الرئيسية » دراسات » قيادة التغيير في المدرسة

قيادة التغيير في المدرسة

هذا المقال من المشاركات المتأهلة للدور الأول من جائزة تعليم جديد التربوية، في نسختها الأولى.

لا شك أن التغيير يحدث على مدار اليوم و الساعة: الماضي القريب، قبل البعيد، شهد تغييرات كبيرة. فلننظر فقط للتغييرات المتلاحقة التي حدثت في عالم الأجهزة التقنية مثل السيارة و التلفزيون و الكمبيوتر و المحمول، و التي لم يطل بها العهد مقارنة بالبشر الذين ربما ظهروا في الأرض كمخلوقات تتغير و تُغير قبل أكثر من عشرة آلاف عام على أقل تقدير.

و من ناحية أخرى، فلننظر إلى مخلوقات الله فوق الأرض و نسأل أين ذهبت الديناصورات و لماذا انقرضت خصوصا و أنها كانت تحيا جنبا إلى جنب مع الثديات؟ انقرضت الديناصورات لأنها قاومت التغيير، لكن الثديات بقيت إلى اليوم لأنها تجاوبت مع التغيير. إن التغيير هو الأداة العجيبة التي تمنع التراجع و الانهيار و الانقراض.
التغيير هو سنة الحياة. كان معنا منذ الأزل و سيبقى. كل المطلوب منا هو أن نحسن التعامل معه. و من أجل تحقيق هذا الهدف نوضح أن هناك طريقتان للتعامل مع التغيير:
– طريقة رد الفعل، و ذلك بالتحرك عندما يتوجب الأمر ذلك، و غالبا بعد فوات الأوان. و هو الأمر الشائع بين كل من يتعامل مع التغيير.
– و طريقة الاستباق، و ذلك بالتحرك عبر التخطيط لجلب التغيير في حينه أو أبكر. و هو ما يسمى بالتغيير الفعال الذي نرشحه للناس ليتخذوه وسيلة للتقدم و الرقي وإدامة الخير و الرفاهية.

المؤكد أن أي معلم و أي مدير يملك تجربة ما مع التغيير، و يعرف بعض العناصر التي ساهمت في نجاح التغيير الذي أحدثه في المدرسة ذات مرة. بل و يعرف المعوقات التي اعترضت طريقه و يعرف الكيفية التي تغلب بها على تلك الصعوبات. فهلم نشحذ الذاكرة و نشير معا إلى بعض تلك المعوقات.

تتمثل بعض معوقات التغيير في نقص المعلومات أو في وجود معلومات خاطئة. و في الخوف من الفشل و الخوف من المجهول، لأن التغيير دائما ما يقود إلى عوالم جديدة. وتوجد صعوبات أخرى تتمثل في ما يأتي من الناس في المؤسسة، معلمين و إداريين وطلاب و آباء. بعضهم ليست لديه رغبة في التغيير أو التجريب. و بعضهم صار أسيرا لعادات راسخة من الصعوبة زحزحتها. و بعض آخر يرى في التغيير القادم مصدر تهديد لوضعه المستقر و خصوصا إذا كان له علاقة بمركز السلطة. و تبقى معرفة ردود أفعال الناس تجاه التغيير ضرورية لكل من شمر ساعده و قرر احداث التغيير. لأن التغيير لا يحدث بالنوايا الحسنة وحدها.

و عليه نقول أن أبرز معوقات التغيير إنما تأتي من (1) الناس و من (2) الثقافة السائدة بينهم. إن أول ما تسمعه من الناس هو أعذارهم وراء رفض التغيير. فالبعض يعتقد بعدم وجود وقت للتغيير و أن الأسلم هو الانتظار ريثما تهدأ الأمور التي أوحت بضرورة التغيير. و بعض آخر قد يطلب منك النظر إلى الواقع و الاعتراف بعدم جاهزية الناس لتغيير ما تعودوا عليه. البعض يصرخ (لا .. ليس مرة أخرى) لأنه يستدعي تجربة تغيير سابقة فاشلة. فالغالبية دائما تستنكر التفكير في إحداث التغيير بالقول أن المدرسة تسير الآن على خير ما يرام من دونه. و يضيفون أن المدرسة تسير على هذا النهج المطلوب تغييره اليوم عهودا طويلة دون أن يتبرم منه أحد.

إلا أن ردة فعل الناس الغالبة هي الخوف: الناس دائما تخاف من التغيير و تصطنع أشكالا مختلفة من الأعذار لمقاومة التغيير. و الواقع أن الناس تخاف من التغيير و تتمسك بالقديم ليس حبا في القديم أو كرها للجديد. إن المخيف بالنسبة لهم هو الطريق بين القديم و الجديد. هذه المسافة هي التي تبعث في نفوس الناس القلق و الخوف و التوتر. من يريد التغيير عليه أن يتعرف على ما سيواجهه من الناس مما يعتمل في نفوسهم من مشاعر و يتعامل مع تلك المشاعر مباشرة بالحوار و النقاش و الشرح و التوضيح.

الذي يريد إحداث التغيير عليه أن يعرف أن ردة فعل الناس تجاه التغيير تم رصدها علميا و وُجد أنها تمر ب 5 مراحل يجدر بكل من يتصدى للتغيير معرفتها ليتسلح بالصمود اللازم لعبورها بنجاح. وهذه المراحل الخمسة هي:
– الصدمة و الإنكار: الناس لا ترى علامات الانهيار التي يراها صاحب التغيير، الذي يبقى وحيدا في الساحة يمضي في طرحه بضرورة التغيير.
– الغضب و اللوم : الناس تستغرب إصرار صاحب التغيير على مشروعه حين يرون أنه بدأ يستميل البعض إليه، بينما هو ماض في دربه.
– المقاومة: صاحب المشروع يمضي قُدما و ينضم إليه التابعون الأوائل. والناس تتخوف من هذا التطور و تعتقد أن من واجبها حماية النظام مما سيصيبه من خلل بسبب مشروع غير واضح المعالم.
– القبول على مضض: صاحب المشروع و التابعون الأوائل ينجحون في استقطاب الغالبية الأولى، ثم تضعف المقاومة و تنحصر في فئة المتباطئين.
– الالتزام: ينجح التغيير و ينضم إليه المتابطؤون الذين بطبعهم يكونون آخر من ينضم.

من ناحية أخرى التغيير متعلق بالإيمان. فالإيمان في قلب من يريد التغيير هو الذي يلهم الرؤية الصالحة و الصبر على الطريق الذي سيكون محفوفا بالصعاب. و للدلالة على أهمية الإيمان نسوق القصة التالية: في مطلع القرن العشرين كلفت الحكومة الأميريكية البروفيسير سايمون لانقلي المتخصص في علوم الفيزياء بالبحث عن أسرار الطيران و من ثم تسخيرها لنهضة البلاد.  امتلك سايمون لانقلي وصفة النجاح الثلاثية: المال + العمالة + السوق.  و في جانب آخر من الكرة الأرضية انهمك الأخوان رايت في نفس البحث دون أن تكون لديهم القدرات العلمية أو المالية المطلوبة. لكنهما كانا مدفوعين بالإيمان أن الطيران سيغير مسار الحياة، بينما كان بروفيسير لانقلي مدفوعا بالرغبة في تحقيق الثراء و الشهرة. وفي 17 ديسمبر 1903 حلق الأخوان رايت بطائرتهما، و ما زال العالم يحلق معهما إلى يومنا هذا، بينما استقال بروفيسير سايمون لانقلي و خرج من التاريخ.

من المهم أيضا لمن يريد إحداث التغيير أن يعرف أن التغيير يتضمن نظرية نشر الابتكار التي باتت معروفة على نطاق واسع في الأوساط العلمية. فالتغيير هو تقديم الجديد المبتكر و غير المألوف. وحَمَلَة لواء التغيير لا يتوجب عليهم الوصول لكل فرد من أفراد الجماعة أو المجتمع المراد تغييره. و توضح نظرية نشر الابتكار أن وصول المبتكر بنفسه لكل الناس سلوك غير عملي و غير مفيد. إنما المفيد هو التركيز على فئة صغيرة من أفراد المجتمع المقصود و التي تسمى (التابعون الأوائل) و القيام بشرح فكرة التغيير المطلوب لهم. والتابعون الأوائل هم مجموعة من الناس لهم ميل كبير لاتباع فكرة التغيير لأنهم يشتركون مع صاحب فكرة التغيير في الإيمان بها. و صاحب التغيير يقوم بمخاطبتهم خطابا إيمانيا يستهدف أفئدتهم فتهوي إليه. فهم الذين سيروجون لفكرة التغيير المطلوب وسط المجموعات الأخرى بنفس حماس صاحب التغيير. و النتيجة أن غالبية الناس سينضمون إلى فكرة التغيير بسبب نظرية نشر الابتكار.

و هذا هو بالضبط ما تفعله شركات التقنية العالمية عندما تروج لابتكارها الجديد (أجهزة المحمول مثلا) . حيث تخاطب الدعايات التابعين الأوائل قائلة لهم بأن الجهاز الجديد صُنع لأصحاب العقول الوثابة الذين يبنون المستقبل. فالشركة لا تركز على المزايا التقنية للجهاز مثل القول أن له كاميرتان و أن سعته التخزينية بلا حدود… و النتيجة أن التابعين الأوائل هم فعلا أول من يتجشم متاعب الاصطفاف أمام محلات بيع الجهاز ليشتروا هذا الجهاز بأضعاف ما سيكون عليه السعر في وقت لاحق. التابعون الأوائل هم الذين سيسعون بالجهاز بين الناس يخاطبونهم بما يلهمهم حينما يشرحون المزيد من المزايا التقنية فينطلق مئات الالاف من الناس لنقاط البيع مشكلين الغالبية الأولى .(مرجع رقم 1)

و الحقيقة أن الإيمان عنصر قوي من عناصر نجاح التغيير. لكنه وحده لا يجدي فتيلا. فالإيمان يشبه الشرارة التي ستشعل الحريق في كومة القش المرشوش بالزيت. هذا الزيت و ذلك القش يمثلان الأشياء التي يجب أن يمتلكها صاحب التغيير و التي تشمل أشياء مثل: الرؤية العميقة و الخيال الخصب، إضافة إلى المعرفة بقواعد بناء الفريق والقدرة على تحمل أجواء الغموض و عدم وضوح الرؤية.

و في هذا الصدد نجد أن العالم جون كوتر أشار إلى أن خطوات التغيير ثمانية تبدأ بإنشاء ضرورة ملحة للتغيير وسط المؤسسة، ثم تكوين تحالف قوي أو فريق عمل متحمس للتغيير. حيث يقوم الفريق بتكوين رؤية واضحة المعالم ثم يعمل على نشر تلك الرؤية بين الناس. و يواصل الفريق البناء إلى أن يكتمل التغيير المطلوب الذي يجب أن يقوم الجميع بتثبيته في ثقافة المدرسة. إلا أن معظم محاولات التغيير التي تتشتت جهودها تكون بسبب أن صاحب التغيير (المدير مثلا) غالبا يتحرك منفردا و يصر على الوصول المباشر لكافة أعضاء المجتمع (المدرسة). و النتيجة أنه يلاقي الرفض (كما هو متوقع لأي فكرة تغيير جديدة) الأمر الذي يصيبه بالصدمة ثم الإحباط، فينطوي حزينا على نفسه و قد أصابه زهد عميق في القيام بأي مبادرة تغيير مستقبلا. (مرجع رقم 2)

أما و قد وصلنا إلى هذه المرحلة فيجب أن نقول أن السؤال المهم لمن يتعامل مع التغيير هو (متى يجب أن يتم التغيير؟) . والواقع أن القادة الأفذاذ يعرفون متى يوقعون التغيير خصوصا عندما يبدو للآخرين أن كل شئ يسير على خير ما يرام. وعموما يصبح التغيير مفروضا عندما تبدأ التنمية في التراجع. و لكن التغيير الفعال يجب أن يكون قبل بدء التراجع. و الحالتان تتم مراقبتهما و التعرف عليهما عبر ما يعرف بنظرية منحنى سيجمويد التي نشرحها على النحو التالي :

ملحوظة: منحنى سيجمويد هو في الأصل دالة رياضية لمنحنى في شكل الحرف S .

بتحليل إحدى برامج التنمية في مدرستك ربما تجد أن معدل النمو قد بدأ يتراجع مكونا ما يعرف بربوة النمو. وظهور البدايات الأولى لهذه الربوة يمثل اللحظة المناسبة لإحداث التغيير. لأن الانتظار حتى اكتمال ظهور الربوة يكلف المدرسة الكثير من الوقت و الجهد. وظهور الربوة يعني أن معدلات النمو قد تراجعت. والأمر الجيد هنا هو أن الكل سيقتنع بحتمية التغيير. لكن التغيير في هذا التوقيت بالذات يعني البدايات الجديدة  عادة ما تُحدث تراجعا آخر في النمو، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى الفشل في إحداث التغيير ثم إلى تفشي الفشل في كافة مفاصل المؤسسة. و لذلك فان التغيير الفعال هو الذي يبدأ مع البداية الأولى لتَكَوُّن الربوة. هذه البداية الأولى عادة لا تكون مرئية بشكل جيد للكثيرين في المؤسسة. و كل من يريد إحداث التغيير بناء عليها سيلاقي الكثير الكثير من الرفض و العنت لأن الناس تعتقد أن كل شئ يسير على خير ما يرام. و لذلك يحتاج التغيير إلى قادة أقوياء يجيدون التعامل مع الظروف الصعبة.(مرجع رقم 3)

الحياة إذن تستمر بالتغيير. و التغيير إذن حتمي. و إذا حصرنا حديثنا في المدرسة نرى بكل وضوح أن كل العاملين فيها إنما تدور أعمالهم كلها حول إحداث التغيير كل في دائرته الصغيرة. أما التغيير الشامل للمدرسة كلها فيحتاج إلى معرفة تامة بالمدرسة و اشتراك الجميع في تبني الرؤية، بالإضافة إلى قيادة قوية مدعومة من أصحاب الشأن من خارج المدرسة مثل الآباء والخريجين وغيرهم من الداعمين. و أخيرا، سواء كان التغيير فرديا أو جماعيا فإن الخطوة الأولى نحو التغيير الفعال هي الوعي الكافي بأسراره.

المراجع:

Rogers، E (2003) Diffusion of Innovation، 5th New york: Simon and Schuster
Kotter، J (2008) Forces for Change ; How leadership is different from management ; Free Press
Charles B Handy، (1994) The Age of the Paradox، Harvard Business School Press


مقالات يمكن أن تعجبك




كاتب المقال

نوري حمدون  
كتب ما مجموعه 5 مقالات اضغط هنا لقراءتها

موجه لغة إنجليزية، مدرب معتمد لدى المجلس الثقافي البريطاني في مهارات التعلم للقرن الحادي و العشرين، ألف أكثر من (80) ثمانين مقال في مجالات التعليم والدين والسياسة والاقتصاد، حاص ل،في كينيا، على شهادة تدريبية في مهارات التعلم للقرن الحادي و العشرين من مؤسسة IMAGINE EDUCATION )) البريطانية مع المجلس الثقافي البريطاني - السودان





تعليق واحد

  1. شكرا لكم. موضوع جميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.