المتتابعات في القرآن الكريم

لغة القرآن ورؤيته للعالم : من العمارة الإلهية إلى الهوية الجامعة للمجتمعات والأوطان

الكلمة ليست مجرد حروف

الكلمات ليست محايدة، ولا المفاهيم عابرة، كل لفظ يولد في سياق، وينمو داخل نسق معرفي، فيتحول مع الزمن إلى سجلّ للعقل ومرآة للوعي، ولذلك كان إهمال المفاهيم إهمالًا للعقل ذاته، وقد نبّه القرآن منذ نزوله إلى خطورة الألفاظ ودلالاتها، فنهى عن بعض الألفاظ لأنها تحمل أنساقًا لا تنسجم مع مقاصده، كما في قوله تعالى: ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ ‌رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ ﵞ البقرة، القضية ليست في اللفظ وحده، بل في النظام المعرفي الذي يحمله.

اللغة وصناعة الواقع

الواقع يبدأ من اللسان لا من الخارج، للكلمة ثلاثة مراتب في الوجود: وجود في اللسان، ووجود في الأذهان، ووجود في الأعيان، الوجود اللفظي هو أول ما يثبّت الكلمة في عالم البيان، ثم تتحول إلى وجود ذهني حين تستقر كمفهوم في الوعي، ثم تصبح وجودًا عينيًا حين تنعكس في الواقع المعيش، وفي التربية، لا بد أن يسبق الوجود في الأذهان الوجود في الأعيان، نصوغ المفاهيم أولًا، ثم نسطرها في مناهجنا، فيقرؤها طلابنا حتى الصغار، ليملؤوها بالمعنى على مدار حياتهم، فاللغة ليست مجرد مرآة للواقع، بل قوة تبني الواقع وتوجّه مساره.

لغة تتجاوز حدود اللغة

القرآن نزل بلسان عربي مبين، لكنه تجاوز حدود اللغة العربية كما هي جهاز للألفاظ والقواعد، فقد أنشأ مستوى جديدًا من الإنجاز الدلالي يجعل الألفاظ كيانات حيّة تتجدد مع كل عصر، ومن هنا فإن لغة القرآن ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل نظام معرفي يربط بين المجتمعات والأوطان، ويحفظ خصوصياتها، ويضعها في إطار جامع.

عمارة حيّة لا تبلى

المفاهيم القرآنية جزء من عمارة إلهية نابضة بالحركة والتجدد، تشبه حركة الكواكب في أفلاكها، أما العمارة البشرية المحضة فهي محدودة وقد يطويها الزمن، القرآن لا يلغي تنوع المجتمعات والأوطان، بل يحتويه ويوجهه في إطار أوسع، فيتحول التنوع إلى عنصر قوة بدل أن يكون سببًا للتنازع.

المرجعية القرآنية

القرآن أضاف بُعدًا خاصًا للوجود هو الوجود في لسانه؛ أي حين يوظف اللفظ في نسقه الخاص يكتسب حياة جديدة ودلالة مميزة، ومن هنا تتجلى المرجعية القرآنية، إذ تكون هي الأصل الذي نرجع إليه في بناء المفاهيم وفهمها، لا وعاءً نملؤه بإسقاطاتنا، وهذه المرجعية لا تتعارض مع الانتماء الوطني، بل تصونه من الانغلاق والتعصب، وتجعله جزءًا من مهمة الاستخلاف والعمران.

من الاستدعاء إلى الاستيلاد

ثمة فارق بين الاستدعاء الخارجي والانبثاق القرآني، الاستدعاء هو أن نستجلب مفهومًا من خارج النص ونحاول إدخاله فيه، وهذا يفرغ المفهوم من أصالته، أما الاستيلاد فهو أن يولد المفهوم من داخل النص، من سياقه وبنيته ورؤيته للعالم، الاستدعاء إسقاط، والاستيلاد تأسيس. والقرآن لا يقبل أن يكون وعاءً لمعانينا، بل هو منبع المعاني الأصيلة.

الاحتلال المفاهيمي: تعبئة اللفظ القرآني بمعاني ليست أصيلة

من أخطر الظواهر ما يمكن تسميته بالاحتلال المفاهيمي، وهو أن يُستعمل لفظ قرآني ثم يُحمّل بمعانٍ لم يرد بها النص، ومن أوضح الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﵟفَسۡـَٔلُوٓاْ ‌أَهۡلَ ‌ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لا تَعۡلَمُونَ ٤٣ﵞ النحل، فقد وسّع بعضهم مدلول أهل الذكر ليشمل كل أهل التخصص في أي مجال، مع أن المفسرين بيّنوا أن المراد بها أضيق من ذلك، قال ابن عاشور: “ثم أشهد على المشركين بشواهد الأمم الماضية وأقبل عليهم بالخطاب توبيخًا لهم… فهذا احتجاج بأهل الأديان السابقين: أهل الكتب اليهود والنصارى والصابئة. والذكر: كتاب الشريعة.” وقال السعدي: “{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} أي: الكتب السابقة.” يتضح إذن أن المراد أهل الكتب السابقة في سياق الاحتجاج، لا مطلق أهل الاختصاص، أما الرجوع إلى أهل الخبرة في شؤون الحياة فهو مبدأ مشروع تؤيده نصوص أخرى، لكنه لا يُؤسس على هذه الآية، والخلط بينهما مثال بارز على التمعين.

هوية المجتمعات والأوطان والهوية الجامعة

القرآن يمنح كل مجتمع ووطن خصوصيته، لكنه يربطها بمرجعية كبرى، فالهوية الوطنية ليست نقيضًا للهوية الجامعة، بل تجلٍ منها، القرآن لا يدعو إلى ذوبان الهويات ولا إلى انغلاقها بل إلى توازن بين الخصوصية والانتماء المشترك، داخل إطار الاستخلاف والعمران، ومن هنا تبرز الهوية الجامعة للمجتمعات والأوطان باعتبارها الإطار الذي يحتضن الخصوصيات ويمنحها معنى مشتركًا.

مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية

وفي هذا السياق تبرز الجهود التي يقوم بها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، إذ يعمل على صيانة العربية بوصفها وعاءً للمعرفة ووسيلة لبناء الهوية، وهو يسعى إلى تعزيز حضور العربية في التعليم والبحث والإعلام، وتمكينها من مواكبة العصر وحمل رسالتها الحضارية، إن هذه الجهود امتداد عملي لفكرة المرجعية القرآنية، حيث تُصان المفردات والمفاهيم، وتُحفظ اللغة من الذوبان؛ لتبقى أداة حيّة للتعبير عن الرؤية القرآنية للعالم وعن الهوية الجامعة للمجتمعات والأوطان.

المصطلحات والمفاهيم المركزية

  • النظام القرآني: الإطار الذي تُبنى فيه المفاهيم لغةً ورؤيةً للعالم.
  • المرجعية القرآنية: الأصل الذي تُرد إليه المعاني لفهمها في ضوء القرآن.
  • العمارة الإلهية: البناء القرآني للمفاهيم بما فيه من حياة وتجدد.
  • العمارة اللغوية القرآنية: فن صياغة المفاهيم على نحو يتجاوز الثقافة دون أن يلغيها.
  • الاستدعاء الخارجي: جلب المفهوم من خارج النص ومحاولة تطويعه داخله.
  • الاستيلاد القرآني: توليد المفهوم من النص ذاته عبر سياقه وبنيته.
  • المثال القرآني: الصورة الأصيلة للمفهوم كما أنشأها الوحي.
  • التمثل الإنساني: الصورة التي يكتسبها المفهوم عند فهمه بعيون الثقافة البشرية.
  • الاحتلال المفهومي: تفريغ المفاهيم القرآنية من دلالتها وملؤها بدلالات بشرية.
  • التمعين: إبقاء اللفظ القرآني مع تحميله معاني دخيلة لا يحتملها السياق.
  • اللسان  ->  الأذهان  ->  الأعيان: مراتب صناعة الواقع، مع تأكيد أولوية الذهن.
  • الاستخلاف والعمران: الغاية التي تتحرك فيها المفاهيم والهوية.
  • الهوية الجامعة للمجتمعات والأوطان: إطار يحفظ الخصوصيات ويمنحها معنى مشتركًا.

المراجع والمصادر:

  1. القرآن الكريم
  2. الملف البحثي الأساس (المرجع الرئيس):
    لغة القرآن ورؤيته للعالم: أساس منهجي لبناء المفاهيم – مفهوم التعارف نموذجًا.
    (الملف المرسل: لغة القران_250820_130013.pdf).
  • ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير. (موضع تفسير: النحل 43، الأنبياء 7
  • السعدي، عبد الرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. (موضع تفسير: النحل 43
  • مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية.
    بيانات وبرامج وتقارير منشورة عن أنشطته في خدمة العربية (إصدارات رسمية)

البحث في Google:





عن د.أيمن أصلان

رئيس تنفيذي، مدير تنفيذي سابق لمركز صناعة القيادات، مدير إدارة إستراتيجية سابق، خبير نمذجة تنموية في الوعي الإنساني وتصميم النماذج المعرفية.

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading