وفق ما أعلنته التقارير المتصلة بوزارة التربية والتعليم الفلسطينية فإن 650 ألف طالب تقريبا قد فقدوا مقاعدهم الدراسية وحقهم في التعليم ما بين العامين 2025 – 2026. لقد كان هذا نتيجة مباشرة للحرب المفروضة على غزة والتي أدت إلى تهجير عشرات الآلاف من العائلات عن بيوتها، وتدمير 204 مؤسسة تعليمية بينهما 14 حرم جامعي تدميرا كاملا و392 مدرسة تدميرا جزئيا. وما يزال نحو 55% من أراضي قطاع غزة تحت الاحتلال وما يعرف ب”المنطقة الصفراء”.
إزاء ذلك وجدت الهيئة التعليمة التي تدار شئون التعليم في غزة نفسها أمام تحديات خطيرة تمثل التحدي الأول والأبرز في “إعادة تعريف المساحة التعليمية”؛ فمع خروج غالبية المدارس عن الخدمة وتحول ما تبقى منها إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين، اضطرت الهيئة التعليمية للبحث عن بدائل قسرية مثل “خيام التعليم” والمبادرات التطوعية في الساحات العامة. إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بواقع “المناطق الصفراء” والقيود المفروضة على الحركة، مما جعل الوصول إلى المعلمين والطلبة في تلك المناطق عملية محفوفة بالمخاطر. علاوة على ذلك، واجهت الهيئة معضلة تقنية خانقة عند محاولة تفعيل “التعليم عن بُعد” كخيار بديل، نظراً لانهيار البنية التحتية لشبكات الاتصالات والانقطاع الدائم للتيار الكهربائي، مما عمّق الفجوة الرقمية وحرم آلاف الطلبة في مراكز النزوح من حقهم في مواصلة التحصيل العلمي الأدنى.
كذلك برزت “أزمة الفقد البشري والترميم النفسي” كعائق لا يقل خطورة عن تدمير المباني. ففقدان مئات الأكاديميين والمعلمين ذوي الخبرة خلق فراغاً معرفياً هائلاً يصعب تعويضه على المدى القريب، ناهيك عن الحالة النفسية للطلبة الناجين الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة جراء التهجير المتكرر وفقدان ذويهم. هذا الواقع وضع جهات الإشراف التربوي أمام مسؤولية مزدوجة؛ فهي مطالبة بابتكار “مناهج الطوارئ” التي تدمج بين التعليم الأساسي والدعم النفسي المكثف، في محاولة لمنع “تجهيل” جيل كامل بات يرى في البقاء على قيد الحياة غاية تسبق الجلوس على مقاعد الدراسة، مما يهدد بآثار اجتماعية وتنموية بعيدة المدى قد تمتد لعقود.
حتى أولئك الذين بقوا على قيد الحياة من الأساتذة والطلبة فلم تعد طموحاتهم وأولوياتهم وأهدافهم كما كانت قبل الحرب. كل شيء يشي أن الطالب عبد الرحمن أو الطالبة أفنان قبل السابع من أكتوبر 2023 ليسا هم أحمد وأفنان بعد السابع من أكتوبر. لقد تحولت بوصلة الطموح من التخطيط لمستقبل مهني مشرق أو الحصول على درجات عليا في تخصصات دقيقة، إلى “طموحات آنية” تتمحور حول البقاء وتأمين أدنى مقومات الحياة. عبد الرحمن، الذي كان يطمح لأن يكون مهندساً يطور برمجيات ذكية، بات اليوم يكرس ذكاءه في ابتكار حلول بدائية للحصول على المياه أو تأمين بدائل للطاقة في خيمته، وأفنان التي كانت تحضر لرسالة الماجستير، أصبحت كلماتها اليوم توثيقاً لرحلات النزوح المتكررة بدلاً من نقد النصوص العلمية. هذا التغير ليس مجرد تبدل في الاهتمامات، بل هو انكسار في الخط الزمني للشخصية؛ حيث طغت غريزة البقاء على “الذات الأكاديمية”، وأصبح الحلم بالدراسة أو التميز المهني ترفاً بعيد المنال أمام هاجس الحفاظ على الحياة وتماسك الأسرة.
أما على الصعيد الوجودي، فقد فقدت العملية التعليمية بالنسبة لهما صبغتها التقليدية كمسار للتطور الروتيني؛ فالمدرسة والجامعة لم تعدا مجرد جدران ومناهج، بل تحولتا في ذاكرتهما إلى “أطلال للآمال” الموءودة وشواهد على فقدان الزملاء والأساتذة. لقد أدرك الطالب والأستاذ على حد سواء أن المعرفة لم تعد تُقاس بمدى استيعاب الكتب، بل بمدى القدرة على الصمود في وجه محاولات “التجهيل” القسري. فبعد السابع من أكتوبر، أصبح الإصرار على التعليم فعلاً من أفعال المقاومة الوجودية، وانتقلت الأهداف من “النجاح الدراسي” التقليدي إلى “استرداد الهوية” ومنع الاندثار المعرفي. لم يعد التعليم وسيلة للارتقاء الوظيفي فحسب، بل صار محاولة لترميم أرواح منهكة، وإثبات أن العقل الفلسطيني لا يزال قادراً على العطاء رغم ركام الفصول وقصف المختبرات.
أولياء الأمور أنفسهم لم يعد يرهق تفكيرهم ذهاب أبنائهم للمراكز التعليمية أو تغيبيهم عنها بقدرهم ما يهمهم أن يلبي الابن معه متطلبات الحياة البسيطة (التي استحالت إلى أزمات). فلو اتصلت الأستاذة شيرين بولي أمر تشكوا تغيب الابن أو عدم حصوله على درجة جيدة أو تكرار مشاغباته أو أنه لم يحل الاختبار الالكتروني فإن الأب سيستقبل هذا الاتصال بابتسامة باهتة يملؤها الانكسار، وقد يرد بنبرةٍ هادئة تخلو من العتاب المعتاد: “يا أستاذة شيرين، ابني كان اليوم في طابور الماء منذ الفجر، وعاد ليحمل الحطب بدلاً من الحقيبة”. بالنسبة لهذا الأب، لم تعد “الدرجة الجيدة” أو “الاختبار الإلكتروني” معياراً للنجاح، بل إن النجاح الحقيقي في نظره هو عودة ابنه للمنزل سالماً وبيده ربطة خبز أو لترات قليلة من الماء الصالح للشرب. إن الشكوى من “المشاغبة” أو “التغيب” تبدو في أذنه كصدى من عالم موازٍ لم يعد ينتمي إليه، فالأولويات انزاحت من بناء “المستقبل الأكاديمي” إلى تأمين “الحاضر الوجودي”، وأصبح عجز الابن عن حل معادلة رياضية أمراً تافهاً أمام قدرته على الصمود في وجه قسوة النزوح والحرمان.
يبرز هنا تحول عميق في دور الأسرة تجاه المؤسسة التعليمية؛ فالسلطة الأبوية التي كانت تحث على الانضباط المدرسي تآكلت تحت وطأة المسؤوليات اللوجستية التي أُلقيت على كاهل الأطفال. لقد أصبح الابن “شريكاً في البقاء” وليس مجرد “متلقٍ للعلم”، مما جعل الأب يرى في توبيخ المعلمة ترفاً لا يملكه، وفجوة إدراكية بين واقع المدرسة الافتراضي وواقع الشارع المرير. هذا التغير لا يعكس إهمالاً للتعليم بقدر ما يعكس “صدمة الأولويات”، حيث باتت “المنطقة الصفراء” والمخاوف الأمنية والاحتياجات الأساسية هي المنهج الحقيقي الذي يدرسه الجميع قسراً، مما جعل العلاقة بين ولي الأمر والمدرسة تمر بحالة من الاغتراب، إذ يرى الأب أن “الامتحان الحقيقي” هو الذي يخوضه ابنه كل يوم للبقاء على قيد الحياة، لا ذلك الذي يُرسل عبر روابط إلكترونية في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت.
التعليم الجامعي هو الأخر يعاني من ترهل كبير جدا، فالجامعات لم تعد قادرة على توفير المنصات الالكترونية الكاملة ولا على أن توفر الأكاديمي المدفوع الاجر الفلسطيني الناضح، وليست كذلك قادرة على متابعة الطلاب والتأكد من سلامة فهمهم. لقد تحول “التعليم عن بُعد” من كونه طوق نجاة تكنولوجي إلى مجرد محاولة لملء الفراغ بأدوات متهالكة؛ فالمنصات التعليمية التي كانت تتباهى بها الجامعات الفلسطينية باتت اليوم مجرد “روابط متعثرة” تُرسل عبر تطبيقات المحادثة البسيطة، حيث يغيب التفاعل الحقيقي ويحل محله التلقين السلبي. إن غياب البنية التحتية من خوادم وكهرباء مستقرة جعل من “المتابعة الأكاديمية” مهمة مستحيلة؛ فكيف للأستاذ الجامعي أن يتأكد من سلامة فهم الطالب وهو لا يراه إلا عبر شاشة متقطعة، أو من خلال رسائل نصية قصيرة تُكتب على عجل بين غارة وأخرى؟ هذا الواقع أنتج حالة من “الاغتراب المعرفي”، حيث أصبح الهدف هو “تجاوز المادة” بأي وسيلة، بدلاً من استيعابها وتطبيقها، مما يهدد بتخرج أجيال تحمل شهادات ورقية تفتقر إلى العمق المهني والمهاري الذي يتطلبه سوق العمل المستقبلي.
أما عن الكادر الأكاديمي، فقد أصيبت “العصبة العلمية” في مقتل؛ فالأستاذ الجامعي الذي كان يمثل مرجعاً فكرياً وبحثياً، وجد نفسه اليوم مثقلاً بهموم الديون وانقطاع الرواتب، مما اضطر الكثير من الكفاءات “الناضجة” إلى الهجرة القسرية أو الانكفاء على الذات للبحث عن لقمة العيش خارج أسوار الجامعة. هذا النزيف في العقول لم يترك وراءه إلا فراغاً تعليمياً يُسدّ أحياناً بجهود تطوعية مشكورة لكنها غير كافية، أو بمساقات مختصرة تفقد قيمتها العلمية مع مرور الوقت. إن الجامعات اليوم لا تعاني فقط من تدمير جدرانها، بل من تآكل “هيبتها الأكاديمية” وقدرتها على ضبط الجودة؛ فالموازنة بين “المرونة المطلوبة” بسبب الحرب وبين “المعايير العلمية” الصارمة باتت كفة تميل بوضوح نحو التساهل الاضطراري، مما يجعل من العملية التعليمية برمتها مجرد “محاولة للبقاء على قيد الحياة المؤسساتية” لا أكثر.
وكالة الغوث، الشريك الأبرز والأقوى في العملية التعليمة، باتت تعاني من تأكل قدرتها على الاستمرار في ظل الحصار الأمريكي الإسرائيلي لها، فلم تعد قادرة على تأدية دورها التاريخي كـ “عمود فقري” للتعليم في القطاع، بعد أن جففت الضغوط السياسية والمالية منابع تمويلها، مما حول مدارسها من منارات للعلم والمعرفة إلى مراكز إيواء متهالكة تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية. إن هذا التآكل لم يتوقف عند حدود نقص القرطاسية أو الكتب، بل امتد ليمسّ “الأمن الوظيفي” لآلاف المعلمين الذين باتوا يعملون في ظروف مستحيلة بلا رواتب منتظمة، وتحت تهديد مستمر بإغلاق المنظمة كلياً. لقد فقدت الوكالة قدرتها على توفير “المساحة الآمنة” التي كانت تمنح الطالب الفلسطيني شعوراً بالانتماء لمنظومة دولية تحميه، لتجد نفسها اليوم عاجزة حتى عن ترميم فصل دراسي واحد أو توفير وقود لتشغيل مرافقها الأساسية، مما جعل العملية التعليمية تحت مظلتها في حالة “موت سريري” بانتظار معجزة سياسية.
وعلى مستوى أعمق، فإن ضعف “الأونروا” أدى إلى انهيار “العقد الاجتماعي التربوي” الذي صمد لعقود؛ فالوكالة لم تكن مجرد مقدم خدمة، بل كانت رمزاً لاستمرارية الحق في التعليم حتى في أصعب الظروف. واليوم، مع تحول دورها من “التنمية والتطوير” إلى “الإغاثة الطارئة والمحدودة”، تيتّم مئات الآلاف من الطلاب تعليمياً، حيث غابت برامج الدعم النفسي المكثف والأنشطة اللامنهجية التي كانت تهدف لترميم شخصية الطفل الفلسطيني. هذا الغياب القسري للوكالة ترك فراغاً لا يمكن لأي جهة محلية منهكة أن تسده، مما يفتح الباب أمام جيل ينمو بعيداً عن الانضباط المدرسي، ومحاطاً ببيئة تعليمية “مشوهة” تفتقر للحد الأدنى من المعايير الدولية التي كانت تميز مدارس الوكالة، ليكون الضحية الأكبر هو “المستقبل المعرفي” لجيل كامل بات يرى في شعار الوكالة الأزرق شاهداً على عجز المجتمع الدولي أكثر من كونه رمزاً للأمل.
ويترك الفلسطيني في ظل تلك التحديات أمام خيارين، الأول أن يهزم هزيمة كاملة في معركة التعليم والتعلم وهو أمر لو حدث فستنهار المنظومة الاجتماعية الاقتصادية الثقافية باكورة التعليم وسيشكل ذلك الهزيمة الكبرى الحقيقة. أما الحل الآخر فيمكن في المقاومة. هنا يجب أن يعاد تعريف المقاومة ودورها إعادة كاملة فالمقاومة الان ليست بالسلاح بل هي في “الاستماتة المعرفية” والإبقاء على جذوة العقل متقدة وسط الركام؛ فالمقاومة اليوم تتجسد في قدرة الأستاذ على إعطاء محاضرته من فوق أنقاض مختبره، وفي إصرار الطالب على تدوين ملاحظاته على هوامش الصحف القديمة أو في ذاكرته الحية. إنها “المقاومة بالاستمرار”، حيث يصبح حضور “عبد الرحمن” و”أفنان” لدرسٍ في خيمة أو عبر رابط إنترنت متعثر فعلاً نضالياً يكسر أهداف التجهيل الممنهج. إعادة تعريف المقاومة هنا تعني تحويل كل مساحة متاحة إلى “غرفة عمليات تعليمية”، واستخدام الأدوات الرقمية البسيطة والبدائل المحلية كدروعٍ لحماية الهوية الوطنية من الاندثار، وضمان ألا تنقطع السلسلة المعرفية التي تربط الماضي بالمستقبل.
وفي جوهر هذه المقاومة الجديدة، تبرز “سيادة المعرفة” كأولوية قصوى تسبق حتى إعادة الإعمار الإنشائي؛ فالمباني قد تُهدم وتُبنى، لكن العقول إذا فُقدت فلا يمكن تعويضها. لذا، فإن المقاومة التعليمية تتطلب ابتكار “تعليم مرن” (Resilient Education) يتجاوز البيروقراطية الأكاديمية التقليدية ليركز على المهارات الجوهرية والوعي النقدي الذي يحتاجه المجتمع للنهوض من جديد. إنها معركة إثبات وجود، حيث يدرك الفلسطيني أن سلاحه الأقوى في مرحلة ما بعد الحرب ليس في كمية المعلومات التي يحفظها، بل في قدرته على تطويع العلم لخدمة البقاء، وتحويل “الأزمة التعليمية” إلى “نهضة فكرية” شعبية تشارك فيها المعلمة شيرين والأب المنهك والطالب الحالم، ليعلنوا للعالم أن “المنطقة الصفراء” قد تُحاصر جغرافياً، لكنها لا يمكن أن تُحاصر فكرياً أو وجدانياً.
تعليم جديد أخبار و أفكار تقنيات التعليم