طاغور tagore

طاغور : مؤسس النهضة التربوية الهندية

هذا المقال بعنوان: ”طاغور : مؤسس النهضة التربوية الهندية” هو الثاني من سلسلة مقالات حول إطلالة على نخبة من علماء التربية الأجانب، ينشرها الدكتور إيهاب إبراهيم السيد محمد حصريا على صفحات تعليم جديد.
المقال الأول: “مؤسس الأكاديمية الأولى أفلاطونمن هنا

لقد حجبت شهرة طاغور كشاعر سائر أعماله في المجالات الأخرى، وعلى سبيل المثال في المجال التربوي، ولطاغور أيادي بيضاء على التربية بشكل عام وعلى التربية الهندية بشكل خاص.

وقبل أن يولد طاغور بأربع سنوات في منتصف القرن التاسع والعشرين، كانت السلطات البريطانية في الهند راسخة على أسس قوية و متينة وقد أرست قواعد نظام تربوي استعماري يتصف أقل ما يوصف بالصرامة، وكان الهدف المعلن للسياسة البريطانية هو التشجيع على التربية البريطانية، على أن تكون اللغة الإنجليزية هي اللغة الأولى للتعليم في الهند، وإعداد أجيال متعددة من الهنود تُربى على الطريقة البريطانية وبلغتها أيضَا، وكان لذلك عظيم و بالغ الأثر على التعليم المحلي في الهند بوجه عام.

وعلى مقربة من نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ذهبت الطبقة المتوسطة التي ظهرت بعد إنشاء الجامعات في الهند منتصف القرن التاسع عشر، تندد بالنظام التربوي الذي فُرض عليها وبالسياسة اللغوية التي كانت ترافقه. صحيح أن الاحتلال البريطاني الذي سيطر على الهند  في أواسط القرن التاسع عشر قد نال رضى العديد من سكان الحضر، ولكن هؤلاء آلوا في النهاية إلى رفضه بعد أن أدركوا عواقبه على التراث الثقافي لبلدهم الهند.

وكان لطاغور وجهة نظر تتمثل في تشجيع النظام المحلي التقليدي وداعيًا في نفس الوقت إلى إدخال تعديلات ترقى إلى أن تكون جذرية على هذا النظام.

كذلك تميزت تلك الحقبة بتصاعد حدة القومية الهندية، فالاقتداء بأسلوب العيش البريطاني والسلطة البريطانية، كانا يُثيران نفورًا ترافق مع تعاظم الوعي بقيمة التقاليد الثقافية الهندية، وقد عكست كتابات طاغور وأبحاثه في مجال التربية تلك النزعة القومية، وقد أولى قضية الإصلاح التربوي اهتماما مطردًا في بدايات القرن العشرين.

كان طاغور على يقين بان نقص الإمكانيات والخدمات التربوية يحول دون تقدم الهند ويشكل مع الفقر مصدر مشكلاتها بالكامل، فالنظام التربوي الاستعماري القائم لم يكن مرضيًا، ما دام هدفه الظاهري الوحيد هو إعداد موظفين وكتبة وبيروقراطيين لتلبية احتياجات الإدارة والشركات البريطانية فقط، فالأهداف الإنسانية لكل نظام تربوي صالح تهتم باللغة الأم للدولة وتعظم دورها، وبالنهوض الفعلي للدولة وبالإبداعية في شتى المجالات، والحرية، وإحياء التراث القومي للبلاد.

بيد أن النمط الذى استخدمته السلطات الاستعمارية البريطانية لم يكن نمط تربية حديثة، طالما أنها لم تكن تعكس أياً من التحديات الحاصلة في الخارج. وكانت اللغة الإنجليزية هي لغة التدريس الوحيدة في جميع المواد- وهي لغة أجنبية- مما كان يمثل صعوبة إضافية لصغار التلاميذ الهنود.

ثم إن النظام التعليمي القائم، إلى جانب كونه لا يسهم في تنمية الروح العلمية، وروح البحث والتقصي، كان يقسم الهند إلى فئتين متميزتين هما:

  • فئة الذين يتلقون هذه التربية.
  • فئة المحرومين منها.

أي أن السواد الأعظم من سكان الريف الذين كانوا في شبه عزلة عن سكان المدينة المتعلمين محرومون منها وتوجد فجوة بينهم وبين المتحدثين باللغة الإنجليزية من أبناء الحضر.

في النظام قبل الاستعماري، كانت هناك لغة مشتركة تسمح بالانتقال الحر للثقافة، حتى وإن لم يكن التعليم النظامي في متناول الجميع، بيد أن هذا النظام لم يكن يتضمن، حتى في الأنشطة التربوية غير النظامية، أية فروع حديثة كالتاريخ وعلم الجغرافية، ولم يكن يشجع على الفكر الموضوعي ولا يبشر بالتغيير المرجو.

انخرط طاغور في وضع نظام تربوي وطني مناسب للهند، من منطلق أن كل دولة تختلف عن الأخرى، وأن هذا الاختلاف ينبغي أن ينعكس في نظامها التربوي.

بحث طاغور على الطريقة الأمثل للنهضة التربوية الهندية فوجد أن ما يسمى صومعة الغابات وهي طريقة قديمة للتعليم والتعلم في الهند وكانت من مميزات النظام التربوي الهندي القديم، لأنها كانت تستند على ثلاثة عناصر أساسية من الثقافة الهندية القديمة وهي:

  • صداقة جميع الطبقات بدون حواجز.
  • القيام بمهام العمل على أكمل وجه وبدقة.
  • عدم مشاركة أي ثقافة مع الثقافة الهندية.

شدد طاغور على وسائل نقل التربية ومن أهمها المحافظة على استخدام اللغة الأم لأنها الوسيلة الأهم في نقل التربية، فاستعمال اللغة الإنجليزية كان يعيق فهم واستيعاب مواد التدريس ويحصر التربية في المراكز الحضرية والصفوف العليا. فإن أردنا أن نوفر التعليم لكل الطبقات، يجب جعل الهندية لغة التعليم في الهند على جميع المستويات بما فيها التعليم العالي.

فالمدرسة المثالية بالنسبة لطاغور، ينبغي أن تنشأ بعيدًا عن ضجيج التجمعات البشرية، وتحت سماء صافية بدون حواجز تحجب النظر عن السماء، وسط الحقول والأشجار والنباتات، كذلك كان العيش في الغابة يدعو إلى التأمل وهو من أهم مقاصد التربية الهندية القديمة.

كان على أي نظام تربوي وطني للهند أن يهدف إلى اكتشاف الحقيقة الأساسية للحضارة الهندية، وكان لا بد إذن من تطوير جميع جوانب الشخصية الفردية عبر التفاعل والتناغم واتحاد الروح بالبيئة.

كان طاغور نفسه، يعمل في مدرسة لا تستخدم اللغة الهندية في التعليم والتعلم، وفي الوقت الذي كان يفكر فيه  في تنويع الطرائق التربوية كان يعطي دروسًا في اللغة الإنجليزية، وفي المساء، يروي للأولاد قصصًا مستقاة من تاريخ الهند القديم، وقد كتب مسرحيات قام التلاميذ بتمثيلها، كما نظم قصائد مسلية للأطفال، فضلاً عن إعداد كتب مدرسية بطريقة مبسطة حول مواضيع شتى.

لم يشأ طاغور أن يولي أهمية مفرطة للأدوات التعليمية والمباني أو الأثاث أو الكتب التي كانت معتمدة في مؤسسات التعليم الغربية، والتي من شأنها أن تجعل التعليم باهظ الكلفة لعامة الشعب.

كان طاغور يعارض التركيز المفرط على الكتب الدراسية، وكان يقول: “أقامت الكتب سدًا منيعًا بيننا وبين الحياة، إنها تحرمنا من الاستعداد الفطري لدينا للتعلم مباشرة من الطبيعة والحياة، ورسخت بداخلنا عادة التعرف على كل شيء من خلال الكتب فقط، إننا ندرك ما في العالم لا بفكرنا بل عبر كتبنا، إنها تنزع منا أبسط حقوقنا ألا وهي إنسانيتنا واجتماعيتنا، فيجب أن نترك التلاميذ يكتسبون المعرفة من مختلف مناطق البلد، وبطريقة مباشرة”. وقد وجه طاغور كل الجهود في هذا الاتجاه وشجع أيضًا كل الجهود الموجهة في هذا الاتجاه.

كان طاغور على قناعة تامة بأن أي نظام تعليم تربوي يتم اقتراحه للهند، سواء على المستوى المدرسي أو المستوى الجامعي، لا يكون كاملاً إن تم فصله عن الحياة الريفية. ويتعين على الجامعة أن تعطي الفرصة كاملة لمجموعات من الشباب من الجنسين للبحث والتقصي بصورة حرة وبدون قيود. وهذا من وجهة نظره جانب مهم جدًا لا يمكن الإستغناء عنه.

بينما كانت دول العالم الأخرى تعتبر أن هدف التربية الرئيسي يتمثل في إعطاء المواطنين وسيلة كسب عيشهم، وكان طاغور يرى أن من واجبات التربية على الأخص أن تسمح لكل فرد بتنمية ذاته وتحسينها.

كان لطاغور رأي هام في تبادل الثقافات بين الهند والعالم، فكان من أقواله في هذا الصدد: “يجب علينا الاستعانة بالمعارف والخبرات المكتسبة من الخارج، ولكن من دون أن نغير بها أسس التربية الهندية”.

وإن كان ثمة مزية أوروبية ينبغي أن يكتسبها طلاب الجامعات الهندية، فتتمثل في معرفة واكتشاف سنن الطبيعة ثم تسخيرها لتحسين شروط المعيشة البشرية، فالعلوم وتطبيقاتها التكنولوجية قد أعطت البلدان الغربية القوة والازدهار وهذا ما كان ينقص الهند في هذا التوقيت.

يقول طاغور: “كان للهند نظام تعليمي اصطناعي، لا يمت لواقعها بصلة، فهو موضوع من قبل حكومة أجنبية وينفذ بدقة تحت إشرافها”. وكان السواد الأعظم من الهنود لا يفقهون شيئا عن أغلبية العلوم الحديثة وخاصة العلوم التي تتحدث عن الإدارة الحديثة.

وقد قارن طاغور وضع الهند مع ما عايشه في الاتحاد السوفيتي واليابان، حيث استطاعت الحكومات في تلك البلدان أن تحسن تعلم شعوبها في وقت قصير، فمن أجل تأمين التربية لجميع الهنود وإعادة إحياء التيارات الثقافية التي ينبغي أن تقوم بين الطبقات المتعلمة لابد من أن يتم التعليم باللغة الأم.

ما انفك طاغور على امتداد سنوات، ومن خلال خطبه وقصصه ورواياته وقصائده وأناشيده، يحث المواطنين للعمل على النهوض بالريف لأن من وجهة نظره كما ذكرت أن تنمية الريف تنمية حقيقية هو الطريق الصحيح لصنع نهضة شاملة في الهند.

من خلال عناصر الاتصال بالطبيعة، والعلاقات القوية بالمجتمع المحلي، ومن خلال الأدب والدين، حاول طاغور جاهدًا تنمية الروحانية عند تلاميذه، ولكن ذلك لم يكن كافيًا، فذهب بهم إلى منحى آخر وقرر أن يزرع فيهم حب العمل.

إن أفكار طاغور في مجال تربية الأولاد تذكرني، من جوانب عدة، بأفكار ديوي مثلاً، فهو يرى أن الطبيعة مصدر كل تعليم للصغار، وهو رأي يلتقي مع تفكير طاغور.

ولم تكن التربية في نظر طاغور، تقتصر على التنمية العقلية وحسب، بل كان عليها أن تنمي أيضًا الحس الجمالي عند الطالب وتنمي عناصر الإبداع داخله. وكان السعي وراء المعرفة والنشاط الجسدي في إطار ممتع يشكلان جزءا لا يتجزأ من العملية التعليمية، فالحرية والإبداعية في تفكير طاغور، شيئان متلازمان لا ينفصمان يشرط واحدهما الآخر.

وكلما تخطى الإنسان حدود طبيعته، واقترب من الإنسانية والحرية والوحدة، زادت قدرته على تنمية إبداعيته، ووحده هذا السعي الدائب يعطي معنى للحياة، والتربية جزء هام جدًا منه.

لم يهمل طاغور سائر أهداف الحياة والتربية، ففي نظام العهد الاستعماري، كانت التربية مركزة أساسًا على العمالة،على حساب أي هدف أو مطلب آخر، وقد أراد طاغور إصلاح هذا الخلل معطيًا مكانًا للعلم والتكنولوجيا والهندسة والزراعة والتدريب على مختلف المهن الحرفية.

لقد أراد طاغور توعية الناشئة بغنى تراثهم الثقافي القومي وبأهميته بالنسبة إليهم وكان على التربية، في الوقت عينه، أن تضع الأولاد على صلة بثقافات البلدان الأخرى كي يستمدوا منها العبر والتعاليم.

وقد عني طاغور كثيرًا بتربية النساء، فالمؤسسات التى أنشأها كانت  كلها مختلطة تقريبًا، وكان عدد النساء كبيرًا في المقاطعات التي كانت بها تلك المؤسسات.

أولى طاغور دور المعلم أهمية كبرى في كل نظام تعليمي، وكان يريد من المعلم أن يساعد المتعلمين على تنمية ذاتهم، تمامًا كما يساعد البستاني النباتات الصغيرة على النمو. لقد أراد أن يستخدم التربية كأداة تغيير بحيث تجعل الناشئة الهنود أكثر عقلانية وأقل خضوعًا للطقوس الاجتماعية والفردية التي لا طائل تحتها.

لقد أراد طاغور أن يكتسب الطلاب روحًا علمية، كما أراد أن يشجع المعلمون على الشك البناء، وحب المغامرة الفكرية، والشجاعة والرغبة المتقدة في ريادة العالم بروح الإقدام وجرأة الفكر والعمل، تلك الصفات والمزايا التي سمحت للغرب بالمضي قدمًا إلى الأمام.

كان طاغور ضد كل أشكال العقاب الجسدي، فالنظام أو الانضباط يجب أن يصدر من الداخل، من التوق إلى طموحات نبيلة رفيعة في الحياة.

كان طاغور يريد أن يتخذ تفكير تلاميذه أبعادًا كونية، كي يصبحوا رجالاً ونساء عالميين مثله، فيتخطوا النعرات الوطنية والأهواء الدنيئة لصالح مبتغيات سامية وخلاقة لتكون بلدهم الهند من أعظم بلدان العالم. ونجح سعي طاغور في ذلك وأصبحت الهند الآن في مصاف الدول الكبرى في كثير من الصناعات والبرمجيات.

 

 


قائمة المراجع

  • Ghose,S.k,(1968)Rabindranath,Tagore,New Delhi,Sahitya Academi.
  • Gramsci,A,(1982)Cahiers,de,Prison,Paris,Gallimard.
  • Tagore,(1986)Souvenirs,Paris, Gallimard.
  • Tagore,(1931)Nationalisme,Paris, Delpeuch.

البحث في Google:





عن د. إيهاب ابراهيم السيد محمد

دكتوراه الفلسفة في التربية النوعية، كلية التربية النوعية جامعة عين شمس. تخصص تكنولوجيا التعليم زميل كلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية العليا - جمهورية مصر العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *