أفلاطون

مؤسس الأكاديمية الأولى أفلاطون

هذا المقال بعنوان: ”مؤسس الأكاديمية الأولى أفلاطون” هو الأول من سلسلة مقالات حول إطلالة على نخبة من علماء التربية الأجانب، ينشرها الدكتور إيهاب إبراهيم السيد محمد حصريا على صفحات تعليم جديد.

كان الحدث الحاسم في حياة أفلاطون” الفتى” التقائه بسقراط، ففي سن العشرين، أصبح الأرستقراطي الشاب والثري أخلص تلميذ لسقراط، وبقي معه إلى أن حُكم على سقراط بالموت ونُفذ الحكم فيه وقد ترك ذلك في نفسه جرحًا لم يندمل أبدًا وقوي في نفسه اسلوب النقد بصفة عامة.

يُعتبر سقراط عنوان المربي، ومن أرائه أن على المربي أن يجعل تلميذه يخرج المعارف التي يحملها في داخله دون إدراك منه لذلك، وانتهج تلميذه أفلاطون نفس النهج السقراطي في مجمل حديثه عن التعليم والتعلم وكيفية إدارة التعليم على أكمل وجه ممكن.

عندما ناهز أفلاطون الأربعين من عمره قرر أن يقوم بأعظم أعماله على الإطلاق وهي أنه شرع في تأسيس الأكاديمية، وقد أقام مؤسسته الملقبة بالأكاديمية الأولي على أرض ملك له محاطة بحديقة على مقربة من المدينة، وكثيرًا ما نُعتبر الأكاديمية أول جامعة في التاريخ، لقد كانت عبارة عن مركز أبحاث ودراسات، على أكمل وجه ممكن في هذا العصر ولكننا ببساطة نجهل تفاصيل تنظيمها من الداخل.

وعملا بتقليد قديم، نُقشت فوق مدخل الأكاديمية عبارة تقول إن معرفة علم الهندسة شرط للدخول إلى الأكاديمية، والحال أن أفلاطون شُغف حقًا بالرياضيات وعلومها المتشعبة خلال لقائه بالفيثاغوريين.

وكان أفلاطون هو ذاته رياضيًا ممتازًا، ودعا اختصاصيين آخرين في شتى فروع الرياضيات للتدريس في الأكاديمية.

ولكي نفهم أفلاطون وننفُذ إلى فكره، لا بد لنا من إدراك أن فلسفته ليست مذهبًا بأي شكل من الأشكال، فأفلاطون لم ينتهج نهجًا فلسفيًا خاصًا كما فعل سابقيه.

إن ما يحدد فلسفة أفلاطون هو مسار فكره، وحركة تأملاته، وشيء عظيم تواجد في ذلك العصر وهو ما يسمى بالجدلية، والتي ليست تفكيرًا منفردًا، أحادي الجانب، إنها بالأحرى تأمُل جماعي يُفضي إلى إيضاح مفهوم ما.

كان أفلاطون يحلل دون ملل شروط المعرفة، وحدودها إزاء عالم لا يُدرك لأنه دائم الحركة، ففي نظره أن البشر يعيشون في وهم الواقع المحسوس وأن التأمل بهدوء يُفضي إلى كثير من النتائج الممتازة.

كان يستكشف ويدافع عن القيم السامية، وتلك هي حالة البشر منذ بدء الخلق فاستكشف وحدد مفاهيم القيم السامية مثل، قيم الجمال والحق والخير وكان من جهة ثانية على يقين بأن كل تغيير يحمل في طياته بذور من الانحلال والانحطاط لا محالة.

كان للعلوم الطبيعية مكانها كذلك في الأكاديمية، وهذا ما نميل أحيانًا إلى محاولة نسيانه، لفرط ما رسخ التاريخ صورة أفلاطون، كمعلم كبير للأخلاق ولعلوم ما وراء الطبيعة.

وكانت العلوم السياسية، وهي الموضوع المركزي للأكاديمية، تُدرس وتُعلم بطريقة منهجية منتظمة وأشرف طلاب الأكاديمية على كتابة مجموعة واسعة من نصوص دساتير عدد من الدول، وقد قامت الأكاديمية بتخريج سياسيين ورجال دولة على أعلى مستوى من الفهم والتقدير.

وقامت الأكاديمية بتخريج عدد لا بأس به من الاختصاصيين في القانون الدستوري، كما تم الاستعانة بعدد لا حصر له من خريجي الأكاديمية للعمل كمستشارين سياسيين أو كقانونيين في دول عدة.

وكان من أحد أحلام أفلاطون أن يُخرج من الأكاديمية مجموعة من الملوك المستقبليين إلى كل الأمم والاستعانة الفعلية بهم لأن هذا كان من أهم أهداف إنشاء الأكاديمية.

كالعادة لم ترد كلمة “تربية” في أي من مؤلفات أفلاطون، ولكنه تصور مدينة نموذجية تُجسد العدالة وكان من أهم مهام التربية في المدينة الأفلاطونية ضمان استمرار واستقرار الأوضاع وتكون التربية من وجهة نظر أفلاطون هي الضمانة الوحيدة ضد كل تغيير وكل شكل من أشكال الإفساد، على خلاف معظم النظريات التربوية الحديثة.

ولكن، رغم النزعة الأفلاطونية المحافظة والمتشددة في بعض الأحيان كان له مجموعة من الأفكار التجديدية الحديثة في ذلك العصر، فمثلاً المساواة بين الجنسين في عصر كانت فيه النساء لا يبرحن المنازل.

وفي مدينة أفلاطون، تمارس الفتيات التمارين الرياضية، كالصبيان تمامًا ويدعين إلى خوض الحرب ويحملن الدروع كالرجال، ويتعلمن مع الصبيان دون تمييز، كما دعا أفلاطون إلى التعليم الإلزامي للجميع.

وخلاصة القول إن أفلاطون كان أول من صاغ نظامًا تربويًا كاملاً، بدءًا بأسلوب الإدارة وصولاً  إلى وضع منهاج دراسي مفصل، ويبين أفلاطون كيف ينبغي تنظيم التعليم وإدارته، فالنظام التربوي برمته يديره من يسمى ب ” وزير التربية ” وهذا المنصب من أعلى مناصب الدولة ويتولى هذا الوزير الإشراف على إدارة التربية برمتها ووضع أفلاطون شروطا لاختيار هذا الوزير منها على سبيل المثال أن يكون سنه مناسبا لهذا المنصب أي سكون قد بلغ الخمسين من العمر وأن يكون له أولاد شرعيون ويكون بإمرته موظفون ومسؤولون عن حُسن التنظيم والإدارة لكل ما يحيط بالتربية مثل قاعات الرياضة البدنية والمدارس، وعن مستوى التعليم داخل هذه المدارس وعن إجراء اختبارات على مستوى موحد لجميع الطلاب.

ويورد أفلاطون في كتاباته عن مفهوم التربية وصفا مُفصلا لتربية الحواس، وهي تربية مستدامة تبدأ قبل الولادة وتستمر حتى سن التقاعد. وبما أن جمال وصحة الجسد والنفس هما من أسمى أهداف التربية الأفلاطونية فإن تلك التربية سيتم تنظيمها وفق العرف اليوناني، تبعاً لفرعين أساسيين هما:

  • التربية البدنية.
  • الثقافة.

تبدأ التربية البدنية قبل الولادة، وتوصي النساء اللاتي يحملن أطفالاً بالتنزه والإكثار من الحركة، لأن أي مشي أو حركة يمنح صحة جيدة وجمالاً ونشاطاً للطفل الذي سيأتي إلى الدنيا.

قبل المدرسة تقع تربية الأولاد على عاتق الأهل، وتتم تربيتهم بصورة جماعيًا دون أن يعرف الولد والديه الذين يتعين عليهم معاملتهم بقسوة معتدلة، لأن الرخاوة تجعل طبع الولد صعباً سريع الانفعال، وعرضه لبوادر غضب عنيفة لأسباب تافهة، كما أن فرض قيود قاسية ومتشددة تجعل منهم أشخاصاً خنوعين، مبغضين للبشر وغير مهيئين للحياة الاجتماعية.

ويبدأ تدريس الثقافة في وقت مبكر عبر القصص التي يرويها الأهل لأولادهم، ويعلق أفلاطون أكبر الأهمية على محتوي نلك القصص، لأن تلك الانطباعات الأولى تُشكل نفس الولد اللينة وتحدد طبعه، ولذا تُخضع تلك القصص للرقابة الشديدة، ويشدد أفلاطون كثيراً ومرات عديدة على الرقابة، التي لا يفلت منها أحد. بعد القصص تأتي الألعاب التي ينبغي أن تسهم في تنشئة الأطفال لكي يصبح الطفل فيما بعد في أي مجال رجلاً ذا جدارة.

وينبغي على الطفل أن يتدرب ويتمرن منذ الطفولة، سواء باللهو أو بطريقة جدية، فلكي يصبح مثلاً بناء جيدًا للبيوت عليه أن يلعب في تشييد أبنية طفولية تناسب مرحلته العمرية، ومن سن الثالثة حتى السادسة، تتم الألعاب جماعياً بمناظرة متخصصين لهذه الغاية.

في سن السادسة، يدخل الأولاد إلى المدرسة، حيث يبدؤون أولاً بتعلم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب، وفي سن العاشرة يخصص للولد ثلاث سنوات للدروس الأدبية، وحين يبلغ الثالثة عشرة من عمره، يكون الوقت قد حان للشروع في دراسة القيثارة، وهي دراسة تُفرد لها ثلاث سنوات، ويمنع الأب، كما يمنع الابن، سواء أكان يحب هذه الدروس أو يبغضها، من إطالة أو تقصير هذه المدة.

إلى جوار ذلك الجانب من التربية الأدبية والموسيقية، يمارس تلاميذ المدينة الأفلاطونية، كل ضروب الرياضة، بما فيها الفروسية والتدريب على الأسلحة، ومن الأهمية بمكان أن يقوم توازن تام ما أمكن بين الثقافة والتربية البدنية.

في سن الثامنة عشرة، وفي نهاية مرحلة التربية الأساسية، التي يجتاز خلالها كل الضروب من المباريات والامتحانات، يكون الشخص على مشارف إتمام جزء لا بأس به من التعليم والتعلم.

في سن العشرين، تبدأ الدراسات العليا للذين تم اصطفائهم لمتابعتها، استنادا إلى نتائجهم السابقة، وهنا يختلف منهاج أفلاطون الدراسي اختلافا جزريًا عن المنهاج الذي كان يوكل أمر هذا التعليم لفئة معينة من المعلمين فأفلاطون هنا يتيح الفرصة للطلاب لاختيار معلميهم وفق ميولهم العلمية والشخصية.

كان ما يهم أفلاطون قبل كل شيء آخر هو تلك الدراسات العليا، التي تفضي إلى الفلسفة، وفي الوقت نفسه، إلى أعلى مسؤوليات المدينة، وهي موضع تدريس في أكاديميته، فحتى سن العشرين، كان التعليم إذن إلزاميًا، ولكن كان أفلاطون يوصي باجتناب أن يتسم التعليم بطابع الإكراه.

وخلال عشر سنوات، تخصص تلك الدراسات العليا لمراجعة توليفة منهجية للمواد التي تمت دراستها سابقًا فالدروس التي تم تدريسها مجزأة في تربية الأطفال لا بد من تجميعها، من أجل تكوين رؤية شاملة للروابط التي تجمع كل الدراسات فيما بينها ومع طبيعة الواقع المحسوس.

ويعتبر هذا أمرا ضروريا للارتقاء إلى الجدلية، لأن الشخص الجدلي هو الذي ينعم برؤية كلية شاملة، وعند هذه المرحلة تدرس على الأرجح النواميس كمبحث في العلوم الأساسية والاجتماعية.

بعد ذلك تولى أهمية خاصة لدراسة العلوم الأربعة التي تشكل مدخلاً إلى الفلسفة وهي:

  • علم الحساب.
  • علم الهندسة.
  • علم الفلك.
  • علم الانسجام.

فتلك العلوم هي التي ترتقي بالنفس إلى ما هو ثابت لا يتغير فالرياضيات متمثلة في فرعي – الحساب والهندسة – تحرر الفكر من المحسوسات وتكيفه مع عالم من التصورات الخالصة وترفع نفسه إلى أعلى قمم التفكير وعلم الهندسة هو معرفة ما هو موجود أبداً فمن خلاله نتعلم التعامل مع التصورات الفكرية.

أما علم الفلك فيعود النفس على النظام وعلى انسجام واتساق الكون الثابت، وأما دراسة علم الانسجام، وهو أخ لعلم الفلك، فتتركز حول البحث عن- والتعرف إلى- النواميس والنظام في عالم المسموعات.

ويأتي هنا أثر الفيثاغوريين الواضح تمامًا، فأفلاطون هنا يشدد بقوة على وجوب ” ألا يقوم طلابه الذين تولى تربيتهم في الأكاديمية بدراسة ناقصة لأي من تلك المواد “.

ولا يُقبل طلاب أفلاطون أخيراً على دراسة الفلسفة أو الجدلية إلا في سن الثلاثين، ويتابعون هذه الدراسة خلال خمس سنوات، بعد ذلك ينبغي لهم النزول مجددًا إلى الكهوف والخدمة في الجيش أو في الإدارة لمدة خمس عشر سنة.

حيث يخضعون دومًا للاختبار والتجريب، ومن بين هؤلاء الرجال والنساء الذين يبلغون سن الخمسين، من ينال منهم المرتبة الأولى في كل شيء سواء في النشاط العملي أو في العلوم يتوصلون إلى رؤية الخير الأسمى من وجهة النظر الأفلاطونية.

وحين يرون هذا الخير بذاته، يتعين عليهم تسخير هذا النموذج لخدمة المستوى الأعلى وهو مستوى الدولة، بعد ذلك وطوال أعمارهم الباقية ينصرفون بالتناوب إلى الفلسفة ومنها إلى الشؤون العامة. وبعد بلوغهم سن التقاعد يستطيع حكام الدولة التفرغ كليًا لمتعة الفلسفة، ويكون ذلك مكافأتهم الوحيدة.

إن مدينة أفلاطون إنما هي مدينة تربوية في جوهرها، مدينة خالصة من صنع “التربية “. فعلى التربية أن تحافظ علي سلامة تلك المدينة وأن تحميها من كل تجديد ضاربها، إنها تربية لا تهدف إلى تفتح الفرد ونموه فقط، بل تربية مسخرة كليًا لخدمة الدولة.

وقد ترأس أفلاطون الأكاديمية حتى آخر حياته، مما يعني أنه ظل على امتداد أربعين سنة القائم على هذا المركز الفكري لليونان القديمة والمعلم الرئيسي فيه، وبعد وفاة أفلاطون استمرت الأكاديمية في تقديم هذه الخدمة بنفس الكيفية التي كانت تدار بها أيام أفلاطون واستمرت لمدة تسعة قرون تقريبًا.

 


المراجع:

1- Gigon,O,(1979) Sokrates,Socrates,Bern, Francke.
2- Grube,A,(1986) Plato’s Republic,Indianapolis.
3- Jeanniere,A,(1990) Lire,Platon,Aubier.
4- Marcuse,L,(1968) Plato,Dionys,Berlin.

البحث في Google:





عن د. إيهاب ابراهيم السيد محمد

دكتوراه الفلسفة في التربية النوعية، كلية التربية النوعية جامعة عين شمس. تخصص تكنولوجيا التعليم زميل كلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية العليا - جمهورية مصر العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *