السياسة التربوية في غزة خلال مرحلة التعافي: هل هي محاولة لاستعادة “النظام القديم” أم فرصة لثورة إدارية وفلسفية شاملة؟

المقدمة:

​بينما تتركز أنظار العالم على إحصاء الركام وترميم الفصول الدراسية في قطاع غزة، يبرز تساؤل : هل تدير السياسة التربوية في مرحلة التعافي عملية عودة إلى الماضي، أم أنها تؤسس لولادة نظام تربوي جديد؟ إن التعليم في غزة اليوم ليس مجرد استئناف للتدريس، بل هو تجسيد لـ “التعليم كفعل تحرر” (Freire, 1970)، حيث تصبح المدرسة فضاءً لتعزيز “الوكالة البشرية” لدى الطالب والمعلم لمواجهة محاولات والارتهان.

​المحور الأول: سياق السياسة التربوية

​تتأرجح السياسة التربوية في غزة بين الاستجابة اللحظية والرؤية الاستراتيجية. يشير (النجار، 2023) إلى أن غياب الإطار التنبئي جعل من الاستجابة فعلاً اضطرارياً يركز على “الكم” على حساب “النوع”. ومع ذلك، يبرز خطر ما يمكن تسميته “رأسمالية الكوارث التعليمية”؛ حيث يرى (Miller & Shah, 2024) أن الاعتماد المفرط على المعونات التقنية الدولية قد يفرض نماذج “نيوليبرالية” تفرغ التعليم من محتواه الوطني والسيادي لصالح مهارات تقنية مجردة. لذا، تتطلب المرحلة تبني “دبلوماسية تربوية” تحمي الهوية، وتنتقل من مجرد المرونة التقليدية إلى مرونة جديدة تحطم الهياكل البيروقراطية التي أثبتت عجزها أمام الأزمة (Bush, 2020).

​المحور الثاني: معضلة “النظام القديم”

​إن محاولة استعادة البيروقراطية المركزية تصطدم بواقع “اللامركزية القسرية”. يحلل (عقل، 2024) هذا الجمود موضحاً أن الهياكل التقليدية لم تكن مصممة للعمل في بيئة منعدمة المقومات. وهنا يبرز التناقض الفلسفي:

​النظام القديم: يسعى لفرض جداول زمنية واختبارات معيارية وسط الركام، متمسكاً بـ “المعيارية” كأداة للضبط (UNESCO, 2023).

​الواقع الجديد: يفرض “المعرفة العملية”؛ حيث يمتلك المعلم الذي أدار فصلاً في خيمة نزوح “سلطة معرفية” تتجاوز سلطة واضع المنهاج التقليدي. إنها “بيداغوجيا الصمود” التي تجعل من المعلم صانع سياسة لا مجرد منفذ.

​المحور الثالث: “الثورة الإدارية المنشودة”

​تعد “المرونة الإدارية” فلسفة بقاء لا خياراً تنظيمياً. يقترح (O’Sullivan, 2022) منح الاستقلالية الكاملة لمديري المدارس للتكيف مع المتغيرات. وفي سياق غزة، يجب أن تتحول الرقمنة من “أداة إنقاذ” تقنية إلى “سيادة معرفية” (حجازي وشعث، 2023)، تتحرر فيها المنظومة من قيود الاحتلال الجغرافية.

إن الثورة المنشودة تتطلب الانتقال من “الهرمية الإدارية” إلى “الحوكمة التشاركية”، حيث تصبح المدرسة “وحدة إدارية وسيادية” مستقلة، تمتلك الحق في تكييف المناهج لتلبية الاحتياجات النفسية والوطنية، بعيداً عن انتظار “التعميم الوزاري” الذي قد لا يصل في ظل تقطع الأوصال.

​الخلاصة والتوصيات:

​إن استعادة “النظام القديم” بجموده وأدواته التقليدية هي خيانة معرفية لجيل استقى من واقع اللجوء علوماً لا تحويها الكتب. لذا يوصي هذا المقال بـ:

1-​تشريع “اللامركزية السيادية”: تحويل المدارس إلى “عناقيد تعليمية” تتمتع بصلاحيات مالية وإدارية واسعة.

2-​إقرار “التعليم الهجين الوطني”: بناء منصات تعليمية لا ترتهن للخوادم أو الأجندات الخارجية لضمان استمرارية المعرفة تحت أي ظرف.

3-​إدارة ما بعد الصدمة: جعل “الرعاية النفسية” و”تعزيز الصمود” معايير أساسية لتقييم نجاح السياسة التربوية، وليست مجرد أنشطة ثانوية.

4-​تفعيل الوكالة البشرية: إعادة تصميم برامج إعداد المعلمين لترسيخ دورهم كـ “قادة مجتمعيين” ومبتكرين للحلول التربوية في بيئات الصراع.

الخاتمة:

في الختام، إن السياسة التربوية في غزة خلال مرحلة التعافي ليست مجرد “خطة طوارئ” تقنية، بل هي اختبار أخلاقي ومعرفي لقدرة المنظومة على قراءة الواقع بذكاء فلسفي. إن أي محاولة لترميم “النظام القديم” ببيروقراطيته الهرمية وأدواته التقليدية، ستكون بمثابة إغفال للدروس العميقة التي سُطرت في “مدارس الخيام” وتحت وطأة الصراع.

إن غزة اليوم لا تحتاج إلى مجرد مدارس، بل إلى “حواضن سيادية” تحول المعاناة إلى طاقة إنتاجية، والمعلم من موظف إجرائي إلى “مهندس للمجال العام”. إن الثورة الإدارية والفلسفية المنشودة تبدأ من الإيمان بأن التعليم في سياق التحرر ليس “إيداعاً” للمعلومات، بل هو ممارسة للحرية، وصناعة للأمل فوق الركام. إن اختيارنا اليوم بين “العودة” أو “الولادة” هو الذي سيحدد ملامح الهوية المعرفية للأجيال القادمة؛ فإما نظام يكرر الماضي، وإما نظام يصنع المستقبل بوعيٍ متجاوزٍ للأزمة.

​المراجع:

​أولاً: المراجع العربية

​حجازي، محمد، وشعث، رامي. (2023). التحول الرقمي في التعليم الفلسطيني: التحديات والفرص الاستراتيجية. مجلة الدراسات التربوية والنفسية، 17(2)، 45-68.

​عقل، محمود. (2024). نقد البيروقراطية التعليمية في أوقات الصراع: دراسة تطبيقية على قطاع غزة. منشورات جامعة القدس، رام الله.

​النجار، سمير. (2023). إدارة الأزمات في المؤسسات التربوية الفلسطينية: رؤية فلسفية وإدارية. دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان.

​ثانياً: المراجع الأجنبية

​Bush, T. (2020). Theories of Educational Management and Leadership (5th ed.). SAGE Publications.

​Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. Herder and Herder.

​Miller, A., & Shah, R. (2024). The Geopolitics of Educational Aid in Conflict Zones: Decolonizing the Response. Journal of Comparative Education, 50(1), 112-130.

​O’Sullivan, K. (2022). Agile Management in Post-Crisis Education Systems. International Journal of Educational Leadership, 14(3), 201-219.

​UNESCO. (2023). Education Under Attack: Global Report on Palestinian Territory. UNESCO Publishing.

البحث في Google:





عن دعاء رمضان أبو لبدة

باحثة بدرجة الدكتوراه في برنامج فلسفة الإدارة التربوية المشترك بين الجامعة الإسلامية و جامعة الأقصى - غزة - فلسطين

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading