التخطيط الاستراتيجي للتعافي التعليمي في ظل الحرب على غزة

التخطيط الاستراتيجي للتعليم في سياقات الأزمات والحروب لا يُنظر إلى التخطيط الاستراتيجي في التعليم، في سياقات النزاع المسلح، بوصفه نشاطًا تقنيًا محايدًا، بل كعملية سياسية-اجتماعية مركبة، تتقاطع فيها اعتبارات البقاء، والعدالة، وإعادة بناء رأس المال البشري. ففي البيئات المستقرة، ينطلق التخطيط من فرضية الاستمرارية، أما في الحروب، فينطلق من فرضية الانقطاع وعدم اليقين. هذا التحول الجذري في نقطة البداية يفرض إعادة تعريف أدوات التخطيط، ووظائفه، وأولوياته.

التخطيط الاستراتيجي التعليمي في الأزمات لا يستهدف تحسين الأداء فحسب، بل يسعى إلى حماية الحق في التعليم، وضمان الحد الأدنى من الاستمرارية، وبناء مسارات تعافٍ مرنة قابلة للتكيف مع السيناريوهات المتقلبة. وتشير الأدبيات الدولية إلى أن فشل النظم التعليمية في التخطيط أثناء النزاعات لا يُقاس فقط بعدد المدارس المدمرة، بل بعمق الفجوات المعرفية، وتآكل الثقة المجتمعية بالمؤسسات التعليمية (UNESCO, 2017).

واقع النظام التعليمي في غزة في ظل الحرب

تُعد غزة نموذجًا متطرفًا لتأثير الحرب الممتدة على النظام التعليمي. فالحرب لا تُحدث دمارًا ماديًا فحسب، بل تعيد تشكيل البيئة التعليمية برمتها. تدمير المدارس والجامعات، وتحويل بعضها إلى مراكز إيواء، أدى إلى انهيار البنية التحتية التعليمية بوصفها فضاءً آمنًا ومنتظمًا للتعلم. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نسبة كبيرة من المؤسسات التعليمية في غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، ما أفقد مئات الآلاف من الطلبة حقهم في الوصول المنتظم للتعليم (UN OCHA, 2023).

إلى جانب الدمار المادي، يبرز الفاقد التعليمي بوصفه أحد أخطر التداعيات بعيدة المدى. الانقطاع الطويل عن الدراسة، وعدم انتظام البدائل التعليمية، وضعف البنية الرقمية، كلها عوامل عمّقت فجوات التعلم، لا سيما في المهارات الأساسية كالقراءة والرياضيات. وتؤكد دراسات البنك الدولي أن الأطفال في مناطق النزاع قد يفقدون ما يعادل سنوات من التعلم الفعلي مقارنة بأقرانهم في البيئات المستقرة (World Bank, 2020).

أما الصدمة النفسية، فهي البعد الأقل ظهورًا والأكثر أثرًا. فالتعرض المستمر للعنف، وفقدان أفراد الأسرة، وانعدام الإحساس بالأمان، أنتج جيلًا من المتعلمين والمعلمين يعانون من اضطرابات نفسية تؤثر مباشرة في القدرة على التعلم والتعليم. وتشير اليونيسف إلى أن تجاهل البعد النفسي في التدخلات التعليمية في غزة يحدّ من فاعلية أي جهود تعافٍ أكاديمي (UNICEF, 2022).

مفهوم التعافي التعليمي وأبعاده المتكاملة

التعافي التعليمي لا يعني العودة إلى ما كان عليه النظام قبل الحرب، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة بناء أكثر عدالة ومرونة. وهو مفهوم متعدد الأبعاد، يتقاطع فيه الأكاديمي مع النفسي والمؤسسي.

على المستوى الأكاديمي، يتمثل التعافي في معالجة الفاقد التعليمي عبر مناهج مرنة، وتقييمات تشخيصية، وبرامج تعويضية تستجيب للفروق الفردية التي عمّقتها الحرب. أما البعد النفسي، فيتطلب دمج الدعم النفسي الاجتماعي في العملية التعليمية، ليس كخدمة موازية، بل كجزء أصيل من المنهاج المدرسي وثقافة المدرسة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التعلم الفعال في سياقات الصدمة لا يمكن فصله عن الاستقرار النفسي النسبي للمتعلمين (WHO, 2019).

أما التعافي المؤسسي، فيرتبط بإعادة بناء القدرات الإدارية والتخطيطية لوزارة التربية والتعليم والمؤسسات التعليمية، وتعزيز الحوكمة، وتطوير نظم المعلومات التربوية، بما يتيح اتخاذ قرارات مبنية على بيانات في بيئة شديدة التعقيد.

التخطيط الاستراتيجي وبناء سيناريوهات التعافي التعليمي

يُعد التخطيط القائم على السيناريوهات أداة مركزية في سياق غزة، حيث يغيب اليقين وتتشابك العوامل السياسية والأمنية. ويمكن تصور ثلاث دوائر زمنية متداخلة للتعافي:

في المدى القصير، يركز التخطيط على استعادة الحد الأدنى من الاستمرارية التعليمية، عبر حلول مؤقتة مثل المساحات التعليمية البديلة، والتعليم منخفض التكلفة، وتبسيط المناهج. هنا، لا تكون الجودة بالمعنى التقليدي هي الهدف، بل منع الانقطاع الكامل وحماية المتعلمين من التسرب.

في المدى المتوسط، ينتقل التخطيط نحو استعادة الوظائف الأساسية للنظام التعليمي، من خلال إعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير برامج تعويض الفاقد التعليمي، وبناء قدرات المعلمين على التدريس في سياقات ما بعد الصدمة. وتشير تجارب ما بعد النزاع إلى أن هذه المرحلة حاسمة لتجنب تكريس اللامساواة التعليمية (UNESCO, 2018).

أما المدى الطويل، فيفترض إعادة تصور النظام التعليمي نفسه، عبر إصلاحات هيكلية تشمل المناهج، ونظم التقييم، والتعليم التقني والمهني، بما يتوافق مع احتياجات إعادة الإعمار والتنمية المستدامة في غزة. التخطيط هنا لا ينفصل عن المشروع الوطني الفلسطيني الأوسع.

تجارب دولية في التعافي التعليمي بعد النزاعات: دروس قابلة للتطبيق

تقدم التجارب الدولية بعد النزاعات المسلحة دروسًا مهمة، شريطة قراءتها نقديًا لا استنساخها. ففي رواندا، بعد الإبادة الجماعية، جرى التركيز على إعادة بناء النظام التعليمي بوصفه أداة للمصالحة الوطنية، من خلال إصلاح المناهج وتدريب المعلمين على التربية المدنية (UNESCO, 2015). ورغم اختلاف السياق، يمكن لغزة الاستفادة من فكرة ربط التعافي التعليمي بإعادة بناء النسيج الاجتماعي.

في سيراليون، أظهرت تجربة ما بعد الحرب الأهلية أهمية الاستثمار في التعليم المجتمعي غير النظامي لاستيعاب الأطفال المتأثرين بالحرب، قبل دمجهم في النظام الرسمي (World Bank, 2019). أما في البوسنة والهرسك، فقد كشف التعافي التعليمي عن مخاطر تسييس التعليم إذا لم يُدار التخطيط الاستراتيجي بمنظور وطني جامع.

هذه التجارب تؤكد أن نجاح التعافي التعليمي لا يرتبط بحجم التمويل فقط، بل بوضوح الرؤية، وملكية السياسات وطنيًا، وقدرتها على الاستجابة للسياق المحلي.

تحديات التخطيط الاستراتيجي في السياق الفلسطيني

يواجه التخطيط الاستراتيجي للتعافي التعليمي في غزة تحديات بنيوية معقدة. أبرزها استمرار الاحتلال والحصار، ما يقيد حركة الأفراد والمواد، ويجعل التخطيط طويل المدى رهينة المتغيرات السياسية. كما يواجه النظام التعليمي تحدي الاعتماد العالي على التمويل الخارجي، الذي غالبًا ما يكون مشروطًا وقصير الأجل، ما يحد من الاستدامة (World Bank, 2021).

إضافة إلى ذلك، تعاني المؤسسات التعليمية من تآكل القدرات التخطيطية نتيجة الاستنزاف المستمر، وهجرة الكفاءات، وتعدد الجهات الفاعلة دون تنسيق كافٍ. هذا التشتت يضعف القدرة على بناء رؤية استراتيجية موحدة للتعافي.

توصيات عملية لصنّاع القرار والمؤسسات المعنية

ينبغي أن ينطلق التخطيط الاستراتيجي للتعافي التعليمي في غزة من تبني مقاربة متعددة المستويات، تعترف بالتعليم كأولوية إنسانية وتنموية في آن واحد. ويتطلب ذلك تطوير إطار وطني للتعافي التعليمي يقوده الفلسطينيون، ويستند إلى شراكات منضبطة مع المنظمات الدولية.

كما تبرز الحاجة إلى دمج الدعم النفسي الاجتماعي في السياسات التعليمية، وتدريب المعلمين على التعامل مع آثار الصدمة، وتطوير نظم تقييم مرنة تراعي واقع الفاقد التعليمي. وعلى المستوى الدولي، تقع مسؤولية أخلاقية على المانحين لضمان تمويل طويل الأجل، غير مجزأ، يدعم بناء النظام لا التدخلات الطارئة فقط.

خاتمة: نحو رؤية مستقبلية للتعافي التعليمي في غزة

إن التخطيط الاستراتيجي للتعافي التعليمي في غزة ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا لبقاء المجتمع وقدرته على إعادة إنتاج ذاته. الحرب دمّرت المدارس، لكنها كشفت أيضًا هشاشة النماذج التقليدية للتخطيط التعليمي في سياقات الاحتلال. الرهان الحقيقي لا يكمن في إعادة ما تهدم فحسب، بل في بناء نظام تعليمي أكثر عدالة ومرونة، قادر على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية.

التعافي التعليمي في غزة هو مشروع طويل النفس، يتطلب إرادة سياسية، ومعرفة مهنية، ودعمًا دوليًا مسؤولًا. ومن دون تخطيط استراتيجي نقدي، سيظل التعليم في دائرة الاستجابة الطارئة، عاجزًا عن أداء دوره بوصفه رافعة للتحرر والتنمية الإنسانية.

المراجع

  1. (2015). Education for Peace and Reconciliation in Post-Conflict Societies.
  2. (2017). Education in Emergencies and Protracted Crises.
  3. (2018). Global Education Monitoring Report.
  4. (2022). Education and Mental Health in Conflict Settings.
  5. UN OCHA. (2023). Humanitarian Impact of the Gaza Conflict.
  6. World Bank. (2019). Education Recovery after Conflict.
  7. World Bank. (2020). The Human Capital Index.
  8. World Bank. (2021). Financing Education in Fragile Contexts.
  9. (2019). Mental Health in Emergencies.

البحث في Google:





عن ياسمين محمد ربحي الجماصي

طالبة ماجستير في الإدارة التربوية، مهتمة بالتخطيط الاستراتيجي للتعليم وإدارة النظم التعليمية في سياقات الأزمات والنزاعات. حصلت على دورات تدريبية في التخطيط الاستراتيجي، وتركّز في كتاباتها على قضايا التعافي التعليمي وبناء نظم تعليمية مرنة، مع اهتمام خاص بالسياق الفلسطيني

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading