استراتيجيات ما وراء المعرفة

ما وراء المعرفة طريقة للارتقاء بالتفكير والمعرفة  

المقدمة

التفكير عنصر أساسي وسمة تميز الإنسان عن الكائنات الأخرى، وهو عملية مستمرة لا تتوقف مرتبطة بالذكاء والقدرات الأخرى، وهو من ركائز البناء العقلي المعرفي للإنسان، ويعد من أعقد العمليات العقلية وأرقاها، له طرائقه وأساليبه ونتاجاته التي تكون على أفضل حالاتها عندما يصطدم الفرد بالمشكلات والمسائل التي تتناسب مع مستوى نموه العقلي.

يتمثل التفكير الإنساني في النشاط العقلي المعرفي، أو العمليات المعرفية والتصورات العقلية للمعلومات، أو التصور الذهني للأحداث والأشياء والأشخاص، والخبرات الماضية والحالية والمتوقعة، بالإضافة إلى تصور العلاقات القائمة أو الممكنة بين هذه الأحداث والأشياء والأشخاص؛ أي أن التفكير يشمل العمليات المعرفية التي تشغل بال الإنسان عندما يتذكر ما تعرض إليه من خبرات، أو عند اكتسابه للمعلومات مهما اختلف مجالها أو مضمونها، سواء كانت في الحياة اليومية العملية، أو متعلقة بمسائل علمية، أو خيالية، أو فنية إبداعية. فضلا عن ذلك يعتمد التفكير على فهم الرموز الصادرة من الآخرين، أو التعبير بالرموز المجردة للآخرين عن المقاصد أو النوايا أو المعاني التي نريد إبلاغهم إياها.

القدرة على التفكير هي أساس القدرة على التعلم واكتساب الخبرات وحل المشكلات واتخاذ القرارات الملائمة لتحقيق التوافق النفسي والاجتماعي، وتحقيق النجاح المهني والاقتصادي، وإحراز التقدم على مستوى المجتمع الإنساني، بل أن هذه القدرة هي أساس تكريم الإنسان.

للقدرة على التفكير الأهمية سابقة الذكر في جل حياة الإنسان ، وفي مراحله التعليمية بصفة خاصة؛ مما جعل علماء النفس المعرفي يهتمون بها خاصة وبما يساعد في تنمية عملياتها، وبما يسهم في تحسين  استخدامها وإدارتها، فنراهم يركزون على ما وراء المعرفة باعتبارها ضالتهم في تحقيق هذا الهدف.

فما هي ما وراء المعرفة؟

تعريف ما وراء المعرفة

تعددت تعريفات ما وراء المعرفة من قبل العلماء وفيما يلي بعض منها:

*أنها التفكير في التفكير وتأملات عن المعرفة، ووعي الفرد بالعمليات المعرفية وميكانيزم التنظيم المستخدم لحل المشكلات.

*معرفة المتعلم بكيف ومتى ولماذا يستخدم إستراتيجية معينة وغيرها لإنجاز مهمة ما. (ليفين)

*وعي المتعلم بالخطوات والاستراتيجيات المتبعة في حل المشكلة. (كوستا)

*المعرفة بكيفية عمل العمليات المعرفية والوعي بالفهم. (بركنس)

*معرفة الفرد الذاتية لما تعلمه أو اكتسبه، ويشمل غالباً عمليات التفكير العليا مثل التقويم والتحليل والتخطيط ومراقبة الأداء. (السرطاوي وآخرون)

نمو ما وراء المعرفة

تعتبر مرحلة الطفولة من أخصب المراحل في مسيرة نماء الإنسان؛ لذا فإن استثمارها في وضع بذور تنمية مهارات وسمات وقدرات الإنسان يعد كسباً له ما بعده من عطاءات جيدة في مسيرته فيما بعد، وفيما يخص نمو ما وراء المعرفة في مرحلة الطفولة فقد كان لعلماء النفس المعرفيين آراء متعددة نجملها في أن الأطفال في عمر الرابعة يبدؤون في فهم الأفعال العقلية مثل: يعرف، يعتقد… (موور، فروو)

أما في المرحلة الابتدائية والمتوسطة  فيبدأ الأطفال في استخدام مستوى مرتفع من لغة ما وراء المعرفة مثل: ( أستنج، أدلل على ذلك، أتوقع، أشك، أقدر، أقر بصفة شيء ما، أفترض) فضلا عن استخدامهم التفكير العلمي والتاريخي (موور، فروو، باسكل).

ويذهب برقينمان إلى تحديد ظهورها بشكل قاطع بقوله: أن الوعي بما وراء المعرفة يظهر في فترة (11 – 12) سنة، وبحسب ما ذكر فإن التدريب على إستراتيجيات ما وراء المعرفة في سن مبكرة من المرحلة الابتدائية، يؤدي الى تحسين القدرة على الفهم للطلاب منذ التأسيس الأول للتعليم. وفي هذا السياق أظهرت بعض البحوث المهتمة بمهارات الفهم القرائي والاستذكار أن القراء الجيدين يستخدمون مهارات ما وراء المعرفة بطرق مختلفة.

ووجد كذلك في بحوث أخرى أن استراتيجيات ما وراء المعرفة تساعد المتعلم على أداء المهام المطلوبة منه، وتعينه على فهم وتنظيم وتنفيذ الإجراءات التي يقوم بها، وحري بالذكر أن الفرد المستخدم لإستراتيجيات ما وراء المعرفة بشكل جيد يوصف بأنه مفكر جيد.

أهمية ما وراء المعرفة في العملية التعليمية

لها أهمية مقدرة في العملية التعليمية؛ لأنها تساهم في تصحيح الأخطاء المفاهيمية للمتعلمين؛ وذلك بمراجعتهم للمفاهيم المكتسبة والتفكير فيها والعمل على تعديلها أو تطويرها، كما تساعد في التحكم في عمليات التفكير وإبعادها عن الانجراف في موضوعات بعيدة عن موضوع التفكير. وفي سياق مهارة القراءة فإن ما وراء المعرفة تسهم في تحسين مهارة القراءة والاستذكار، وذلك من خلال فهم النص وإجراء تعديلات مستمرة لعمليات الاستيعاب، وكذلك تساعد في التنبؤ بالأفكار الرئيسية وتمييزها وتحديدها، كما تعمل كآلية مراقبة مستمرة للقراءة للتأكد من حدوث الفهم للمضي قدما أو تغيير الاستراتيجية المتبناة في حال تعسر الفهم، كما أنها تجعل الفرد واعياً بمستودعات تفكيره ومدى قدرته الذاتية على التعامل مع المواقف التعليمية، ولا يفوتنا أن نبرز دورها وأهميتها في تنمية التفكير الناقد والإبداعي، ومساهمتها الفاعلة في نقل أثر التعلم إلى المواقف التعليمية الجديدة.

مكونات ما وراء المعرفة وتصنيفاتها

أشار فلافيل أن ما وراء المعرفة تتكون من مكونين هما:

المكون الأول: معرفة ما وراء المعرفة

تشمل جزء من المعرفة المكتسبة التي ترتبط بالأشياء السيكولوجية، بالإضافة الى ما تقوم به الذاكرة طويلة المدى (مظهر التفكير الذي يحتوي على المخزن الدائم للأفكار والمعلومات بشكل يجعلها ذات معنى) أضف إلى ذلك تمثيلات الأحداث بحيث يمكن استرجاعها واستخدامها في موضوع معرفي.

المكون الثاني: خبرة ما وراء المعرفة

ويستدل عليها من خلال شعور الفرد المفاجئ بالقلق نتيجة لعدم فهمه شيئاً ما، وتشمل آراء أو معتقدات أو مشاعر تجاه موضوعات معينة.

وحسب رأي كلو أن مكونات ما وراء المعرفة هي:

وعي الفرد، بتفكيره وتفكير الآخرين، والوعي هو الانتباه إلى التطور والتغيرات التي تطرأ على التفكير.

التنظيم التنفيذي: يشير إلى تنظيم أو ترتيب العمليات لتصبح أنظمة متكاملة ويشير إلى مدى نجاح الفرد في توزيع مصادره على المهمة الجاري العمل بها، وترتيب الخطوات المتطلبة لها.

المراقبة التنفيذية، وتحدد مدى نجاح الفرد في تحديد المهمة التي يعمل بها ومراجعة خطوات العمل (جمع المعلومات وتنظيمها وتذكرها وتنقيحها أولاً بأول)، مع توقع ما ستكون عليها النتائج.

عمليات ما وراء المعرفة

تشمل ما وراء المعرفة ثلاث عمليات هي:

المراقبة الذاتية: هي مراقبة الاستيعاب، ولابد في البدء أن يتم تحديد أهداف تعليمية معقولة، بعدها يتم ملاحظة التقدم نحو تحقيق الأهداف، وإذا لم تتحقق الأهداف يتحتم الوقوف عند الإستراتيجيات مراجعةً لها أو استبدالا.

التعزيز الذاتي: هي طاقة واتجاه وحوافز تنبع من الداخل مثل الإتقان والكفاية.

التقييم الذاتي: هو الفهم والوصول الى إصدار حكم صائب يأخذ في الاعتبار كل عناصر المشكلة وأبعادها. ويشير إلى عملية أخذ قرار اعتماداً على دقة ومناسبة المعلومات التي تم إدراكها، أو تقييم الفرد لكيفية حدوث التعلم عنده الذي من خلاله يستطيع المتعلم تنمية ما وراء المعرفة والخبرة.

خصائص ما وراء المعرفة

تعبر عن وعي الفرد ودرايته وفهمه لهذه المعرفة المكتسبة، ويشير فلافيل إلى أن خصائص ما وراء المعرفة معظمها تفسيرية وتوضيحية وإجرائية، وحري بالذكر أن اكتساب ما وراء المعرفة بدءاً يسير ببطء إلا أنه يزداد سرعة مع التقدم في العمر مصحوباً بالخبرة في المجال المعرفي.

استراتيجيات ما وراء المعرفة

الاستراتيجية هي سلاسل أهداف موجهة من العمليات التي يؤديها المفحوص بداية من تلقي المثير إلى حدوث الاستجابة. (جان)

الاستراتيجية في المجال التربوي هي استخدام واع لطريقة معينة من أجل الوصول إلى هدف محدد مسبقاً.

الشاهد في الأمر أن استراتيجيات ما وراء المعرفة تستخدم عادةً لضمان أن الهدف قد تحقق، في محاولة من الفرد المستخدم لها لتقييم مدى تحقق الهدف لديه. بيد أنها يمكن أن تسبق النشاط المعرفي، وفي الإمكان أن تليه وفقا لما تحتاجه الحاجة الراهنة آنذاك، فضلاً عن تداخلها أحياناً مع الاستراتيجيات المعرفية.

بعض إستراتيجيات ما وراء المعرفة

إستراتيجية الاستجواب الذاتي (توليد الأسئلة) Questioning self-strategy

إستراتيجية التفكير بصوت مرتفع Thinking aloud

استراتيجية أعرف ما أريد ان أعرف Know want to Know Learned

 


المراجع

الأحمد، امل، وآخرون، (2018)، علم نفس النمو، جامعة دمشق، سوريا.

أحمد، عبدالرحمن ودفع الله، عبدالباقي، علم النفس التربوي، جامعة السودان المفتوحة، السودان.

حلمي، فايزة، (2010)، الإرشاد النفسي، مؤسسة طيبة للنشر والتوزيع، مصر.

عبد الواحد، سليمان، (2011)، قراءات في علم النفس المعرفي، مؤسسة طيبة للنشر والتوزيع، مصر.

عدس، عبد الرحمن، (1998)، علم النفس التربوي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الاردن.

 محمود، عبد الحليم، (2008)، الأسس النفسية لتنمية الشخصية الإيجابية للمسلم المعاصر، إيتراك للطباعة والنشر والتوزيع ، مصر.

Atkinson،R.L،Atkinson،R.Smith.E.E.،Bem ،D.J.and Nolen.Holen.Hoecksema 1999.Hhlgard’s Introduction to psychology،New York  Harcourt College، Pubelisher.

Stemberg،R.J1998.Athree factor model of creativity in;Stemberg،L.J،The Nature of creativity ،Contemporary psychological percpectives cambridge University press pp،125.147.

البحث في Google:





عن د. رويدة حسين أحمد

باحثة حاصلة على دكتوراه في علم النفس التربوي، السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.