الرئيسية » دراسات » أساليب التربية عند الشيخ محمد الغزالي
الشيخ محمد الغزالي

أساليب التربية عند الشيخ محمد الغزالي

التربية عملية اجتماعية، تعكس طبيعة المجتمع وآماله وطموحاته، فهي ركن رئيس من أركان البناء الاجتماعي، تؤثر وتتأثر به في علاقة تفاعلية مستمرة، حفاظًا على كيانه واستمراره، وهي مطالبة ليس فقط بالتأثير به بل بالتجديد أيضًا وفق عقيدة المجتمع وما يرنو إليه، من أجل إعداد أفراد صالحة.

ومن هذا المنطلق يجب تربية الفرد على الإيمان بالله والخضوع له وحده، والتزام الفطرة التي فطره الله عليها، والتزام القيم الأخلاقية والعلمية والتربوية والروحية التي يدعونا إليها القرآن الكريم والسنة النبوية واجتهادات العلماء، فالتربية هي أمانة في أعناق جميع الآباء والأمهات والمعلمين، والويل لمن يخون هذه الأمانة، أو يفرط بها، أو ينحرف عن هدفها السامي.

ولابد للتربية من فلسفة توجهها وتحدد معالمها. والفكر أمر خاص بالإنسان؛ لأنه يتعلق بالعقل، فهو نتاج العمليات العقلية للإنسان، فالفكر أمر إنساني يقوم على الإدراك والتأمل والاستنتاج والملاحظة.

أما الفكر التربوي فيمثل الإطار النظري والفكري لما يحتاجه الإنسان في بناء أنظمته التربوية وأبجديات العملية التعليمية التعلمية، ووضع أسسها وقواعدها، وبحث طبيعة العلاقة بين العالم والمتعلم، وأهم ميادين العملية التربوية؛ وذلك بهدف الوصول إلى حضارة مزدهرة في كل المعارف المتراكمة على مر السنين، لذا وجب علينا دراسة آراء المفكرين والمربين فيما يتعلق بالعملية التعليمية والقضايا التي تهم المتعلمين، وذلك من خلال البحث فيما تركوه في مؤلفاتهم، وابداعهم الفكري.

ويعد الشيخ محمد الغزالي من المفكرين التربويين الذين لهم نتاج كبير في هذا المجال.

نبذة عن الشيخ محمد الغزالي

ولد الشيخ محمد الغزالي أحمد السقا في قرية نكلا العنب التابعة لمركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة عام 1917، وهو من أسرة ريفية فقيرة، ومتدينة، ولد لأب تقي ورع من حفظة كتاب الله، وأم حانية بارة صالحة، تحب الخير والإحسان للناس، فحرصا كل الحرص على تربية الغزالي تربية طيبة، فحرص والده على تعليمه تعليمًا دينيًا، وتحفيظه القرآن الكريم، وتنشئته تنشئة وثيقة الصلة بالله.

إلى جانب تأثر الشيخ الغزالي بوالده فقد تأثر بشيوخه الذين تتلمذ على أيديهم، واستفاد من خبراتهم، منهم الشيخ إبراهيم غرباوي، والشيخ عبد العزيز جلال، وكان أكثر من تأثر به هو الشيخ حسن البنا؛ فهو مدرسة لوحده فكرًا وفقهًا ودرايًة بالواقع الإسلامي، فكان البنا أكثر المؤثرين في شخصية الغزالي وإعداده وتكوينه.

ترك الغزالي رصيدًا كبيرًا من الكتب والمقالات والمحاضرات والخطب والدروس، التي ألقاها طيلة مساره الدعوي والفكري، وأسهم إسهامًا كبيرًا في المجال التربوي؛ حيث كانت له العديد من المنطلقات والأفكار التربوية، ومنها ما يخص المعلم، وأساليب التربية المجدية، ونحن هنا بصدد استعراض أساليبه في التربية.

أساليب التربية عند الشيخ محمد الغزالي  

1- التربية بالقدوة الصالحة

إن القدوة الصالحة من أعظم وسائل التربية تأثيرًا في نفس الإنسان، وهي أكثرها نجاحًا، ولهذا يجب على المعلم أن يكون قدوة صالحة لطلبته، فلا يصح أن ينشئ ويربي المعلم طلبته على حسن الخلق، ولا يتبعه هو ويمارسه في سلوكه، فلابد له أن يتمثل النهج الذي يدرسه، ويربي طلبته عليه، فلن تصلح التربية إلا إذا اعتمدت على القدوة الحسنة؛ فالمعلم السيء هو الذي ينتظر من طلبته أفعالًا طيبة في حين أنه أبعد ما يكون عنها، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) بين أصحابه مثلًا أعلى للخلق الذي يدعو إليه؛ فهو يغرس بين أصحابه هذا الخلق السامي بسيرته العطرة قبل أن يغرسه بما يقول من عبر وعظات.

ويرى الشيخ محمد الغزالي أن حدة الذكاء، وسعة العلم لا تغنيان عن طيب النفس، وشرف الخلق عند المربي، وأنه يمقت الذكي الشرير، وأن النفس الصغيرة، لا تزيدها المعرفة الكبيرة إلا قدرة على الأذى، وطاقة الإساءة.

2- التربية بالوعظ والتذكير

لا شك أن الموعظة الحسنة من الوسائل التربوية التي ترتاح لها النفس وتستجيب لها، والقرآن خير دليل على أهميتها؛ ففيه الكثير من الآيات التي تحض على مخاطبة النفس الإنسانية بالموعظة الحسنة، أي بأسلوب محبب، ومتدرج، ومتكرر، وبأسلوب يشعر المتعلم بالعطف والاهتمام.

فالتربية عند الشيخ الغزالي عمل يستغرق العمر كله، منذ بدء التكليف إلى انتهاء الأجل، ومن الخطأ تصور أنها بناء يتطلب بضعة شهور أو بضعة سنين يعقبه استجمام واسترخاء، المؤمن مع نفسه كقائد السيارة يظل يقظًا طول الطريق، وإلا فقد يهلك في ساعة إغفاء، إن المرء يجاهد نفسه بالغدو والآصال، سائرًا إلى ربه بثبات، والسائر إلى الله بفعل ما أمر، أو ترك ما نهى.

3- التربية بالترغيب والترهيب

إن أسلوب العقاب أو الترهيب من الأساليب التي ترفضها التربية الحديثة؛ فأسلوب العقاب ممكن أن يكون الأسلوب الأخير حين تفشل كل الأساليب التربوية الممكنة لحل المشكلة، فيجب على المعلم أن يبدأ بالترغيب قدر المستطاع، ويكرر ذلك باستمرار حتى يرى نتيجة إيجابية.

ويعبر الشيخ الغزالي عن ذلك بقوله: الترغيب هو الحث على فعل الخير وأداء الطاعات، وجاء في القرآن الكريم، والسنة مقرونًا ببشريات كثيرة، وحكم جليلة.

ويقول أيضًا: كما تقاد النفس عن طريق الرغبة، تقاد عن طريق الرهبة، فتكف عن الرذيلة خوفًا من العقوبة.

إن التخويف بالعقوبة البدنية، والتلويح بالمكافآت المادية أمران لا بأس بهما في مجال التربية، فيجب على المعلم معرفة متى يجب أن يستخدم أسلوب الترغيب، ومتى يكف عنه، ويلجأ لأسلوب الترهيب.

4- التربية بالقصة

تعتبر القصة من الوسائل التربوية الناجحة والتي لها تأثير قوي في نفوس المتعلمين؛ حيث يرى المتعلم في خياله مشاهد القصة التي تُروى له مما يزيد من فهمه لمدلولاتها، والجدير بالذكر أن القرآن الكريم استخدم هذا الأسلوب التربوي بكثرة؛ فامتلأ بقصص السابقين التي ذكرت للتوجيه، والتعليم، والتنبيه، وأخذ العظة والعبرة.

فالتربية الإسلامية الصحيحة عند الشيخ الغزالي تقوم على فقه واسع في الحياة والأحياء، في الأرض والسماء، في كل ما يؤثر فينا، ونؤثر فيه، حتى لكأن ذلك كله ديننا ودنيانا، وأولانا وأخرانا، ثم تسخير ما بلغناه بعد ذلك لإرضاء ربنا، وكسب آخرتنا.

5-التربية بشغل أوقات الفراغ

إن لم تشغل نفسك في طاعة أو شيء مفيد، شغلتك في لهوٍ ومعصية، وإن أكثر ما يقع فيه الإنسان من فساد سببه الفراغ الكبير، وقلة شغل وقته بما ينفعه، فيتبع طريق اللهو والفساد، وخاصة عند وجود تربة خصبة لذلك كرفاق السوء؛ فينبغي على المعلم أن يحث طلابه على شغل أوقات فراغهم بما يفيدهم من علم، وطاعة، ورياضة، أو هواية، وأن يشجعهم على الاستثمار المفيد لهذا الوقت، ويساعدهم في ذلك بتقديم المقترحات لهم؛ لأن كل وقت ضائع هو من عداد عمرهم، والوقت الذي يضيع لا يعود.

ويؤكد الشيخ الغزالي على قيمة الوقت فيقول: إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل، وهذا صحيح، لإن النفس لا تهدأ إذا لم تدر في حركة سريعة من مشروعات الخير، والجهاد، والإنتاج المنتظم، ولم تلبث أن تنهيها الأفكار الطائشة، وأفضل ما تصون به حياة الإنسان أن ترسم له منهاجًا يستغرق أوقاته، وأحسب أن المجتمع يستطيع الخلاص من مفاسد كثيرة لو تحكم في وقت الفراغ، لا بالإفادة منه بعد أن يوجد، بل يخلق الجهد الذي يستنفذ كل طاقة، ويوجه هذا وذاك إلى ما ينفعه في معاشه، ومعاده.

ولا ينسى المعلم أن يذكر طلبته بأنهم سيسألون يوم القيامة عن أوقاتهم، وأعمارهم فيما أضاعوها.

6- التربية بالأحداث والمواقف

تعتبر حياة الإنسان سلسلة من المواقف والأحداث المستمرة، والتي تسهم بشكل كبير في تكوين وصقل شخصيته، وبالتالي على المعلم أن يستثمر كل هذه المواقف والأحداث وتبعاتها في زرع كل سلوك محبب وكل خلق حميد في نفوس طلبته، ويؤهلهم أيضًا لمواجهة كل ما يقابلهم من تحديات، وعقبات، وعراقيل، ومشكلات، ولقد تعلم المسلمون منذ عهد سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الكثير من العبر من خلال ما مر بهم من أحداث كيوم أُحُد مثلًا.

ويقول الغزالي: إن الرجل الذي لا يعي تجاربه الخاصة، ويتعلم منها كيف يتجنب المزالق، ويتقي الخصوم، رجل مقيد النظر ضعيف الإيمان، والأمة الإسلامية التي سلخت من عمرها هذه القرون، وخرجت بثروة طائلة من الأحداث الجسام، يجب أن تضع أمام عينيها الدروس التي تلقتها خلال هذه الآماد؛ حتى لا تقع في ذات الحفر التي وقعت فيها من قبل، أو تلدغ من الجحر القديم نفسه.

ولذلك يصبح من الضروري أن يستفيد المتعلم من كل ما يمر به من أحداث ومواقف بحيث تشكل كلها خبرة يستخدمها في مواجهة مواقف أو أحداث جديدة تعصف به.

7- التربية بالتدريب والممارسة العملية

إن تعلمت ولم تمارس ما تعلمته فإنك حتمًا ستنساه، لذلك على الإنسان ألا يكتسب المعرفة والعلم فقط، وإنما يوظفها، ويسعى جاهدًا ليتدرب عليها ويمارسها في حياته؛ فتتشكل لديه خبرات رصينة تساعده باستمرار على مدار حياته، وعلى المعلم دور كبير في ذلك؛ فهو المدرب، والمرشد، والموجه، إن لم يهتم بتدريب، وتعليم طلبته، وتوجيههم لممارسة كل ما تعلموه، فمن سيفعل ذلك؟

يقول الغزالي: إن التربية ليست وضع البذور في أرض على أمل مطر يجيء، أو لا يجيء، ولا جهد وراء ذلك، كلاّ، إنها بذور وسقي وتعهد، ومطاردة للحشرات، والأوبئة، ومتابعة صاحية حتى أوان النضج، والحق أن الصحابة والتابعين كانوا نتاج تربية نبوية بشرية، جعلت منهم الجيل الذي حول الحضارة الإنسانية من حال إلى حال.

ومن ذلك يتضح أن على المعلم والمربي أن يمارس ما يعلمه لطلبته أولًا ثم يعلمهم، ويتعهدهم بالمتابعة، والتوجيه، والنصح عند الحاجة.

8- التربية بالعادة

استخدم الإسلام العادة كوسيلة تربوية؛ فهو يحول عمل الخير إلى عادة تقوم بها النفس في غير جهد، وكما نعلم فقد جاء الإسلام، وقضى على الكثير من العادات السيئة كالزنا، وشرب الخمر، ووأد البنات، وكذلك الصفات السيئة من غش، وكذب، وغيبة، ونميمة، وغيرها من العادات والسلوكيات السيئة.

ويقول الشيخ الغزالي: واعتبار الأعمال المعتادة عبادة، متى استجمعت شرف القصد، ونبل الغرض، حكم مقرر في الإسلام، لا نطيل له، فالشواهد له فوق الحصر، وأكثر عبادات المؤمن من هذا القبيل، لأن دائرة هذا النوع من الأعمال تشمل الحياة كلها، ولا يتم الدين ولا يستقيم أمره إلا بها.

وختامًا،

من خلال استعراض الأساليب التربوية عند الشيخ الغزالي ندرك أنه لم يعتمد أسلوبًا واحدًا، إنما اعتمد أساليب متعددة ومتنوعة، وكلها هدفها إعداد إنسان سوي، حسن الخلق، يعمل من أجل دينه، ويؤدي وظيفة الخلافة على الأرض؛ فالله إنما خلقه على هذه الأرض ليعمرها، ويتبع أوامره، ويجتنب نواهيه، وينأى بنفسه عن كل ما يدعو إلى المعصية والزلل، واتباع طريق الضلال، وإن النظام التربوي بكل مكوناته يجب أن يسعى لإعداد جيل حريص على العلم، والتعلم، حريص على بناء نفسه، وأمته، حريص على كل ما ينفعه.

المراجع:

الخطيب، محمد شحات وآخرون: أصول التربية الإسلامية، دار الخريجين للنشر والتوزيع، 1995م.
عويس، عبد الحليم: الشيخ محمد الغزالي تاريخه وجهوده وأراؤه، دار القلم، 2000م.
الغريب، رمضان خميس: الشيخ الغزالي حياته وعصره وأبرز من تأثر بهم، دار الحرم للتراث، 2003م.
الغزالي، محمد: تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، دار الشروق، 2007م.
الغزالي، محمد: جدد حياتك، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2005م.
الغزالي، محمد: خطب الشيخ محمد الغزالي في شؤون الدين والحياة، إعداد قطب عبد الحميد قطب، دار الاعتصام للطبع والنشر والتوزيع، 1988م.
الغزالي، محمد: خلق المسلم، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2005م.
الغزالي، محمد: معركة المصحف في العالم الإسلامي، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2005م.
الغزالي، محمد: نظرات في القرآن الكريم، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2005م.
الغزالي، محمد: هذا ديننا، القاهرة، دار الشروق، 2009م.

البحث في Google:






كاتب المقال

فاطمة أحمد الحشاش  
كتب ما مجموعه 1 مقالات اضغط هنا لقراءتها

باحثة دكتوراه تخصص مناهج وطرق تدريس، الجامعة الإسلامية، غزة فلسطين





3 تعليقات

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    صاحبة السعادة..الدكتورة / فاطمة
    سعدت بقراءة مقالتك حول أساليب التربية عند المرحوم الشيخ العلامة محمد الغزالي..
    وأثمن جهدك البحثي الذي يمثل ومضة في مجال التاصيل التربوي من وجهة نظر المفكرين المسلمين. أمثال المرحوم الغزالي.
    بارك الله جهدك ..

  2. علا فرحات شاكر

    مقال رائع ومفيد لمن يعمل بالتربية والتعليم في ظل المتغيرات الحديثة

  3. د. تيسير السعيدين

    سعدت بقراءة الموضوع ال\ي كتبت أختنا الكريمة حول الأساليب التربوية عند المرحوم الشيخ محمد الغزالي ، ولكم استمتعت بقراءة الموضوع الذي يبين لنا طريقا سلكه أعلام من المفكرين المسلمين ممن كان لهم الدور المهم على الساحة ، من أمثال أستاذ الجيل الغزالي ، ولقد استوفيت هذه الأساليب التي سلكها الشيخ في تعليمه ودعوته التي استمرت ردحا طويلا من الزمن .
    أشكر لك هذا الجهد المبارك ، وكم كنت أرجو أن يتم إثراء الموضوع من بعض المواقف التي تدلل على استخدام الشيخ هذه الأساليب من سيرتة وفي دعوته ، مع أنني أظنك قد فعلت ذلك في الموضوع الرئيس ،ولكنك اختصرت ذلك بهذه العجالة ، لتقيدك بالشروط المطلوبة لنشر هذا الموضوع ، وبارك الله فيك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *