الرئيسية » كتب » سلسلة حكايات كما يجب أن تروى، الحكاية السابعة: فأر المدينة وفأر الريف
فأر المدينة

سلسلة حكايات كما يجب أن تروى، الحكاية السابعة: فأر المدينة وفأر الريف

يدخل هذا الموضوع في إطار التعاون بين مدونة تعليم جديد والكاتبة ليلى جبارة، وهو السابع من سلسلة “حكايات كما يجب أن تروى. تُنشر حصريا على صفحات الموقع.

في يوم من الأيام زار فأر المدينة أقاربه في الريف فاستضافوه في منزلهم المتواضع وجهزوا له عشاء بسيطا من حبوب القمح والذرة المسلوقة وبعض الفواكه بالإضافة إلى الحليب الطازج.

بعد الانتهاء من العشاء، بدأ فأر المدينة المتأنق ببذلة جميلة وربطة عنق مخططة بالأحمر والأسود، وحذاء لامع في الحديث مسترسلا:” القرية مكان جميل، ولكن المدينة مكان ساحر، هي الأفضل للعيش بكل وسائلها الحديثة. من أراد الاستمتاع بالمأكولات الشهية فكل أنواع الأجبان موجودة مثل الجبن الرومي بطعمه الحاد، الشيدر بأصنافه الثلاثة العادي، اللاذع، ومعتدل اللذاعة، الجبنة البيضاء والزرقاء وغيرها كثير، فضلا عن المشروبات اللذيذة. أما البيوت فهي راقية والمراكب فارهة والمرافق العامة عصرية”.

أعجب الجميع بحسن المدينة ومزاياها وترفها غير أن الفأر الصغير “فرفور” انبهر بما سمعه ولم يخف رغبته في السفر إليها، وأخذ يترجى والديه لزيارتها فقال الضيف:” هلا سمحتما له بمرافقتي في الغد إلى المدينة وسأعيده بعد ثلاثة أيام إن شاء الله.”

تشاور الوالدان قليلا وأمام نظرات ابنهما المتوسلة وافقا على شرط أن يعتني به جيدا لأنه كثير الحركة فضولي ويحب لمس الأشياء.

استعد فرفور للسفر، وفي الصباح الباكر، انطلق مع قريبه في رحلته إلى المدينة. كان طول الطريق منبهرا بالشوارع الواسعة والسيارات الكثيرة والبنايات الشاهقة. عندما وصلا إلى المنزل، تفاجأ فرفور بحجمه الكبير وشكله الغريب، ولما دخل شد انتباهه الأثاث الفاخر في الغرف المزينة بورق جدران جميل. وبدأ يتجول في كل الأرجاء، فرأى قطعة جبن شهية في الزاوية فأسرع إليها وما إن اقترب منها حتى أمسكته المصيدة، فأخذ يصرخ من شدة الألم فأسرع قريبه لنجدته وأراد رفع الدواسة المعدنية ولكن عبثا ما حاول، فقد كانت مثبتة جيدا ثم بدأ في جذبه فانقطع ذيله الذي بقي عالقا في المصيدة.

نام فرفور من شدة التعب والألم وبقي ليومين ملازما الفراش ولما تمكن من المشي قرر قريبه إعادته لبيته كي لا يتعرض لحادث آخر.

رجع فرفور مع فأر المدينة للريف وفزعت أمه عند رؤيته من غير ذيل، فأخبرها القريب بما جرى فحزنت كثيرا لأنها كانت تعلم أن ابنها طائش مفرط في الحركة وندمت على السماح له بالذهاب إلى مكان لا يعرفه وبه مخاطر كثيرة.

بعد شهر حن فرفور للذهاب إلى المدينة مجددا وتذكر الطعام الفاخر على الطاولة ولكنه يعلم أن والديه لن يسمحا له بالذهاب فقرر التسلل خفية قبل طلوع الفجر وزيارة قريبه والعودة في المساء.

وبالفعل توجه فرفور إلى المدينة وكان يسأل كل من يصادفه عن الطريق إلى أن وصل بعد رحلة متعبة تعرض أثناءها لمخاطر عديدة، فقد كادت أن تدهسه السيارات عدة مرات كما اضطر للهرب من الكلاب الضالة والقطط المتشردة التي لاحقته في الطرقات.

لما رآه قريبه ظن أنه جاء رفقة عائلته فرحب به ولكنه اندهش لما علم أن فرفور جاء لوحده، فاستاء ووبخه على تصرفه غير المسؤول، وطلب منه البقاء حتى صباح الغد ليرجعه إلى أهله.

أما عائلة فرفور فقد كانت تبحث عنه طول الوقت ولم تجده، وارتاب الأب في كون ابنه الشقي قد سافر إلى المدينة فقرر الذهاب إلى قريبه للاستعلام.

وصل أبو فرفور ليلا إلى بيت فأر المدينة وغضب كثيرا من تصرف فرفور وقرر معاقبته، ولكن القريب تدخل ليهدئ الأمور ووضع مائدة العشاء وإذا بصوت قط في الجوار فصاح محذرا:” هيا أسرعا اختبئا إنه قط المنزل وهو حيوان شرس ولو امسك بنا أكلنا”.

أسرع الجميع للاختباء، وعندما غادر القط عادوا ثانية إلى الطاولة، وكان فأر المدينة يتناول الطعام طبيعيا بينما كان فرفور وأبوه يرتعشان من الخوف ولم يستطيعا تناول شيء.

وما هي إلا لحظات حتى سمعوا صوت كلب، فسأل فرفور المرعوب عن مصدر الصوت فأجابه فأر المدينة أن هذا صوت كلب صاحب المنزل وعليهما أن يسرعا للاختباء. وبعدما غادر الكلب، خرجت الفئران من مخبئها فقال والد فرفور:” لقد اكتفينا هذه الليلة يا عزيزي وحان وقت عودتنا إلى الريف.”
فقاطعه فأر المدينة:” كيف تعودان وقد وصلت منذ قليل فقط كما أن الوقت متأخر”، فقال أبو فرفور:” إن المدينة وعلى كبرها ورفاهيتها وكل أطباقها الفاخرة ومرافقها العصرية لا توفر الحياة التي نتمناها، والريف رغم بساطته فهو أكثر راحة بهوائه العليل النقي وخضرته النضرة وأمنه الدائم.”

نظر الأب إلى ابنه وقال:” هيا يا صغيري فنحن لم نخلق لنعيش في هذا المكان الخطر، ما خصنا الله به من نعم في الريف لا يمكن أن نجدها أبدا في المدينة.”

ودع فأر المدينة فأرا الريف ووعدهما بزيارتهما كلما سمحت له الفرصة لينعم ببعض الراحة والسكينة بعدما أخبرهما أنه لا يستطيع العيش في الريف فقد اعتاد  صخب المدينة وحداثتها رغم كل ما فيها من مخاطر.





كاتب المقال

ليلى جبارة  
كتب ما مجموعه 18 مقالات اضغط هنا لقراءتها

متحصلة على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والاتصال، تخصص اتصال وعلاقات عامة، جامعة الجزائر 2005. باحثة في شؤون الأسرة والطفولة. مشرفة على القسم الاجتماعي في جريدة البيان سابقا، وصحفية في أسبوعية الشروق العربي سابقا، وكاتبة صحفية في جريدة البصائر سابقا. كاتبة صحفية في موقع زاد دي زاد بوابة الصحافة الجزائرية.





2 تعليقان

  1. محمد صالح حامد

    هل يمكن أن نقول من فوائد هذه القصه أن سكان المدينه أكثر تأقلما في الحياه من سكان الريف ؟!

    • مجرد رأي

      المغزى من القصة والله أعلم أن البعض يقدم تنازلات هامة مقابل أشياء مادية يمكن التخلي عنها، كما ان الحداثة ورغم ما حملته معها من تطور تكنولوجي إلا انها خلفت أثارا سلبية مثل الضجيج والصخب والازدحام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *