تشجيع الاتجاه نحو مواطنة عالمية

تشجيع الاتجاه نحو مواطنة عالمية

إن بناء المواطن يعد من أسمى أهداف التعليم، وفي كل الأحوال فإن بناء المواطن يختلف من مجتمع لآخر ومن دولة إلى أخرى.

ومن هنا فإن المؤسسات التربوية يجب أن تضع نصب أعينها مفهوم المواطنة كهدف رئيس من أهدافها، فالمواطنة عبارة عن عطاءات كافية ومتبادلة تتساوى فيها كل من الحقوق والواجبات.

تضع المنظومة التعليمية اللبنات الأولى للمواطنة من خلال ثوابت وممارسات يدركها الطالب في بداية حياته التعليمية ويُبني عليها.

إن المؤسسة التربوية هي التي تصنع المواطن، ومن ثم فهي التي ترسي أو تدمر مفهوم المواطنة لديه.

من هنا كانت أهمية النظر إلي المنظومة التعليمية بعين فاحصة تسمح لنا أن نُقوّم أي خلل يعتريها في هذا الشأن فالنتائج خطيرة في كل الأحوال.

تحديد المصطلحات:

من البداية لا بد من التفرقة بين كل من:

  • الولاء: وهو شعور أو اتجاه بالارتباط والتعاطف.
  • الانتماء: وهو أن يكون الإنسان جزءا من شيء آخر أو أن يكون عضوا في مجموعة.
  • المواطنة: وتعني وضع ومكانة المواطن من حيث واجباته وحقوقه وحياته.

اعترف أعضاء المجتمع الدولي بالتعليم من أجل المواطنة العالمية والتنمية المستدامة، باعتباره عنصرا مركزياً للسلام والعدالة في جميع أنحاء العالم. فقد أعلنت الأمم المتحدة متمثلة في أمينها العام السابق عام 2012م أن تعليم المواطنة العالمية ركيزة أساسية لمبادرة الأمم المتحدة الأولى للتعليم.

ونظراً لأن المواطنة العالمية وتعليم المواطنة العالمية يأخذان تركيزاً بالغ الأهمية في مجال التعليم، فمن المهم أن نفهم كيف يتم تقديم تعليم المواطنة العالمية في البيئات التعليمية، حيث تختلف مناهج المواطنة العالمية في معالجة هذه المسائل.

وهناك العديد من المجالات الجوهرية مثل تعلم اللغات، والوعي البيئي، والمشاركة في الأعمال العابرة للثقافات، وتاريخ العالم والأدب، والكفاءة التكنولوجية التي نستطيع من خلالها نشر ثقافة المواطنة العالمية.

و قد تختلف مناهج المواطنة العامية باختلاف التوجهات العلمية المتخصصة والتوجهات النظرية، من مكان إلى مكان ومن بيئة إلى بيئة في البلدان المختلفة من العالم.

وقد شكلت صياغة مفهوم المواطنة العالمية تحديًا للممارسين والباحثين، نظرًا للركائز الإيديولوجية والقيم المتنازع عليها والتي تشكل أسلوب فهم المواطنة العالمية، وتركز المقاربات العالمية لمعالجة قضية المواطنة العالمية على جوانب مثل التعريف، والوعي العالمي، وفهم العلاقات العالمية.

وتُؤكد هذه المقاربة على أهمية أن يصبح الأفراد أكثر انفتاحًا على الشعوب من البلدان الأخرى، والاهتمام بتاريخهم وثقافتهم والتعرف عليهم من خلال القراءة والسفر والاتصال الشخصي، علاوة على ذلك فإن الفهم المنفتح يؤمن بفكرة أن الناس في جميع أنحاء العالم يتقاسمون تعبيرات ثقافية مشتركة، وأنهم مرتبطون ببعضهم البعض من خلال وسائل اتصال مختلفة ومتنوعة.

ويعد الاهتمام بالمشكلات العالمية من أهم الركائز التي يعتمد عليها مفهوم المواطنة العالمية ويتفهم المواطن العالمي دوره في بناء العلاقات من خلال الإيمان بالتنوع وإيجاد الأهداف المشتركة العابرة للحدود الوطنية، فالمواطن العالمي لديه شعور بالانتماء والمسؤولية تجاه المجتمع الكبير الموجود خارج مجتمعاته المحلية والوطنية.

وبافتراض أن مفهوم المواطنة العالمية مفهوم مجرد وأعلى من مستوى المفاهيم القومية فتلح هنا أسئلة هامة جدًا وهي:

  • كيف يتم نشر فكرة “المواطن العالمي”؟.
  • كيف تصبح فكرة” المواطن العالمي” مدمجة داخل المنظومة التعليمية على المستويات المحلية؟.

تفترض نظرية المجتمع العالمي أن الدول القومية تتأثر بالنماذج العالمية لغرض التحديث والتقدم، وأن الدول تتبنى هذه النماذج لتأكيد تفاعلها بصورة سليمة في عالم هو بمثابة قرية واحدة.

ونظرًا لأن هذه النماذج العالمية توفر معايير قياسية تستطيع الدول القومية استخدامها لتقديم نفسها على أنها دول ذات تفاعل  دولي قوى وفعال.

إن تضمين قيمة المواطنة العالمية في الكتب الدراسية بتدرج منظم في جميع المراحل التعليمية هو السبيل لنشر ثقافة المواطنة العالمية داخل المجتمع.

من المحتمل بهذا التضمين أن يتم إيصال تعزيز العمل الفعال والشعور بالمسؤولية لكل أفراد المجتمع من أجل عالم أكثر سلامًا واستدامة عن طريق المواطنين ذوي التفكير الانتقادي الذين يشعرون بالمسؤولية تجاه الأمة.

لا يمكن هنا تجاهل دور المنظمات الدولية وفقًا لما اقترحته نظرية المجتمع العالمي، حيث يتم نقل القواعد العالمية على يد المنظمات الدولية التي على الرغم من افتقارها للسلطة الموثوقة تضع القواعد وتصيغ المعاييروتنشر أفضل الممارسات وتمثل على نطاق واسع” الإنسانية” في مواجهة الدول والجهات الفاعلة الأخرى.

في الواقع غالبًا ما تشارك المنظمات الدولية مع المؤسسات الوطنية، مثل المدارس والحكومات ومنظمات المجتمع المدني المحلية، لتوفير التدريب وتسهيل تقديم الخبرات بناءً على النماذج العالمية، وهذا ما سيضفي الطابع المؤسسي على مفهوم المواطنة العالمية.

من المهم أن نلاحظ أن القيم التي ترتكز عليها المواطنة العالمية مثل فاعلية الفرد، والتنمية المستدامة مترسخة في المُثل العليا لكل البلدان تقريبا وبذلك يجب التركيز والتنقيب عنها فقط لإبرازها بالشكل الذي يجب أن تكون عليها للإفادة في نشر ثقافة المواطنة العالمية.

بالإضافة إلى أنه يُنظر إلى تعليم المواطنة العالمية على أنه ضروري لبناء عالم استيعابي ومستدام فإن كثير من المعلمين ينظرون إلى تعليم المواطنة العالمية باعتباره يؤدي دورًا أساسيًا في تزويد الشباب بالكفاءات المطلوبة للعيش والازدهار في عالم معولم.

إن الكفاءات المرتبطة بتعليم المواطنة العالمية ستؤدي إلى تحقيق ثمرات وعوائد اقتصادية للأفراد والبلدان، وسبب ذلك أن الكفاءات التي يعززها تعليم المواطنة العالمية، مثل القدرة على إعمال الفكر في وجهات نظر متعددة وعلى التفكير النقدي والانخراط في التواصل بين الثقافات، وفي حل المشكلات ينظر إليها المربون والعلماء على أنها مهمة وضرورية للعمل والحياة في ظل الاقتصاد المعولم.

بالنظر إلى هذه الفوائد المتصورة، فإن فرضية أن الدول القومية الأكثر اندماجا في الاقتصاد العالمي ستعمل على تعزيز الكفاءات العالمية بين شبابها، لأن القيام بذلك سيحقق لها ثمرات وعوائد على مستويات كثيرة منها الاقتصادي والاجتماعي.

غالبًا ما تجمع البرامج التعليمية في المجالات الرسمية وغير الرسمية بين أهداف متعددة لتعليم المواطنة العالمية، بل يصل بها الأمر إلى أن تشجع على تأطير تعليم المواطنة العالمية بطرق تتقاطع مع مجموعة من وجهات النظر الأيديولوجية، هادفة من ذلك جذب جمهور واسع النطاق إليها.

و قد يختلف نطاق تصوير جوانب المواطنة العالمية في المحتوى التعليمي، وقد يتطور بمرور الوقت وعبر السياقات القطرية باستخدام مجموعة بيانات عابرة للقوميات.

تم الاتفاق على وجود ثلاثة عوامل محددة تعكس التوجه الصحيح نحو المواطنة العالمية وهي:

  • الوعى العالمي.
  • المشاركة العالمية.
  • الكفاءة العالمية.

يتكون عامل ” الوعي العالمي” من العناصر التي تبني المعرفة المتعلقة بالقضايا المحلية والعالمية والمتعددة الثقافات، فهو يستوعب من جوانب المواطنة العالمية ذلك الجانب الذي يؤكد على أهمية فهم الترابط العالمي وكيف تؤثر القضايا العالمية على حياة الفرد والمجتمع.

ويتكون عامل ” المشاركة العالمية” من العناصر التي تشجع الطلاب على المشاركة والعمل المباشر على المستويين المحلي والعالمي ويعكس هذا العامل مفهوم “تأييد” المواطنة العالمية أو ” التحول إليها”، وهو التصور الذي يذهب إلى أن الأفراد يمكن أن يكونوا عناصر فعالة في إحداث التغيير لكل من مجتمعاتهم المحلية والمجتمعات العالمية.

ويتكون عامل ” المشاركة العالمية “ من العناصر التي تبني المهارات المعرفية والمهارات الاجتماعية والعاطفية التي تسمح للطلاب بالتفكير النقدي والاستراتيجي، وبفهم وجهات نظر الآخرين.

يُنظر إلى هذه المهارات على أنها ضرورية للحياة والعمل في مجتمع العالم الشامل لتشجيع الاتجاه نحو مواطنة عالمية.

قائمة المراجع

  • حامد عمار (2003) ، السياسات التعليمية خلال نصف القرن الماضى،المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية القاهرة.
  • حسين بشير محمود ومحمد أحمد عبده حسن (2012) ، رأس المال الفكري للهيئة القومية لضمان جودة التعليم العدد الأول ، الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد – القاهرة.
  • محمد عبد الظاهر الطيب(2012) ، الانتماء والمنظومة التعليمية،جامعة كفر الشيخ – كلية التربية.
  • مصطفي عبد القادر زيادة ( 2012 ) ، نحو رؤية مستقبلية لعملية صنع السياسة التعليمية ، الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد – القاهرة.

البحث في Google:





عن د. إيهاب ابراهيم السيد محمد

دكتوراه الفلسفة في التربية النوعية، كلية التربية النوعية جامعة عين شمس. تخصص تكنولوجيا التعليم زميل كلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية العليا - جمهورية مصر العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *