الإصلاح التربوي التعلم المرئي

هل تعليم أطفالنا في خطر؟ التعليم في غزة بين مطرقة العدوان وسندان التمويل

في قطاع غزة، لا يشبه التعليم أي تجربة تعليمية أخرى في العالم، لا من حيث الوظيفة ولا من حيث الأثر؛ فهنا في غزة الصمود، لا تمثل المدرسة مجرد مؤسسة خدمية، بل مساحة أمل في واقع شديد القسوة، وامتداداً لفكرة البقاء. كم من الآباء ناموا جوعى، ليجد طفلهم صباحاً قلماً ودفتراً يرافقه إلى المدرسة.

التعليم في غزة ليس مساراً مهنياً تقليدياً، بل فلسفة وجودية، واستراتيجية صمود، وأداة لمجابهة واقع مثقل بالألم، ونافذة شبه وحيدة نحو مستقبل أكثر احتمالاً في ظل حصار خانق واعتداءات متلاحقة. لذلك، لا يمكن اختزال ما يتعرض له النظام التعليمي في كونه قطاعًا خدميًا أصابه العطب بفعل العدوان، بل ينبغي قراءته ضمن سياق أوسع من الهشاشة البنيوية والضغط المزمن الذي يطال أحد أهم مقومات البقاء.

اليوم، يبدو التعليم محاصرًا بين مطرقة العدوان الذي يربك انتظامه ويقوض استقراره، وسندان منظومة تمويل دولية تتسم بعدم الاستقرار والهشاشة. هذا الواقع المرير يفرض تساؤلات تتجاوز الشأن التعليمي ذاته، لتلامس جوهر فكرة الحق في التعليم ومعناها الفعلي.

وفي خضم هذا المشهد، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل تعليم أطفال غزة في خطر؟

 أولاً: مطرقة العدوان: دمار مادي واغتيال للعقول

في غزة، لا تمثل المدرسة مجرد جدران وسقف، بل مساحة أمل وشعور نادر بالثبات. كثير من الأطفال لا يحلمون بالشهادات أو المهن المستقبلية، بل بفصل دراسي مستقر، ولوحة وسبورة، ومقاعد تحفظ شيئاً من الإيقاع الطبيعي للحياة المدرسية، ومع كل تصعيد عسكري، تتبدل هذه الصورة إلى ركام، تُغلق المدارس، وتتحول الفصول إلى مراكز إيواء مكتظة، حيث تحل ضرورات البقاء محل الدروس والتفاعل الاجتماعي.

تشير تقديرات أممية حديثة إلى حجم واسع من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية التعليمية في القطاع (UN OCHA, 2024؛ UNESCO, 2024). غير أن الخسارة لا تقاس بعدد المباني المتضررة فقط، بل بتآكل ما يمكن تسميته الذاكرة التربوية للمجتمع، فكل مدرسة لم تكن مجرد موقع للتعلم، بل مركزًا للحياة الاجتماعية والثقافية، ومساحة لتراكم الخبرات والعلاقات.

إن استشهاد الطلبة والمعلمين لا يمثل فقدانًا بشريًا فحسب، بل فجوة معرفية عميقة يصعب تعويضها، كل معلم يُفقد هو خبرة تربوية متراكمة تضيع، وكل طالب يُقتل هو حلم تم وأده قبل أن يبدأ، وفي هذا السياق، لا يصبح الحديث عن إعادة الإعمار مسألة بنية تحتية فقط، بل إعادة بناء لرأس مال معرفي وإنساني كامل.

العدوان المستمر يؤدي كذلك إلى فاقد تعليمي تراكمي لا يرتبط بعدد الأيام الدراسية المفقودة فقط، بل بتراجع المهارات الأساسية لدى الطلبة، طفل ينتقل من مدرسة إلى مركز إيواء ثم إلى مساحة تعلم مؤقتة، لا يفقد زمنًا أكاديميًا فقط، بل يفقد الإحساس بالاستمرارية الذي يشكل أساس التعلم ذاته. وتشير تقارير متخصصة في تعليم الطوارئ إلى أن هذا النوع من الانقطاع المزمن يترك آثارًا معرفية ونفسية طويلة المدى (UNICEF, 2024).

في غزة، كل درس يُفقد، وكل فصل يُهدم، ليس مجرد حادث عرضي، بل تذكير يومي بأن العدوان لا يستهدف البنية المادية فقط، بل يحاول إعادة تعريف فكرة المستقبل نفسها.

ثانياً: سندان التمويل: ابتزاز سياسي قاتل للحقوق والآمال

في قطاع غزة، لا يشكل التمويل مجرد أرقام في الميزانيات، بل هو المحرك الذي يحافظ على استمرارية العملية التعليمية، ويجعل الفصول نابضة بالحياة. وعندما ينهار هذا الدعم أو يتأخر، يجد الطلاب أنفسهم محرومين من أبسط مقومات التعليم، من كتب وأقلام، مقاعد مناسبة وجدران حقيقية، معلم يقظ الذهن غير مثقل بالهموم

التمويل الهش لا يضرب فقط كفاءة المدرسة، بل يصل إلى صميم حقوق الأطفال في التعليم، كل تأخير في الدعم المالي أو كل دورة تمويل قصيرة الأمد، تعني أن برامج الدعم النفسي والاجتماعي-الضرورية في سياق الصدمات الجماعية- تصبح عرضة للتقليص أو الإلغاء. كما أن مساحات التعلم البديلة، التي تمثل شرياناً لاستمرارية التعليم، تبقى رهينة لتدفق الموارد. في هذا الواقع، يصبح التمويل ليس مجرد أداة دعم، بل سيفًا يعلق فوق رؤوس الأطفال، يحدد ما إذا كان لهم حق التعلم في ظروف كريمة، أو مجرد البقاء على قيد الدراسة بالحد الأدنى.

حذّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين(الأونروا) مرارًا من أن نقص التمويل يفرض تخفيضات قسرية على خدماتها التعليمية، ما ينعكس مباشرة على جودة التعليم واستقراره (UNRWA, 2024). غير أن المشكلة تتجاوز مؤسسة بعينها؛ إذ إن الاعتماد المرتفع على التمويل الخارجي غير المستقر يجعل المنظومة التعليمية بأكملها عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية الدولية.

المعلم الذي لا يعرف إن كان راتبه سيدفع الشهر القادم، لا يحرم فقط من الاستقرار المعيشي، بل يدفع قسرًا إلى حالة من الإرهاق النفسي المستمر، وهذا النوع من القلق المزمن ينعكس بالضرورة على جودة التفاعل داخل الصف، وعلى قدرة المدرسة ككل على أداء دورها التربوي الكامل.

في هذا الإطار، يصبح التمويل عنصرًا وجوديًا، لا لأنه يحافظ على تشغيل المؤسسات فحسب، بل لأنه يحافظ على فكرة الاستقرار التعليمي ذاتها. الاعتماد على التمويل الدولي المشروط يجعل المؤسسات التعليمية الفلسطينية رهينة للسياسات الخارجية، حيث تصبح كل خطة إصلاح أو تطوير مرهونة بتحولات سياسية خارجية، وكل جهد لبناء بيئة تعليمية مستقرة عرضة للانكسار عند أول نقص في الموارد. بالنسبة للطلاب، يعني هذا أن كل يوم دراسي هو اختبار للصمود وسط هشاشة مستمرة، وأن مستقبلهم الأكاديمي والاجتماعي لا يتوقف على إرادتهم أو كفاءة المعلم، بل على قرارات تُتخذ خارج سياقهم بالكامل. وهنا، يتحول التمويل إلى عدم يقين إضافي يثقل التجربة التعليمية.

كل ذلك تذكير بأن التعليم في غزة لا يواجه فقط مطرقة العدوان، بل أيضًا سندان تمويل هش، مشروط، ومُبتز سياسيًا، يضغط على استمرارية التعلم ويترك أثرًا طويل الأمد على مستقبل المجتمع الفلسطيني.

خاتمة:

بين مطرقة العدوان وسندان التمويل، يبدو التعليم في غزة على حافة الانهيار، لكنه في الوقت نفسه يمثل مقاومة يومية. الأطفال والمعلمون يواصلون الصمود، يحاولون التعلم والتعليم وسط كل هذه الضغوط، لكن الصمود وحده لا يكفي لضمان التعلم الفعّال أو حماية الطفولة. الخطر لا يقتصر على الانقطاع المؤقت، بل يشمل التآكل المستمر للنظام التعليمي، فقدان الاستقرار، وتأثيرات نفسية طويلة المدى على الطلبة والمعلمين.

التعليم هنا مسألة وجودية؛ ليس مجرد خدمة عامة أو وظيفة إدارية، بل حق أساسي يمس كرامة الطفل ومستقبل المجتمع. كل يوم يمضي دون إصلاح أو حماية، كل تمويل هش، وكل فصل مدمر، يعيد تعريف هذا الحق، ويضع الجيل القادم في مواجهة واقع متقلّب.

ويبقى السؤال الأساسي: هل تعليم أطفال غزة في خطر؟ الواقع يجيب: نعم، لكنه خطر متعدد الأبعاد، عاطفي ومعرفي، جسدي ونفسي، قصص وأرقام معًا، وذاكرة لا تنسى ولا تغفر.

والسؤال الأعمق: أي تعليم يمكن أن ينمي المعرفة ويصنع المستقبل في بيئة يعاد فيها تعريف الاستقرار كل يوم؟ الإجابة تتطلب أكثر من صمود؛ تحتاج إلى حماية حقيقية للعملية التعليمية، إلى موارد مستدامة، وإلى إرادة حقيقية لإعادة بناء بيئة تعليمية آمنة ومستقرة، قادرة على منح الأطفال فرصة ليحلموا ويتعلموا وينموا، رغم كل شيء.

المراجع:

  • وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية (2025). تقارير الواقع التعليمي
  • UN OCHA. (2024). Humanitarian Situation Update – Gaza Strip.
  • (2024). Education Under Attack / Gaza Education Damage Assessments.
  • (2024). Education in Emergencies – Gaza Reports.
  • (2024). Education Programme & Funding Crisis Statements.

 

البحث في Google:





عن نور سليمان أبو بطيحان

طالبة دكتوراه- إدارة تربوية معلمة و باحثة تربوية

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading