تُعتبر مادة الرياضيات من أهم المواد التعليمية، فهي ليست فقط وسيلة لاكتساب المهارات الحسابية، بل هي حجر الأساس لتنمية مهارات التفكير التحليلي والمنطقي لدى الطلاب. في عصرنا الحديث، الذي يتسم بالتطور التكنولوجي السريع وظهور متطلبات جديدة تُعرف بمهارات القرن الواحد والعشرين، بات من الضروري أن تتطور أساليب التدريس لتواكب هذه المتغيرات. إذ لم يعد التعليم مقتصرًا على الحفظ والتلقين، بل أصبح يهدف إلى بناء مهارات نقدية وإبداعية وقدرات على حل المشكلات، لتهيئة الطلاب لمواجهة تحديات المستقبل.
تطرح العملية التعليمية تحديًا كبيرًا في كيفية اختيار وتوظيف أساليب التدريس المناسبة، خاصة في مادة الرياضيات التي تحتاج إلى دمج المعرفة النظرية مع التطبيق العملي. ومن هذا المنطلق، نناقش في هذا المقال المقارنة بين أسلوبي التدريس التقليدي والتعلم النشط، مع التركيز على دور التكنولوجيا في تعزيز مهارات القرن الواحد والعشرين.
التدريس التقليدي: الأساسيات بين الشرح والتكرار
يُعد التدريس التقليدي الأسلوب السائد في العديد من المدارس، حيث يعتمد بشكل رئيسي على الشرح المباشر من قبل المعلم وتكرار التمارين لضمان تثبيت المفاهيم. ويساهم هذا الأسلوب في توفير قاعدة معرفية متينة للطلاب، خاصة في المراحل الأولى من التعليم، إذ يُعد مناسبًا لترسيخ القوانين الحسابية وتدريب الطلبة على المهارات الأساسية التي تشكل أساسًا لما بعدها من مفاهيم. ومن أبرز ميزاته سهولة التنظيم والسيطرة داخل الصف، والوضوح في تقديم المعلومات، مما يجعله مناسبًا لبعض البيئات الصفية التي تحتاج إلى نظام صارم.
كما يوفّر هذا الأسلوب بيئة تعليمية مستقرة تساعد على إدارة الوقت بكفاءة، ويتيح للمعلم تغطية المنهاج وفق الجدول الزمني المحدد، خاصة في الفصول التي تضم عددًا كبيرًا من الطالبات. كذلك، قد يُفضله بعض الطلبة ممن يميلون إلى التعلم بالاستماع والملاحظة، ويجدون في العرض المباشر وسيلة مريحة للفهم والمتابعة.
مع ذلك، يحد هذا الأسلوب من قدرة الطلاب على التفكير النقدي والإبداعي، ويجعلهم متلقين سلبيين للمعلومات، كما يقلل من فرص ربط المفاهيم الرياضية بتجارب الحياة الواقعية، مما يؤدي إلى ضعف الدافعية وعدم الاهتمام في بعض الأحيان.
التعلم النشط: استراتيجيات مبتكرة لتنمية مهارات القرن الواحد والعشرين
على النقيض من ذلك، يقوم التعلم النشط على إشراك الطلاب بشكل فعّال في بناء معرفتهم بأنفسهم، مع التركيز على تنمية مهارات التفكير العليا. هناك العديد من الاستراتيجيات التي تنتمي لهذا الأسلوب، منها:
– الاستقصاء: هو أسلوب تعليمي يُمكّن الطالب من الوصول إلى المعرفة بنفسه من خلال البحث والتجريب. فالاستقصاء يجعل الطالب في مركز التعلم، ويُشجّعه على طرح الأسئلة، وجمع المعلومات، وتحليل النتائج. ومن خلاله يكتسب الطلبة مهارات التفكير العلمي والمنطقي، ويتعلمون من أخطائهم. وتتنوع أنماط الاستقصاء بين الموجه، وشبه الموجه، والمفتوح. وقد أظهرت الأبحاث أن استخدام هذا الأسلوب يعزز من عمق التعلم ويُنمّي الفضول العلمي لدى الطلبة.
– التعلم بالمشاريع: يقوم هذا النوع من التعلم على تنفيذ الطلبة لمهمة طويلة الأمد نسبياً، تُحاكي الواقع وتعتمد على حل المشكلات، وتتطلب توظيف معارف ومهارات متعددة. ويُسهم هذا الأسلوب في تعزيز التعلم الذاتي والتفكير النقدي والتعاون بين الطلبة. كما يُكسبهم مهارات التخطيط، وإدارة الوقت، والعرض، والتقويم. وتُعد المشاريع من الطرق الفعّالة في ربط المعرفة النظرية بتطبيقاتها العملية، وتهيئة الطالب لحياة العمل مستقبلاً.
– التعلم بالأقران: ويُقصد به أن يتعلم الطلبة من بعضهم البعض من خلال الحوار والنقاش وتبادل وجهات النظر. وقد يكون هذا التعلم متزامناً داخل الصف، أو غير متزامن عبر بيئات التعلم الإلكتروني. ويُسهم هذا الأسلوب في تقوية العلاقات الاجتماعية بين الطلبة، وتعزيز الثقة بالنفس، وتحفيز الطلبة المتفوقين على مراجعة معلوماتهم أثناء شرحها لزملائهم. كما تشير الدراسات إلى أن المتعلم يحقق فهماً أعمق عندما يُدرّس المفاهيم لغيره.
– التعلم التعاوني: وهو أسلوب تعليمي يُنظّم فيه الطلبة ضمن مجموعات صغيرة لتحقيق أهداف تعليمية مشتركة. ويتميز هذا النمط عن التعلم الجماعي العادي بأنه يتطلب اعتماداً متبادلاً وتحمّل كل عضو في المجموعة لمسؤولية محددة. ويُنمّي التعلم التعاوني مهارات التواصل، والتفاوض، والقيادة، ويُشجّع على بناء بيئة تعليمية إيجابية تُقدّر الآراء المختلفة وتحتوي التنوع.
– استراتيجية “فكر، زاوج، شارك”: تقوم هذه الاستراتيجية على مراحل ثلاث: يفكر الطالب بمفرده في الإجابة أو الحل، ثم يشارك أفكاره مع زميل له، وأخيرًا يعرضان أفكارهما على الصف. وتُعزز هذه الاستراتيجية من قدرة الطالب على التفكير الفردي والجماعي، كما توفر له فرصة للتعبير عن رأيه، والاستماع لآراء الآخرين في جوّ تعاوني آمن. وتُعد من الاستراتيجيات الناجحة في تعزيز مهارات التفكير والتحليل.
–التعلم باللعب: يُعتبر اللعب وسيلة تربوية فعالة، خاصة في المراحل الأساسية، حيث يندمج الطلبة في الأنشطة التعليمية بطريقة ممتعة ومحفّزة. والتعلم باللعب يشمل ألعاباً حركية، وألعاباً تعليمية رقمية، ومسابقات تفاعلية. وتساعد هذه الطريقة على كسر الجمود، وزيادة دافعية التعلم، وترسيخ المفاهيم في الذاكرة طويلة المدى. كما أن اللعب يُعزّز الإبداع، ويُخفّف من التوتر، ويمنح الطلبة فرصة للتجريب والتفاعل النشط.
تكمن قوة التعلم النشط في تحفيزه للتفكير النقدي والإبداعي، وتنمية مهارات حل المشكلات، ورفع دافعية الطلبة من خلال المشاركة الفعالة والاكتشاف المستمر.
دور التكنولوجيا في دعم التعلم النشط وتنمية مهارات القرن الحادي والعشرين
تلعب التكنولوجيا دورًا محوريًا في دعم استراتيجيات التعلم النشط وتعزيز مهارات القرن الحادي والعشرين لدى الطلبة. فهي توفر أدوات رقمية متنوعة تُسهم في تطوير التفكير الناقد، وحل المشكلات، والتعلم الذاتي، والتعاون بين الطلبة. فمثلًا، يمكن من خلال برامج مثل GeoGebra تمكين الطلبة من استكشاف المفاهيم الرياضية بصريًا وتفاعليًا، مما يعزز فهمهم العميق ويوفر فرصًا للتفكير التأملي. وكذلك، تسهّل مواقع مثل Padlet تنظيم أفكار الطلبة وتبادل وجهات النظر، مما يرسّخ مهارات التواصل والعمل الجماعي.
وتُعد هذه البيئات الرقمية محفزًا للإبداع، حيث تسمح للطلبة بتصميم مشاريعهم، وطرح أفكارهم. كما أن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته التربوية أصبح يسهم في تخصيص التعلم، ودعم الطلاب حسب قدراتهم الفردية، مما يُعزز من استقلاليتهم وتنظيمهم الذاتي.
وبهذا، فإن دمج التكنولوجيا في التعليم لم يعد ترفًا، بل ضرورة تفرضها التغيرات السريعة في عالم المعرفة، وباتت عنصرًا داعمًا ومكملًا للتعلم النشط، لضمان إعداد متعلم يمتلك الكفايات اللازمة للحياة والعمل في القرن الحادي والعشرين.
مقارنة وتوازن بين الأسلوبين
يوفر التدريس التقليدي الأساسيات اللازمة، بينما يضيف التعلم النشط العمق والتطبيق الواقعي للمفاهيم. ومن خبرتي كمعلمة متخصصة، أرى أن الجمع بين الأسلوبين هو الأنسب، حيث تبدأ المرحلة الأولى بأسلوب منظم وواضح، ثم ننتقل إلى تطبيقات وأنشطة تفاعلية تدعم فهم الطلاب وتنمي مهاراتهم.
وجهة نظر المعلمة
أعتقد أن نجاح تدريس مادة الرياضيات في العصر الحديث يعتمد على التوازن بين التلقين المنظم والتعلم النشط المبني على استراتيجيات فعالة. فمع التطور السريع والتحديات المتزايدة، لا يكفي الاعتماد على الأساليب التقليدية وحدها، بل يجب دمج استراتيجيات تشجع التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات. كما أن توظيف التكنولوجيا بشكل مدروس يعزز من فعالية التعليم، خاصة في ظل المشتتات الرقمية التي تواجه الطلاب.
أنا كمعلمة متخصصة، أؤمن بأن تطوير مهارات الطلاب لمواجهة متطلبات القرن الواحد والعشرين هو الهدف الأسمى، وهذا يتحقق عبر استخدام أساليب تعليمية متجددة توازن بين الأساليب التقليدية والاستراتيجيات النشطة، مع دعم التكنولوجيا كأداة مساعدة
المصادر
المصادر العربية:
الحربي، ناصر. (2022). مستوى ممارسة معلمي الرياضيات بالمرحلة الابتدائية للتعلم النشط أثناء جائحة كورونا من وجهة نظرهم. مجلة تربويات الرياضيات، 25(8) 2، 144-172.
طوطح، حمزة. (2025). التعلم النشط ودوره في تحسين مهارات التفكير الناقد من وجهة نظر معلمي ومعلمات مدارس ورياض الأقصى لإسلامية في القدس. مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيات والاجتماع، (119)، 197-217.
عبد المعز، أحمد، عبد الحكيم، شرين، وحمدي، إيمان. (2022). فاعلية المستحدثات التكنولوجية في تنمية مهارات الترابط الرياضي لدى تلاميذ المرحلة الإعدادية. مجلة بحوث التعليم والابتكار،7(7)، 114-148.
المصادر الأجنبية:
Methaporical Thinking Method to Mirza, A. (2020): Application of The Improve The Ability of Mathematical Connections, Self Confidence of Vocational SchoolCreative Thinking and Students. (JIML). Journal Of Innovative Mathematics Learning, 3(4), 239-245.
Ngware, M., Mutisya, M. & Oketch, M. (2012). Patterns of Teaching Style and Active Teaching: Do They Differ across Subjects in Low and High Performing Primary Schools in Kenya? London Review of Education, 10(1), 35-54.
تعليم جديد أخبار و أفكار تقنيات التعليم
