التعليم في فنلندا

تجربة إعداد المعلم في نظام التعليم الفنلندي

مقدمة

يعد المعلم أحد الركائز الأساسية في المنظومة التعليمية، فعملية تحقيق الأهداف التعليمية المنشودة وبلوغها يقع بالدرجة الأولى على عاتق المعلم، لأنه المسؤول عن إدارة العملية التربوية على أسس عملية وفنية، فالمناهج التعليمية المتطورة وتقنيات التعليم لا تستطيع وحدها تحقيق الأهداف التعليمية المرغوب فيها؛ إذ إن ذلك يعتمد على نوع المعلم ومستواه وثقافته ومدى ما يملكه من كفاءات تعليمية وغير تعليمية تساعده على ممارسة مهنة التعليم بجودة وفاعلية.

كما أن إعداد المعلم العصري أصبح يحتوي على مساحة كبيرة من الاهتمام من قبل المختصين في مجال التربية وعلم النفس، وذلك انطلاقـًا من دوره المهم والحيوي في نجاح أهداف المؤسسات التعليمية الحديثة؛ فأصبح إعداد المعلم في جميع دول العالم وتنميته مهنيًا من أساسيات تحسين التعليم والتعلّم. (صبري وتوفيق، 2017)

وإيمانًا بدور المعلم في نجاح العملية التعليمية، يهدف هذا المقال إلى التعرف على تجربة إعداد المعلمين في دولة فنلندا – كما قرأت عنها وعايشتها أثناء ابتعاثي لبرنامج خبرات في المدارس الفنلندية – وذلك من أجل الوصول إلى صيغة إعداد معلم قادر على مواجهة العولمة والتفاعل بنجاح مع المتغيرات السريعة والاتجاهات التربوية العالمية المعنيّة بتطور أنماط التفكير، والسلوك العلمي، والاستفادة من المعرفة الإنسانية. كل ذلك للأخذ بيد المعلم والرفع من شأنه للنهوض بالعملية التعليمية في الوطن العربي والإسلامي.

مؤسسات إعداد المعلم في فنلندا

أوضح الدخيل (2014) أن مؤسسات إعداد المعلم في فنلندا تقع على عاتق الجامعات التابعة لها؛ ولذلك من السهل مراقبة الجودة وتحقيق المعايير المطلوبة، مما يمنح هذه البرامج القوة الأكاديمية، كما أن عدد هذه الجامعات قليل جدًا (خمس جامعات فقط من بينها جامعة هلسنكي وجامعة فنلندا وفروعهما)؛ نظرًا لقلة عدد سكان فنلندا (البالغ 5.5 مليون نسمة تقريبًا) وصغر مساحتها، مما يسهل عملية تقييمها وتطويرها وعملية التنسيق بينها وبين وزارة التعليم والثقافة، حيث أنه من أبرز عوامل نجاح أي مهنة التكامل بين مؤسسات إعدادها وبين وزارتها. (صبري وتوفيق، 2017)

نظام إعداد المعلم في فنلندا

تعتبر درجة الماجستير شرطا أساسيا لممارسة مهنة التعليم في فنلندا، وهناك اختلاف أساسي في نظام إعداد معلمي المرحلة الابتدائية ومعلمي المرحلة المتوسطة والثانوية، فمعلم المرحلة الابتدائية (معلم الصف Class teacher) يشترط عليه أن يتخصص في قسم التعليم، مع إنهاء مقررات فرعية في مادتين من مناهج المرحلة الابتدائية، كما يشترط حصوله على شهادة البكالوريوس بعد إكماله في ثلاث سنوات دراسية، تتبعها سنتان دراسيتان يحصل في إثرها على درجة الماجستير.

أما معلمي المرحلة المتوسطة والثانوية كما يرى أندريه Andere, 2014)) فيشترط أن يتخصصوا في المادة التي سيعلّمونها (معلم مادة Subject teacher)، حيث يلتحقون لدراسة أي من التخصصات كالرياضيات والأحياء واللغة الفنلندية في إحدى الجامعات، ومن ثم يقررون أثناء دراستهم أو بعد إتمامها أن يكونوا معلمين متخصصين للمرحلة المتوسطة والثانوية، وحينها عليهم بعد أن ينهوا أربع سنوات من الدراسة النظرية للمادة الالتحاق بقسم التعليم في الجامعة المخصّص لإعداد المعلمين ليتمكنوا من إتقان مهنتهم، وفي نهاية البرنامج ذي الخمس سنوات يحصلون على درجة الماجستير.

من خلال استعراض نظام إعداد المعلمين المتبع في فنلندا نجد بأن نظام إعداد معلمي المرحلة الابتدائية هو نظام تكاملي حيث أنه يركز على إعداد المعلم علميا وتربويا ومهنيًا جنبًا إلى جنب دون فواصل زمنية، وذلك في المرحلتين البكالوريوس والماجستير، أما بالنسبة لنظام إعداد معلمي المرحلة المتوسطة والثانوية فهو نظام تتابعي حيث بمجرد إنهاء الطالب لسنوات التخصص الأربع يلتحق بعدها لمدة عام بقسم التعليم في الجامعة بغرض الإعداد المهني التربوي، ونلاحظ أن في اشتراط الحصول على درجة الماجستير للمعلمين دلالة على المكانة العلمية التي يحظى بها معلمي فنلندا والتي جعلت منهم خبراء يتم الوثوق بهم ثقة كاملة من قبل الإدارات العليا.

نظام قبول الطلاب في مؤسسات إعداد المعلمين الفنلندية

أوضح كل من سالبيرغ (Salberg ,2010) وفاياس (Vayas ,2013) أن من بين مختلف المهن تعتبر مهنة التعليم هي الألمع في فنلندا، والأفضل في فنلندا هم فقط القادرون على تحقيق هذا الحلم المهني، على سبيل المثال، يبلغ عدد المتقدمين في برنامج للإعداد بجامعة هلسنكي 1000 متقدم سنويًا، ويتم قبول 100 طالب فقط، أي أن معدل القبول 10% فقط، ولكن يتم ذلك بالطبع وفق معايير عالية، والنتيجة أن فنلندا تختار مدرسيها من نخبة النخبة، كما أن القبول في برامج إعداد المعلمين يتم بنسب تتوافق مع نسب الاحتياج للمعلمين في المدارس.

وتوجد هناك مرحلتين لعملية الاختيار لتأهيل المعلمين في المدارس الابتدائية:

أولاً/ يتم تحديد مجموعة من المرشحين بناءً على نتائج الامتحانات الثانوية العامة، وملف الإنجاز المدرسي.

ثانيًا/على المرشح أن يخوض امتحانا تحريريا عن التربية، كما يقوم بالانخراط في نشاطات مشابهة لما يحدث داخل جدران المدرسة، حيث تتضح مهارات التفاعل والتواصل الاجتماعي لدى المرشح. بعد ذلك تجري مقابلات شخصية مع المرشحين، ويتم سؤالهم عن لماذا قرروا أن يصبحوا معلمين، هؤلاء المرشحين سيكون لديهم القدرة العالية لإكمال برنامج إعداد المعلمين الصارم.

مما سبق نجد بأن معايير القبول في برامج إعداد المعلمين هي معايير صارمة، حيث لا يتم الاعتماد على مؤشر واحد فقط للقبول بل يتم الاعتماد على عدة مؤشرات متنوعة تضمن بأن من يلتحق بهذه المهنة هو أهلٌ لها، ولعل من الملفت في هذه المعايير هو ملاحظة مهارات التواصل لدى المرشح عبر ممارسته لنشاطات مشابهة للمدرسة، والتي تفتقر إليها الكثير من أنظمة القبول في برامج إعداد المعلم في مختلف الدول، ولعل هذه الصرامة في القبول في برامج الإعداد يفسّرها ما للمعلم من أهمية قصوى في بناء الأفراد في المجتمع، فعلى يديه تتخرج كافة الكوادر التي تبني المجتمع من أطباء ومهندسين ومحامين وغيرهم.

برامج إعداد المعلمين في جامعات فنلندا

يدرس الطالب في برنامج إعداد معلم المرحلة الابتدائية خلال السنة التحضيرية المقررات التالية:

  • أساسيات في تخطيط المنهج.
  • مهارات التواصل.
  • دراما تربوية.
  • الكتابة العلمية.
  • التربية والعدالة الثقافية.
  • تقنية الاتصالات والمعلومات في التعليم.
  • مقدمة في الإعلان التربوي.

أما في السنوات التي تأتي بعد السنة التحضيرية، فالطالب يقوم بدراسة المقررات التالية (في كل برامج إعداد المعلم في التعليم العام الابتدائي والثانوي):

  • فلسفة التعليم.
  • علم النفس التربوي.
  • فن التعليم.
  • نظرية المناهج وتقويمها.
  • مقدمة في البحوث التربوية.
  • طرق البحث الكمي.
  • طرق البحث النوعي.
  • رسالة الماجستير.
  • بالإضافة إلى ثلاث مقررات في التطبيق العملي خلال فترة الدراسة في برنامج إعداد المعلمين.

ويرى مورا ووُد (Mora & Wood, 2014) أن من البرامج التي يتم تدريسها في الجامعات الفنلندية لإعداد المعلمين ما يلي:

  1. تشغل المقررات التربوية المرتبطة بالجانب المهني وطرق التدريس 20% مما يتعلمه الطالب خلال دراسته في برنامج إعداد المعلم.
  2. إن دمج البحوث والدراسات مع جميع جوانب برامج إعداد المعلم، إضافة إلى كتابة أطروحة الماجستير يعتبر من أفضل ميزات برنامج إعداد المعلم في فنلندا، فعندما يكتسب الطالب المعلم القدرة على البحث ستصبح سلوكًا لديه يستفيد من خلاله من أحدث التطورات في مجال البحوث التربوية وسوف تستمر معه هذه العادة طوال حياته المهنية، كما أنهم سيعملون على دمج النتائج العلمية الجديدة في عملهم، وسينعكس ذلك على تفكير طلابهم وسلوكهم.
  3. تتميز مدة التدريب العملي في مؤسسات إعداد المعلمين في فنلندا بأنها تدريب مكثّف وشامل وفعّال، كما يتضمن نظام توجيه وإرشاد بالغ الدعم، يشمل مشرفين مدربين ومعلمي صف يدعمون طلابهم المعلمين خارج الصف بمساعدات قيّمة، فمشرفو الجامعة أكثر تأثيرًا على الطالب من الناحية الأكاديمية، بينما معلمو الصف هم أكثر تأثيرًا من ناحية التدريب العملي، لأنهم أكثر دراية بالمناهج وطرق التدريس في المدرسة، إن هذا التركيز على العلاقة بين المشرفين ومعلمي الصف والطلاب المعلمين هدفه رؤية الطلاب كيف أن النظرية والتطبيق في تفاعل مستمر مع بعضها البعض.
  4. توجد دراسات أكاديمية تشمل التخصص الذي سيدرّسه المعلم، وقد تكون متخصّصة أو ثانوية اعتمادًا على المؤهل المرغوب الحصول عليه.
  5. يدرس الطلاب مهارات التواصل واللغات وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات إلزاميًا.
  6. يتدرب الطلاب على التعلم الذاتي، وهي تقودهم لتطوير برامجهم الفعّالة وخططهم المهنية ودفعهم لتحقيق أهدافهم.
  7. توجد مقررات اختيارية متنوعة وتتوافق مع المؤهل الذي يسعى الطلاب المعلمين للحصول عليه.

إن من أهم ما يميّز برامج إعداد المعلم في فنلندا وما يمنحها قوة علمية كبيرة تركيزها على إكساب الطالب المعلم المهارات البحثية، التي تجعل منه مواكبًا لأبرز تطورات العلم ناقلًا ذلك لطلابه، إن هذا التركيز على مهارات البحث دفع البعض لإطلاق مسمى تدريب المعلمين القائم على البحث على برامج إعداد المعلم في فنلندا، كما أن من أهم ما يميّز هذه البرامج أيضًا التركيز على التعاون بين مختلف الجهات ذات العلاقة بين المرشد الجامعي ومعلم الصف، أو بين المرشدين والطالب، أو بين الجامعة والمدرسة، إن كل ما يدور داخل برامج إعداد المعلم في الجامعات الفنلندية يدعم هذه القيمة لأهميتها البالغة في نجاح رسالة التربية.

 


المراجع والمصادر

الدخيل، عزام بن محمد. (2014). تعلومهم: نظرة في تعليم الدول العشر الأوائل في مجال التعليم عبر تعليمهم الأساسي، بيروت، لبنان، الدار العربية للعلوم ناشرون.

صبري، عبد العظيم وتوفيق، رضا. (2017). إعداد المعلم في ضوء تجارب بعض الدول. القاهرة، مصر، المجموعة العربية للتدريب والنشر.

Andere, E. (2014). Teacher’s Perspectives on Finnish School Education Creating Learning Environments. New York, USA: Springer.

Mora, J and Wood, K. (2014). Practical Knowledge in Teacher Education. New York, USA: Rout ledge.

Niemi, H, Toom, A and Kallioniemi, A. (2012). Miracle of Education the Principles and Practices of Teaching and Learning in Finnish Schools. The Netherlands, US: Sense Publishers.

Salberg, P. (2009). A short history of educational reform in Finland.

Salberg, P. (2010). Finish Lessons: What Can the World Learn from Educational Change in Finland? New York, USA: Teachers College in Columbia

University.

Vayas, A. (2013). Teacher Preparation: A Comparison between British Columbia and Finland.

Hammerness, Karen, Athiainen, Raisa & Salhlberg, Pasi .(2017). EMPOWERED EDUCATORS IN FINLAND. SCOOP: Jossey-Bass A Wiley Brand.

https://www10.uta.fi/opas/koulutus.htm?opsId=161&uiLang=en&lang=en&lvv=2018&koulid=402

البحث في Google:





عن رائف بن حسن بودريس

أخصائي موهبة وابتكار في وزارة التعليم بالمملكة العربية السعودية، وماجستير في المناهج وطرق تدريس العلوم في جامعة الأمير عبدالرحمن بن فيصل. حاصل على جائزة الأداء المتميز فئة المعلم على مستوى تعليم المنطقة الشرقية. مبتعث إلى فنلندا في برنامج خبرات ومدرب عالمي في تصميم المناهج الإثرائية العلمية بمنهجية STEM/STEAM من جامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية وجامعة ميتشيغان. ومؤلف كتاب كيف تصبح فائق التفكير.

2 تعليقان

  1. د. محمود أبو فنّه

    مقال جيّد يعرض كيفيّة إعداد المعلّم في فنلندا،
    والمعايير الصارمة في اختيار المرشّحين لهذه المهنة،
    لذلك لا غرابة أن يحقّق التعليم في فنلندا الجودة والتميّز!

  2. د. تيسير السعيدين

    لقد أعجبني اعتماد السياسة التعليمية في إعداد المعلم في فلندا عملية الاختيار للمعلمين المنظورين ، وذلك من خيرة الخيرة ، إضافة إلى اشتراط حصوله على درجة الماجستير كي يتاح له الالتحاق بالتدريس ، وإخضاعه لبرامج أكاديمية ومهنية ، وعدم قبول إلا من يحتاج إليهم في التعليم ، بحيث يقبل ما نسبته 10% ممن يتقدمون ، وذلك بعد إخضاعهم لمقابلات معينة ، ولا كان التعليم في فلندا قليلة السكان ومحدودة المساحة ناجحا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.