هناك دور إيجابيّ للفنون بأنواعها على تعزيزشخصيّة المتلقّي المتكاملة في أبعادها المختلفة: العقل والتّفكير، الرّوح والقلب والإحساس، الإرادة والإبداع!
وعن دور الفنّ نقرأ رأي الفيلسوف سقراط (470 ق. م – 399 ق. م):
“يجب أن يكون الفنّ لخدمة الأخلاق والجمال، ويجب أن يؤدّيَ إلى الخير لا إلى اللذّة الحسّيّة”.
والأدب نوعٌ من أنواع الفنون، فيه المتعة والإثراء، وقد يكون وسيلة علاجيّة يُسهم في إحداث التّوازن النّفسيّ لدى المتلقّي!
وطبعًا، الأدب يتوزّع على عدّة ألوان في النّثر والشّعر، وسأقتصر في هذا المقال على الحكاية الشّعبيّة الّتي حظيت بالدّراسات والأبحاث حول خصائصها ومقوّماتها وتأثيرها على المتلقّين الأطفال والكبار البالغين.
من أبرز خصائص الحكاية الشعبيّة
يكاد يجمع الكثير من الباحثين على أنّ معظم الحكايات الشعبيّة ظهرت عي العصور القديمة في بدايات تاريخ البشريّة، وهي نتاج جماعيّ للشّعب ومؤلّفوها مجهولون، وقد انتقلت تلك الحكايات عبر الأجيال، وكانت تروى شفهيُّا للكبار وللصغار على السواء!
وتعرض الحكاية الشعبيّة غالبًا قضيّة وجوديّة إنسانيّة، وقد تعبّر بطريقة رمزيّة عن توجّهات فلسفيّة أو اجتماعيّة أو دينيّة وغير ذلك.
حبكة الحكاية الشّعبيّة ليست معقّدة، والأحداث فيها تتقدّم سريعة وتتضمّن صراعًا حادًّا بين “الخير” وبين “الشرّ”.
الأشخاص في الحكاية ليسوا متعدّدي الأبعاد، فالشّخصيّة أمّا شريرة أو خيّرة، والشّخصيّة في الحكاية الشّعبيّة ترسم بوضوح وتهمل كلّ التّفاصيل الثّانويّة، والطّفل يسهل عليه التّوحّد بسهولة مع الشّخصيّة الخيّرة البسيطة المباشرة، ويرفض الشّخصيّة الخبيثة السّيّئة.
المكان والزمان في الحكاية الشعبيّة غير محدّدين وغير ثابتين ممّا يجعل الحكاية ذات طابع إنسانيّ عامّ.
قد نجد في الحكاية، أحيانًا، عنصر التّكرار والإعادة في الأحداث والأفعال…
وعادةً نستشفّ من الحكاية العبر والدّروس، وهذا ما يفسّر النّهايات السّعيدة وانتصار الأخيار على الأشرار فيها. (الهيثي 1977) يوسف عبد التواب 1992)
الحكاية الشّعبيّة ملائمة للأطفال وللكبار البالغين، ولكن هناك حكايات لا تصلح للأطفال لما تحتويه من مظاهر العنف والقتل والوحشيّة، أو لإدراجها موضوع الجنس والمجون بصورة لا تلائم الأطفال، وأحيانا لا تصلح الحكايات الشّعبيّة للأطفال بسبب ارتفاع مستوى اللّغة والألفاظ والتّراكيب والتّشبيهات والمجازات فوق قدرة الاستيعاب لدى الأطفال.
الحكاية الشعبيّة كوسيلة للعلاج والشّفاء النّفسيّ
في كتابه الشّهير “التّحليل النّفسيّ للحكايات الشّعبيّة” (ترجمة: طلال حرب) يؤكّد برونو بتلهايم على دور الحكايات الشّعبيّة في تسلية المتلقّي وإمتاعه، وفي كونها تنير للمتلقّي ذاته، وتؤمّن نموَّ شخصيّته (م. ن: 31)، بل قد تستطيع تلك الحكايات أنْ تغيّر شخصيّته، وتطهّر نفسه، وتحرّره من عواطفه ومشاعره السّلبيّة كما حدث للملك شهريار في حكايات “ألف ليلة وليلة”.
فالملك شهريار، بعد خيانة زوجته له (وخيانة زوجة أخيه)، طغى عليه الحقد والكراهيّة، وفَقَد الثّقةَ بالنّساء، فقرّر الانتقام من بنات حواء.
ولتحقيق هذه الرّغبة الجنونيّة الحمقاء، صار يتزوّج كلّ ليلة فتاة عذراء، ثمّ يقتلها عند الفجر كي لا تكون لها فرصة لتخونه!
وهنا تظهر شهرزاد بنت الوزير الّتي قرّرت الزّواج من الملك شهريار وأنْ تضحّي وتخاطر بحياتها علّها تنقذ بنات جنسها من طغيان هذا الملك الّذي يعاني من عقدة الكراهيّة للنّساء بعد أنْ اكتوى بنار الخيانة الزّوجيّة.
أمّا الوسيلة الّتي لجأت إليها شهرزاد فكانت أنْ تروي كلّ ليلة، وعلى امتداد ألف ليلة وليلة، حكاية مشوّقة ممتعة للملك الّذي كان يُعجب كثيرًا بتلك الحكاية، فكان كلّ ليلة يؤجّل قتل شهرزاد ليستمع إلى تتمّة الحكاية الّتي كانت شهرزاد “تقطعها عند لحظة حاسمة، مع الفجر، في اللّيلة التّالية.” (ن. م: 121)
بفضل سرد تلك الحكايات الأخّاذة، وخلال ثلاث سنوات تقريبًا، نجحت شهرزاد في تحرير الملك من “انهياره العميق” وتمّ ترميم شخصيّته المتفكّكة وعلاجه من عقدته القاتلة!
وكانت النّهاية سعيدة حقّقت فيها شهرزاد بحكاياتها “الخلاص” للملك، فقد أصبحت شخصيّته سويّة متكاملة تحرّرت من الحقد والكراهية للنّساء، وعرفت قيمة الحبّ المتبادل للمرأة الوفيّة الحكيمة!
لم تكن عمليّة إعادة الملك شهريار إلى آدميّته/إتسانيّته سهلة وقصيرة، بل استغرقت ألف ليلة وليلة، وبفضل حكايات شهرزاد المشوّقة تمّ انتصار الحبّ، وتحرير الملك من انهياره وعلاجه من عقدته.
ويستعين بتلهايم في تحليله لتأثير حكايات ألف ليلة وليلة على الملك شهريار وشهرزاد بمفاهيم مستمدّة من علم النّفس؛ فالملك الحاقد على النّساء – في أعقاب الخيانة الزّوجيّة – أصبح خاضعًا بصورة مطلقة للميول العدوانيّة وللنّزوات والرّغبات المكبوتة المتمثّلة بما يُعرف ب- (الهو)، وجاءت شهرزاد الّتي تخضع ل – (الأنا) الواقعيّ العارف الحكيم، والمتسلّحة ب – (الأنا الأعلى) – الضّمير والقيم والمُثُل العليا – المتمثّلة في استعدادها للتّضحية بحياتها لإنقاذ الآخرين.
لا غرابة، إذن، أن تزداد في العقود الأخيرة الدّراسات والأبحاث والمساقات حول موضوع العلاج بالنّصوص الأدبيّة!
المراجع:
- إبراهيم، نبيلة (1981). أشكال التّعبير في الأدب الشّعبيّ، مطبعة غريب، القاهرة.
- بتلهايم، برونو – التحليل النفسيّ للحكايات الشعبيّة. ترجمة: طلال حرب. دار المروج للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1985.
- الحديدي، عليّ (1982). في أدب الأطفال. مكتبة الأنجلو المصريّة، القاهرة.
- الهيثي، هادي نعمان (1977). أدب الأطفال، فلسفته، فنونه ووسائطه. الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة.
- يوسف، عبد التواب (1992). الطفل العربي والأدب الشعبيّ، الدار المصريّة اللبنانيّة، القاهرة.
تعليم جديد أخبار و أفكار تقنيات التعليم
