مقدمة
أصبح تعليم التفكير من أهم الأولويات التربوية في العالم العربي، لما له من أثر مباشر على قدرة المتعلمين على مواجهة المشكلات واتخاذ القرارات. وقد برزت عدة مداخل لتنمية التفكير، من أهمها الاتجاه الضمني الذي يدمج مهارات التفكير داخل محتوى المواد الدراسية دون تقديمها كمادة مستقلة (زيتون، 2003). ويُعتبر التفكير المنظومي من المهارات الأساسية التي تمكّن الأفراد من فهم العلاقات بين عناصر النظام وتحليل المشكلات بشكل شامل، وتُشير الدراسات العربية إلى محدودية دمج التفكير المنظومي في المناهج التعليمية، حيث يتركز التعليم على الحفظ والاسترجاع بدلاً من التفكير التحليلي (السريحي، 2021؛ القحطاني، 2013).
المحور الأول: الاتجاه الضمني في تنمية التفكير المنظومي
الاتجاه الضمني هو تعليم التفكير بطريقة غير مباشرة من خلال المحتوى الدراسي، بحيث يصبح جزءًا من التعلم الطبيعي واكتساب مهارات التفكير من خلال التجربة والممارسة دون تعليم مباشر. وبرزت عدة مداخل لتنمية التفكير من أهمها الاتجاه الضمني الذي يدمج مهارات التفكير داخل محتوى المواد الدراسية دون تقديمها كمادة مستقلة. وأوضح زيتون (2003) أن المعلم أثناء تقديم الدروس في المواد المختلفة يمكنه تعزيز التفكير من خلال طرح أسئلة تحفيزية، وتشجيع النقاش، وتطبيق أنشطة تحليلية مرتبطة بالموضوع. ويُعد هذا المدخل متميزاً لكونه طريقة لتعليم التفكير بطريقة غير مباشرة من خلال المحتوى الدراسي حيث يُصبح التفكير جزءاً من التعلم الطبيعي حيث يمارس الطلبة مهارات التحليل والمقارنة والاستنتاج أثناء تعلمهم للمواد المختلفة، ويُركز هذا الاتجاه على التعليم من أجل التفكير، (عجاج، 2014). في المقابل يرى البعض أن الاتجاه الصريح (تعليم التفكير كمادة مستقلة) قد يكون أسرع في بناء المفاهيم لكن الاتجاه الضمني يحقق ميزة الاندماج والاستدامة في المناهج الحالية. ويُعد التفكير المنظومي من المهارات العليا التي تساعد الطلبة على رؤية الترابط بين المفاهيم والمواقف المختلفة. وأظهرت الدراسات العربية أن الأنشطة المدمجة في المنهج الدراسي، مثل استخدام استراتيجيات ما وراء المعرفة في الرياضيات، تعمل على تعزيز التفكير المنظومي (عفانة ونشوان، 2004). كما بيّنت دراسة رسلان (2023) أن شبكات التفكير البصري في دروس العلوم الابتدائية ساهمت في رفع قدرات الطلبة على الربط بين المفاهيم. ويؤكد زيتون (2003) أن التفعيل الواعي للمدخل الضمني يمكن أن يكون أداة فعالة لتعليم التفكير المنظومي إذا توافرت بيئة تعليمية داعمة. في السياق الفلسطيني، يكتسب التفكير المنظومي أهمية خاصة لأنه يساعد الطلبة على الربط بين المعرفة والواقع الاجتماعي، ويُطور قدرتهم على التحليل والتخطيط وحل المشكلات بشكل مترابط. ومن هنا تظهر أهمية الاتجاه الضمني كأداة غير مباشرة لتعزيز التفكير المنظومي ضمن العملية التعليمية، ويُمكن للاتجاه الضمني أن يكون أكثر فاعلية عند دمج الأنشطة التعليمية اليومية مع مكونات النظام المدروسة، وأظهرت الدراسات في فلسطين أن إدراج أنشطة برمجية في منهج التكنولوجيا والحاسوب ساعد بشكل غير مباشر على تنمية التفكير التحليلي والمنظومي لدى طلبة المرحلة الأساسية، فمثلًا، استخدام برامج محوسبة أو مشاريع صفية تتضمن حل مشاكل بيئية أو تعليمية يُعزز فهم العلاقات بين عناصر النظام. وفي دراسة الحيدري (2023) في فلسطين، ساعد برنامج محوسب قائم على التفكير المنظومي في تطوير مهارات التحليل والتركيب لدى طلاب المرحلة الأساسية، مما يوضح قدرة التطبيقات العملية للاتجاه الضمني على تحقيق نتائج ملموسة.
دور المعلمين والمشرفين وصانعو القرار والمناهج في تفعيل الاتجاه الضمني:
يلعب المعلمون دوراً أساسياً في تفعيل الاتجاه الضمني من خلال توظيف محتوى المواد لتعزيز مهارات التفكير المنظومي (زيتون، 2003). ويبرز دور المشرفين التربويين في تقديم التوجيه المهني، وضمان أن أنشطة الصف تتماشى مع أهداف التعليم الضمني (قاسم، 2020). أما صانعو القرار في وزارة التربية والتعليم والمؤسسات التربوية يتحملون مسؤولية وضع السياسات التي تدعم دمج التفكير الضمني في المناهج، وإقرار البرامج التدريبية، وتوجيه الموارد نحو تطوير قدرات المعلمين والمشرفين (زيتون، 2003). وتُعتبر المناهج أداة محورية، إذ يجب أن تحتوي على أنشطة وأسئلة مصممة لتطوير مهارات التحليل، المقارنة، وحل المشكلات بشكل ضمني(عفانة ونشوان، 2004). فيقع على عاتق خبراء المناهج والمعلمين والمشرفين تصميم أنشطة تعليمية مبتكرة واستراتيجيات تعليمية تحقق أهداف المنهاج الفلسطيني في تنمية مهارات التفكير العليا، خصوصًا التفكير المنظومي (قاسم، 2020). لذا فإن نجاح الاتجاه الضمني يعتمد على تعاون المعلمين، المشرفين، صانعي القرار، وتصميم المناهج بشكل مدروس. وعلى الرغم من ذلك تُواجه المدارس الفلسطينية تحديات في تطبيق الاتجاه الضمني، أبرزها: نقص تدريب المعلمين، محدودية الموارد التعليمية، والضغط على الأداء الأكاديمي المباشر، لكن ضعف تدريب المعلمين والمشرفين يُشكل تحديًا رئيسيًا. وبالتوازي مع الحاجة لتوفير برامج تدريبية يجب أن تركز هذه البرامج على تمكين المعلم من تفعيل الأدوات التعليمية المبتكرة مثل البرمجيات التعليمية والمشاريع التفاعلية لتعزيز التحليل المنظومي. كما يجب توجيه المشرفين والمعلمين نحو تطوير آليات قياس وتقويم فعالة إذ أن التفكير المنظومي كمهارة عليا يتطلب أدوات مختلفة عن القياس التقليدي، ويُعتبر تطوير مقياس مهارات التفكير المنظومي خطوة ضرورية لقياس التغير في قدرات الطلبة (حسني، 2023). كما يجب اختبار البرامج التدريبية المطبقة (السحت، 2023). ولضمان الاستدامة يجب دعم السياسات التعليمية التي تربط بين الترقية المهنية للمعلم أو المشرف وبين حصوله على تدريب متخصص في الاستراتيجيات الضمنية لتنمية التفكير المنظومي(رسلان،2023). كما يجب توجيه الموارد نحو تفعيل التقويم البديل في المناهج مثل تضمين أسئلة قائمة على السيناريوهات المعقدة والمشكلات المفتوحة في أدلة المعلم والتقويم المدرسي والتي تتطلب بالضرورة استخدام التفكير المنظومي للحل(زيتون،2003). إن هذا التحول في الممارسات التقويمية يشجع المعلمين على تبني الاستراتيجيات الضمنية كجزء أساسي من العملية التعليمية بدلاً من التركيز على أساليب الحفظ والاسترجاع(حسني، 2023).
واقع الاتجاه الضمني في التعليم الفلسطيني
تعكس المناهج الفلسطينية اعتمادًا واضحاً على الدمج الضمني لمهارات التفكير، خاصة في مادتي العلوم والتكنولوجيا والرياضيات. ويُشير حسني (2023) إلى أن معظم المدارس تعتمد على أساليب تدريس تقليدية، مما يُقلل فرص توظيف استراتيجيات ضمنية لتنمية التفكير المنظومي. وأظهرت دراسة قاسم (2020) أن النماذج التعليمية الموجهة نحو الدماغ كانت أكثر فاعلية في تعزيز التفكير المنظومي مقارنة بالطرائق التقليدية. ولتفعيل الاتجاه الضمني على مستوى غرفة الصف يُمكن للمعلم توظيف آليات محددة ففي تدريس مواد العلوم والتكنولوجيا يُمكن استخدام شبكات التفكير البصري لرفع قدرات الطلبة على الربط بين مفاهيم الدرس كعناصر نظام مترابط (رسلان، 2023). وفي الرياضيات تعمل استراتيجيات ما وراء المعرفة المدمجة ضمن الأنشطة الصفية على تعزيز التفكير المنظومي عبر مساعدة الطالب على فهم العلاقات والترابطات بين المفاهيم المختلفة (عفانة ونشوان، 2004). هذه التطبيقات تُؤكد أن التفعيل الواعي للمدخل الضمني يتطلب تحويل الأنشطة الصفية العادية إلى محفزات للتفكير بدلاً من الاكتفاء بالاسترجاع.
المأمول من الاتجاه الضمني في تعزيز التفكير المنظومي
لتحقيق الفائدة المرجوة من الاتجاه الضمني، يقترح الباحثون ما يلي:(السحت، 2023؛ رسلان، 2023؛ الحيدري، 2023؛ قاسم، 2020؛ زيتون، 2003).
– تعزيز التكامل بين المعرفة والمواقف التعليمية، وتمكين الطلبة من بناء علاقات بين المفاهيم
– تطوير ثقافة التفكير في المدرسة عبر تدريب المعلمين والمشرفين.
– تمكين الطلبة من تطبيق التفكير المنظومي في حياتهم العملية، وربط المعرفة بالمواقف الحياتية.
– دمج التفكير المنظومي في المناهج بشكل صريح وغير مباشر.
– دعم السياسات التعليمية من قبل صانعي القرار لضمان استدامة وتطوير مهارات التفكير المنظومي عبر المناهج.
– توفير برامج تدريبية للمعلمين لتعزيز مهاراتهم في استخدام استراتيجيات ضمنية.
– استخدام أدوات تعليمية مبتكرة مثل البرمجيات التعليمية والمشاريع التفاعلية لتعزيز التحليل والتركيب والتقييم المنظومي.
الخاتمة:
يُشير تحليل الأدبيات إلى أن الاتجاه الضمني يمثل مدخلاً تربويًا واعدًا لتنمية التفكير المنظومي في فلسطين. ويتضح أن نجاحه يتطلب تضافر جهود المناهج، المعلمين، المشرفين، وصانعي القرار، مع توفير برامج تدريبية، ومتابعة دقيقة لضمان تحقيق الأهداف التعليمية وتنمية قدرات الطلبة على التفكير التحليلي والمنظومي. إن التدريب المستمر للمعلمين والمشرفين وتصميم المناهج بعناية يضمن دمج التفكير المنظومي بشكل طبيعي ومستدام. ويُمكن القول إن الاتجاه الضمني وسيلة فعّالة لتعزيز التفكير المنظومي، لكنه يحتاج إلى دعم مؤسسي وتدريب مخصص للمعلمين. فالواقع الفلسطيني يظهر إمكانية التطبيق، لكنه محدود بالموارد والبنية التحتية. أما المأمول فهو دمج الاتجاه الضمني مع أدوات وتقنيات تعليمية حديثة ليصبح جزءًا من عملية التعلم اليومية، ويُعزز قدرة الطلبة على التعامل مع المشكلات المعقدة بفعالية.
المراجع
السريحي، عبد الله علي (2021). التفكير المنظومي كأحد أركان خصائص المنظمة المتعلمة. مجلة العلوم التربوية, 45(3), 567–589.
القحطاني، أحمد سعيد (2013). أثر المدخل المنظومي في تنمية التفكير المنظومي وفعالية الذات الأكاديمية في الجغرافيا لدى طالبات المرحلة المتوسطة. مجلة العلوم التربوية, 39(2), 123–145.
الحيدري، أحمد علي عبد الله (2023). برنامج محوسب قائم على استراتيجية التفكير المنظومي لتنمية المهارات الإملائية. مجلة التعليم الابتدائي, 5(2), 33–50.
السحت، زيد أحمد (2023). اختبار التفكير المنظومي لقياس مهارات الطلاب في المدارس. مجلة البحوث التربوية, 12(1), 77–95.
حسني، رامي (2023). تطوير مقياس مهارات التفكير المنظومي لدى الطلاب. مجلة العلوم التربوية العربية, 19(3), 45–60.
زيتون، حسن (2003). تعليم التفكير – رؤية تطبيقية في تنمية العقول المفكرة. القاهرة: عالم الكتب.
عجاج، صلاح عبد المحسن (2014، 26 نوفمبر). (93) اتجاهات تعليم التفكير. مدوّنة د. صلاح عبد المحسن عجاج.
عفانة ونشوان، عبد الله إسماعيل سليمان، تحسين محمد حسن (2004). أثر استخدام بعض استراتيجيات ما وراء المعرفة في تدريس الرياضيات على تنمية التفكير المنظومي. في المؤتمر العلمي الثامن: الأبعاد الغائبة في مناهج العلوم بالوطن العربي. جامعة عين شمس.
رسلان، ياسر حامد عبد العاطي عبد العال (2023). تنمية بعض مهارات التفكير المنظومي والاتجاه نحو العلوم لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية الأزهرية باستخدام شبكات التفكير البصري. مجلة كلية التربية – جامعة الأزهر.
قاسم، ابتسام راضي محمد، (2020). استخدام نموذج التدريس الموجه للدماغ في تدريس علم النفس لتنمية مهارات التفكير المنظومي لدى طلاب المرحلة الثانوية. المجلة العلمية بكلية التربية – جامعة أسيوط.
تعليم جديد أخبار و أفكار تقنيات التعليم
