الرئيسية » رأي » ماذا أريد من طالبتي أن تعرف ؟
الصحة النفسية المدرسية

ماذا أريد من طالبتي أن تعرف ؟

وأنا أُطالع قائمة بأسماء طالبات فصلي توقفت عند اسم سهي، وتساءلت من هي سهي…..؟ وكيف هو شكلها……؟ ولماذا لا أتذكرها……؟ وأثناء درسي التالي حرصت على معرفتها دون أن أسال، إذن هي هذه الطالبة الرقيقة  الخجولة التي تجلس على مقعدها في وسط الفصل. وبعمل مسح سريع توصلت الى أن هناك أيضاً طالبات أُخريات مجهولات مثل سهي، ولكن لماذا هُنّ مجهولات؟

وفي محاولة الإجابة على هذا السؤال توصلت الى أن هناك عدة عوامل، وهذه العوامل هي في نفسها مؤشرات لعدد من القضايا التربوية الهامة والملحة، فلنستعرض عوامل اللاوجود الصفي والمدرسي لهؤلاء الطالبات لنتبع كل عامل بمناقشة مؤشراته التربوية.

العامل الأول: ضعف التحصيل المعرفي (عدم شمولية التقويم)

هؤلاء الطالبات يشتركن جميعاً في ضعف التحصيل فأحسنهنّ معدلها فوق الوسط بقليل ويفتح هذا السبب الباب واسعاً أمام عدد من التساؤلات وهي:

  • أين نحن من نظرية الذكاءات المتعددة وتفعيلها والاستفادة منها لوضع أدوات ووسائل تقويم شامل؟
  • ولماذا التمسك بالتقويم المدرسي بصورته الحالية والتي هي تقويم للناحية المعرفية فقط وفي أدنى مستوياتها غالباً (مشكلة الإمتحانات)؟

فالتقويم الشامل يجب ألا يقتصر على الجانب المعرفي فقط، فلا مجال للأنشطة ودمجها في نتيجة التقويم، فالأنشطة التربوية يجب أن تحتل مكانتها في العملية التعليمية – التعلمية، يساعد على ذلك وجود خطة يسترشد بها المعلم ويساعد على ضوئها طلابه في اختيار مجالات الأنشطة التى يمكن أن تتنوع حسب مقدرات الطلاب، فالطلاب مرتفعو التحصيل يمكن أن تكون في العلوم والرياضيات، مع وضع برنامج لعلاج عيوب القراءة والكتابة باللغة العربية والاستماع والتحدث باللغات الأجنبية للطلاب ضعاف التحصيل، على أن تكون هذه البرامج موزعة على مدار الفصل الدراسي، وبذلك يمكن أن يكتسب التقويم صفة “التقويم الشامل”.

إذن وبمقياس التحصيل المعرفي فقط، اعُتبرت سهى ومن مثلها فاشلات وفقاً لهذا النظام، على الرغم من أنهن وبمقياس الانضباط المدرسي والسلوكي يعتبرن نماذج مشرفة فلم تُسجل لأي منهنّ مخالفة للضوابط أو اللوائح المدرسية.

العامل الثاني: ضعف تقدير الذات لدى هؤلاء الطالبات

وهذا ناتج عن  تصنيفهنّ ضمن طالبات الصف المتميز ( الفصل النموذجي) المُعتمد من إدارة التعليم، وهو تصنيف يتم بناء على تحصيل الطالب في نهاية المرحلة الأساسية قبل الانتقال إلى المرحلة الثانوية:

فأين يقع تصنيفنا المعتمد من أنواع تصنيف الطلاب؟ وهل هناك ما هو أفضل؟

وبرحلة بحث عن إجابة عبر عالم المعلومات والمصادر ذات الصلة توصلت إلى أنواع  تصنيفات الطلاب الآتية:

  • التصنيف طويل الأمد: حيث يتم تقسيم جميع الطلاب إلى فصول دراسية حسب تقدير الإنجاز المدرسي إلى طلاب متفوقين أو (نموذجيين) وإلى طلاب فوق المتوسط، وطلاب أقل من المتوسط (عادي)، ويحضر الطلاب الحصص الدراسية الأكاديمية مع طلاب يساوونهم في الإنجاز الأكاديمي العام، وهو تصنيف يستمر طول المرحلة الدراسية ولا يُعاد النظر فيه حتى وإن تغير المعيار المعتمد للتصنيف سواء أكانت النسبة أو المجموع أو الترتيب.
  • التصنيف متوسط الأمد (ما بعد التقويم النهائي): حيث يتم التصنيف إلى “ضعاف التحصيل – متوسطي التحصيل – مرتفعي التحصيل”، وفقاً لملاحظة المعلمين لأداء الطلاب ونتائجهم خلال العام السابق، والغرض من هذا التصنيف هو المساعدة على وضع خطة تعلم لكل مجموعة من المجموعات الثلاث كلٍ على حدة، وكمثال يمكن أن يكون ذلك بتخصيص حصة إضافية بعد انتهاء اليوم الدراسي لمعالجة صعوبات التعلم لدى مجموعة الطلاب ضعاف التحصيل وغيرها من المعالجات والبرامج.
  • التصنيف قصير الأمد (تصنيف من داخل الفصل الدراسي): ويقوم على تقسيم المجموعات التي تتشكل بطريقة غير رسمية داخل الفصل الدراسي الواحد وعادة ما يكون الإلحاق بمجموعة القدرات قصير الأمد ولا يستمر أبدًا لفترة أطول من سنة دارسية كاملة، ويمكن أن يختلف التقسيم باختلاف المادة، كما يمكن تغيير ذلك في أي وقت، فعلى سبيل المثال يمكن أن يقسم المدرس الفصل التعليمي الذي يضم عادةً مزيجًا من الطلاب مختلفي القدرات إلى ثلاث مجموعات من يحتاجون إلى مراجعة المعلومات الأساسية قبل متابعة الشرح، ومن هم مستعدون لتعلم معلومات جديدة، ومن هم بحاجة إلى واجب يبعث على التحدي، وفي الدرس القادم قد يعيد المعلم تقسيم الطلاب إلى مجموعات مختلفة، حسب ما يسجله الطالب من التقدم نحو الهدف .
  • تصنيف تحديد المادة الدراسية: ويقوم على تقسيم المجموعات المتقدمة أكاديميًا لدراسة مواد محددة مثل الرياضيات الأكثر تقدمًا، والمزيد من اللغات الأجنبية والآداب، بينما يُدرس الطلاب في المجموعات الأكاديمية الأقل مستوى المهارات المهنية مثل الكتابة على الآلات الكاتبة أو المهارات الفنية مثل التشكيل وغيرها.

وبعد استعراض النماذج المعتمدة لتنصنيف الطلاب يتضح أن سياستنا التعليمية تعتمد التصنيف طويل الأمد الذي يستمر فترة المرحلة الثانوية كاملة، وهي ثلاث سنوات، وحسب هذا التصنيف صُنفت سهى ضمن الطالبات النموذجيات، ومن الواضح أن سهى وشبيهاتها بمقياس تحصليهنّ الحالي وبعد مضي السنة الأولى من هذا التصنيف أصبحن يحتجن إلى إعادة تصنيفهنّ، فتحصيلهنّ المعرفي أعلى من المتوسط بقليل لأحسنهنّ، إذن وجودهنّ في صف المتفوقات هو سبب ضعف تقدير الذات لديهنّ  وهذا ايضاً يفتح الباب لطرح عدة أسئلة من أهمها الآتي:

ما مدى دقة معيار تصنيف الطلاب طويل الأمد؟

ولماذا لا تتبع الطرق الأفضل في التصنيف الذي تتعدد أنظمته؟

ولماذا لا يُعاد التصنيف الطلاب إذا ثبت فشله أو ترتبت عليه مشاكل واضحة؟

إن التصنيف بنتائج نهاية المرحلة الدراسية كأساس للمرحلة التالية يغفل عن الكثير من العوامل التى قد تكون سبباً في تدني التحصيل، فعند الانتقال من مرحلة إلى اُخرى قد تستجد العديد من العوامل التى تؤثر على التحصيل المعرفي منها اختلاف المقررات الدراسية، تغير البيئة المدرسية، المرحلة العمرية وتبعاتها من متغيرات واهتمامات.

ويترتب على عدم دقة هذا التصنيف ضغط نفسي للطلاب العاديين الموجودين في صفوف الطلاب الموهوبين فليجؤون إلى الانزواء أو افتعال المشكلات التي قد يتخذونها للتعبير عن وجودهم.

العامل الثالث: عدد طلاب الفصل الواحد

عدد طالبات صف سهى 52 طالبة، وبالتالي فهو يفوق بكثير السعة التي يمكن أن تساعد المعلم على متابعة جيدة لطلابه، فكلما قل عدد طلاب الصف زادت متابعة المعلم وتميزت نوعيتها، لتشمل كل النواحي داخل الصف وخارجه أيضا، والعكس صحيح بتزايد العدد، فحتى ولو حاول المعلم فلن يستطيع التحكم بجودة هذه المتابعة.

إن مشكلة اكتظاظ الفصول الدراسية قد برزت في كثير من الدراسات وفي وسائط الإعلام  ومانشيتات الصحف حيث طالعتنا العديد منها بعناويين مثل:

التكدس يعوق جودة الأداء ويعرقل المتابعة الشاملة.

وعنوان آخر: المدارس تحلم بعدد مثالي للطلاب في الفصول.

وآخر: تكدس الطلاب في المدارس يهدد الحركة التعليمية.

وآخر: ازدحام الفصول الدراسية ……. الطلاب في مأزق الفهم.

وهي عناوين لاستطلاعات شملت المعلمين وأولياء الأمور و حتى الطلاب، مستفسرة عن المشاكل المترتبة على اكتظاظ الفصول الدراسية، وقد اتفقت الآراء على أن العدد الأمثل لطلاب الفصل الواحد يجب ألا يتجاوز 20 – 25 طالب وأن الزيادة عن هذا العدد يترتب عليها العديد من المشكلات ومنها:

  • كثرة أعداد الطلبة في الصف الواحد تعيق العملية التعليمية بشكل أساسي إذ تؤثر على أداء المعلم وقدرته على المتابعة والشرح ولا تتاح الفرصة للمعلم والطالب للعمل معاً، أو استيفاء احتياجات كل طالب على حدة أوتشجيع التقدم الدراسي.
  • كما يصعب علي المعلم السيطرة على الطلبة، لذا فإن غالبية الفصول التي تتسم بالكثافة تعاني من حالة فوضى وشغب دائمين ويعجز الطالب عن التركيز مع المعلم بسبب كم الطلاب وتحركاتهم ومشاركتهم الجماعية.
  • بعض الفصول بحد ذاتها مصممة بشكل لا يتناسب وعدد الطلاب إذ تجد مقاعد الطلبة وقد شارفت على الوصول إلى السبورة.
  • كما أن الكثافة لا تؤثر في الأداء ومستوى التحصيل فقط بل ينسحب الأمر أيضا إلى الجانب الصحي حيث يصعب التنفس في فصل تتكدس فيه أجساد الطلبة خاصة أولئك الذين يعانون من حالات ضيق التنفس ومرض الربو خاصة في الفصول المغلقة مثل غرف الحاسوب .
  • التخصصات ذات الصبغة العملية مثل التربية الموسيقية، تتأثر بكثافة الفصل فمعلمها لا يمكنه أن يعلم الطلبة على آلة موسيقية معينة إذا كان العدد كبيراً، وينسحب القول على الرياضة فمعلمها لا يستطيع أن يطور من أداء الطلبة إذا كان العدد يفوق طاقته.
  • يتأثر أداء المعلم داخل الفصل ويقل تركيزه على الطالب سواء كان طالبا مميزاً أو أقل في المستوى، ما ينتج عنه طالب غير مبال، وفي ذلك أيضاً تشجيع  على عدم الانتظام الدراسي والتغيب أو التسرب، وارتفاع نسب الرسوب.
  • بعض المقررات مثل مقرر اللغة الإنجليزية تركز على إظهار المهارات الفردية للطالب، وهذا يستدعي من المعلم متابعة فردية لكل طالب لسماع طريقة النطق، وهذا يصعب تحقيقه في ظل الكثافة الطلابية العالية.
  • صعوبة حركة المعلم داخل الفصل خاصة مع تعدد الوسائل التكنولوجية التي تأخذ مساحة والتي لا غنى عنها كجهاز الحاسب الآلي والتلفاز والوسائل التعليمية المختلفة، مما يستلزم بأن يكون عدد الطلاب أقل.
  • بعض الواجبات مثل كتابة التقارير والبحوث تحتاج الوقت والجهد لتقويمها وإرشاد الطلاب والتأكيد على إيجابيات عملهم وتصحيح السلبيات، فإذا أردنا أن نطبق كل هذه الأمور في وقت الحصة، فلن يشمل التطبيق أو يتم التركيز على كل الطلاب بنفس المستوى.
  • صعوبة تطبيق بعض طرق التدريس الحديثة مثل التعلم التعاوني الذي يعتمد على المجموعات وتنقل المعلم والطلاب داخل الفصل، ويصعُب ذلك مع عدد كبير من الطلاب، ويُفتقد بالتالي الإبداع في طرق التدريس أو اعتماد المسابقات التشجيعية وغيرها بسبب كم الطلاب وضيق الصف الدراسي.
  • قد لا يميز المعلم مستوى الطلاب إلا من خلال نتائجهم في الاختبارات والامتحانات النهائية وليس من خلال مقياس المشاركة والتفاعل أثناء الدرس، ويترتب على ذلك تراكم الأخطاء وفوات الأوان للمعالجة المطلوبة في الوقت المناسب وقبل الانتقال لمهمة تعليمية تالية.

ختاماً …. ماذا أريد من طالبتي أن تعرف ؟

أريدها أن تعرف أني لم أسق هذه العوامل كمبررات لتقصيري تجاهها، ولكن لزيادة وعيي بها والعمل الجاد على حل المعوقات التى تحول دون تعرفي على طلابي وتقديم المساعدة والإرشاد والدعم الإنساني لهم، دون التركيز على المتمييزين تحصيلياً فقط، لأننا نخطئ حين نقصر النجاح والتميز على الجانب الأكاديمي، فهناك الكثير من الطلاب الرائعين الذين نحتاج للتعرف عليهم لإنارة دواخلنا الإنسانية.

 


المراجع :

1/ جريدة الرياض

عنوان الموضوع :إزدحام الفصول الدراسية … الطلاب في مازق الفهم، غزيل العتبى

http://www.alriyadh.com/587151  العدد 15519 – 20 ديسمبر 2010

2/ صحيفة البيان الإمارتية

عنوان الموضوع : التكدس يعوق جودة الأداء ويعرقل المتابعة الشاملة   … المدارس تحلم بعدد مثالي للطلاب في الفصول   .

https://www.albayan.ae/

3/ صحيفة المدينة  التاريخ: 11 أبريل 2007

عنوان الموضوع :  تكدس الطلاب في المدارس يهدد الحركة التعليمية – المدينة

https://www.al-madina.com/article/52754

4/ الصحيفة  الاقتصادية http://www.aleqt.com/2008/12/15/article_173775.htm

5/ محرك البحث يمرس

عنوان الموضوع : إزدحام الفصول الدراسية معضلة مزمنة  – محبوب اليوسفيي نشر في صحيفة الجمورية 22/1/2015

https://www.yemeress.com/algomhoriah/2207003

6/ المرجع : صحيفة الأيام الورقية

عنوان الموضوع : زيادة عدد الطلاب في الفصل يرهق المعلم ويضعف تركيز الطالب

العدد 8346 الأربعاء 15 فبراير 2012 الموافق 23 ربيع الأول 1432

https://www.alayam.com/alayam/Variety/139005/News.html

7/ المرجع  : ويكيبديا

عنوان الموضوع  : تصنيف الطلاب وفقا لدرجاتهم

https://ar.wikipedia.org/wiki

8/ صحيفة التعليم

عنوان الموضوع : تكدس الفصول الدراسية يضاعف مشاكل العملية التعليمية

http://saudied.com

9/ العربي الجديد

عنوان الموضوع  : الإكتظاظ يتفاقم في مدارس الجزائر

https://www.alaraby.co.uk/society/

البحث في Google:






كاتب المقال

د. اخلاص محمد عبد الحي  
كتب ما مجموعه 9 مقالات اضغط هنا لقراءتها

مدرسة كيمياء -دكتوراه فى المناهج وطرق التدريس - أستاذ مساعد (متعاون ) جامعة السودان باحث في مجال المناهج وطرق التدريس - مدرب معتمد بوزارة التربية - السودان





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *