهدف لتشكيل سياسة وقائية من مخاطر قد تحدثها التكنولوجيا، وتحفيزية لاستخدامها بالصورة الإيجابية.

فلا شك أن التكنولوجيا شكَّلت شغفاً كبيراً لدى الأفراد في المجتمع نحو الانفتاح الخارجي، والإقبال على أنماط الحياة الغربية، والتأثر بالمفاهيم والقيم والاتجاهات الدخيلة على ثقافة المجتمع الأصيلة. فالتلاقح الثقافي والفكري الذي تتيحه لم يكن بكليته إيجابياً، ولم تكن يوماً الحرية المطلقة للأفراد في استخدام التكنولوجيا صحية. فمع سهولة الحصول على الأفلام والمقاطع المتعددة، وفي ظل الانتشار الكبير لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، تم تسجيل العديد من المشكلات الجسام التي نتجت عن الاستخدام السيء للتكنولوجيا، منها ما يتعلق بالجانب الاجتماعي: كالانحراف الأخلاقي، وفقد الولاء، والانتماء والتطرف الفكري، وشيوع القيم السلبية والهدامة، ومنها ما يتعلق بالجانب الصحي والنفسي، مثل: مشكلات العظام والعيون، وآلام العضلات والمفاصل، ومشكلات تتعلق بالجانب النفسي، مثل: التوحد والعزلة الاجتماعية، وإدمان الإنترنت، وظهور المخدرات الرقمية، ومظاهر التنمر الإلكتروني بأشكاله، والعزلة والتوتر العصبي، وفقدان التركيز، ومنها ما يتعلق بالجوانب الشخصية، مثل: سرقة كلمات السر وسرقة الحسابات البنكية والاحتيال، كما ظهرت مشكلات عديدة في السرقات العلمية بأشكالها.

لهذا فالمواطنة الرقمية تفرض نفسها بقوة لتشكل الدرع الحامي للأبناء في ظل استخدام كبير للتكنولوجيا، ذلك المفهوم الذي يتضمن عدة أبعاد. فهو لم يقتصر على جانب محدد كالتوعية بالأضرار الجسمية؛ بل يمتد ليسهم في المجالات كافة أو المحاور المهمة في العالم الرقمي، فنتحدث عن الوصول الرقمي (الوفرة والإتاحة للجميع)، والتجارة الرقمية (البيع والشراء)، والثقافة الرقمية (مهارات الاستخدام)، والاتصال الرقمي (التبادل الإلكتروني)، والصحة الرقمية (سلامة الجسد والنفس)، والسلوك الرقمي (الاتيكيت واللياقة)، والقوانين الرقمية (المسؤولية الاجتماعية)، والحقوق والواجبات الرقمية، والأمن الرقمي (السلامة الأمنية).

فهي لازمة للمعرفة والتعليم وتعزيز القيم والمسؤولية الاجتماعية في العالم الرقمي. وفي هذا الصدد، شارك الكاتب ضمن فريق عمل في وزارة التربية والتعليم بإعداد مقرر دراسي حول المواطنة الرقمية بعنوان (كن واعياً) والذي نحن في أمس الحاجة له في ظل المناداة بالتعليم الإلكتروني، وانشغال الكبار والصغار بالتكنولوجيا.

وعند تقصي آراء بعض الطلبة في مدارس التعليم العام حول استخدام التكنولوجيا واستثمارها في التعليم الإلكتروني، وجدنا آراء متباينة في الاستخدام، فمنهم من طرح التبادل المعرفي والمشاركة مع زملائه في توظيف تقنيات متعددة كالفيديو ودمج الصور والبرامج التعليمية، وآخرون طرحوا آلية الإفادة لأصدقائهم في الصفوف الافتراضية، وطرق احترام الآخر عبر العالم الرقمي.

خلاصة الأمر أنَّنا لا نستطيع مراقبة أبنائنا طوال الوقت، كما أنَّ المراقبة المباشرة قد تحدث فقدانا للثقة بين الفرد وأهله، وضعفا في تشكيل الشخصية. ولأنَّنا نريد النشأة السليمة والقويمة للأبناء؛ وصولاً لمجتمع متماسك ومتناغم، فإنَّنا سنبحث سوياً على إجراءات تعليم وتعزيز مفاهيم المواطنة الرقمية، وبهذا فالكل مسؤول عن ذلك، وخاصة واضعي السياسات التربوية، بحيث يجب إعادة النظر في المقررات الدراسية  لكي تتضمن موضوعات تعزز مفاهيم وقيم المواطنة الرقمية مع النظر للأنشطة الطلابية، مع تأطير المعلم ليكون قادراً على تحقيق تلك الأهداف المنشودة.

البحث في Google:






كاتب المقال

د. منير حسن شقورة  
كتب ما مجموعه 1 مقالات اضغط هنا لقراءتها

أستاذ أصول التربية والإدارة التربوية المساعد- محاضر غير متفرغ في الجامعات الفلسطينية- مشارك في إعداد وتحكيم جوائز التميز التربوية في البيئة المحلية والإقليمية- مدرب معتمد في عدة مجالات منها: المواطنة الرقمية- إدارة التميز- الجدارات القيادية.





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *