المناهج الدراسية في المملكة العربية السعودية

من تشغيل المدارس إلى بناء القدرات الريادية للشركات التعليمية

مقدمة:

يشهد قطاع التعليم في المملكة العربية السعودية تحولًا جذريًا، لم يعد فيه الاكتفاء بالتشغيل أو التوسع العددي كافيًا لضمان الاستمرار أو المنافسة.
فالمملكة اليوم تتجه بوضوح نحو الريادة القطاعية، والمنافسة الدولية، والقياس بالمؤشرات الوطنية والعالمية، والمقارنات العابرة للحدود.

وفي هذا السياق الجديد، لم تعد “الشركات التعليمية الكبرى” تُعرَّف بعدد مدارسها أو فروعها، بل بقدرتها على:

  • إنتاج نماذج،
  • وبناء منهجيات،
  • وصناعة معرفة،
  • وقيادة التحول في القطاع.

هذا المقال لا يأتي من موقع التنظير المجرد، بل من خبرة عملية ممتدة داخل القطاع التعليمي، شملت العمل:

  • في مواقع تنفيذية،
  • وفي الإدارة العليا،
  • وفي إدارة الاستراتيجية،
  • وفي التعامل المباشر مع التحديات الواقعية للتشغيل، والتوسع، والحوكمة، والموارد البشرية.

وهو مقال إجمالي تأسيسي، لا يهدف إلى التفصيل أو المعالجة، وإنما إلى:

  • إعادة ترتيب الصورة الكاملة،
  • وتحديد القدرات التي يجب أن تُبنى،
  • والأدوات التي يجب أن تُستخدم للتحول،
    تمهيدًا لسلسلة مقالات لاحقة، يُفرد فيها لكل قدرة ولكل أداة مقال مستقل بالتفصيل والتحليل والتطبيق.

أولًا: من النقد إلى البناء

الفترة السابقة من تاريخ القطاع التعليمي كانت مرحلة تأسيس ونمو كمي:

  • فتح مدارس،
  • تحسين تشغيل،
  • ضبط مالي،
  • توسع أفقي.

وقد أدت هذه المرحلة دورها الطبيعي في بناء السوق.

أما المرحلة القادمة، في ظل رؤية المملكة وتوجهها الريادي، فهي مرحلة بناء قدرات، لا مجرد إدارة موارد.
وهذا المقال لا يُقدّم نقدًا للشركات التعليمية الكبرى، بل يطرح ما يجب أن تتحول إليه إذا أرادت أن تكون:

  • منظمات قيادية،
  • لا مجرد كيانات تشغيلية.

ثانيًا: القدرات الاستراتيجية التي يجب بناؤها

القدرات التالية ليست إدارات تقليدية، ولا مهام تشغيلية، بل قدرات بنيوية عميقة يجب أن تمتلكها المنظمة في عقلها ونظامها واستراتيجيتها.

  1. القدرة على تعريف الغاية والوجود

هي القدرة على الإجابة المؤسسية الواضحة عن:

  • لماذا نحن موجودون؟
  • ما القيمة التي نضيفها للإنسان وللمجتمع؟
  • ما الذي لو غبنا لا يمكن تعويضه؟

غياب هذه القدرة يجعل المنظمة:

  • تعرف ماذا تفعل،
  • لكنها لا تعرف لماذا تفعل،
    فتتحول إلى ممارس للأنشطة لا مهندس للقطاع.
  1. القدرة على بناء نموذج إنساني مؤسِّس

التعليم في جوهره إدارة إنسان، لا إدارة مبانٍ أو جداول.

وهذه القدرة تعني امتلاك نموذج معرفي واضح يجيب عن:

  • كيف ينمو الإنسان؟
  • كيف يتعلم؟
  • ما مكونات شخصيته؟
  • ما الذي يبنيها وما الذي يهدمها؟

دون هذا النموذج:

  • تبقى المدرسة وحدة تشغيل فقط،
  • وتعجز الشركة عن إنتاج معرفة أو تصدير نموذج خارج قطاع المدارس.
  1. القدرة على إدارة المعرفة والتعلم المؤسسي

وهي القدرة على:

  • حفظ القرارات،
  • توثيق التجارب،
  • تحليل النجاحات والإخفاقات،
  • ومنع تكرار الأخطاء.

غياب هذه القدرة يؤدي إلى:

  • قرارات متقلبة،
  • سياسات تُلغى ثم تُعاد،
  • عمل بلا ذاكرة،
  • وعقلية قصيرة المدى.

المنظمة الريادية لا تعمل بذاكرة الأفراد، بل بذاكرة المؤسسة.

  1. القدرة على المواءمة بين الاستراتيجية والتشغيل

هي القدرة على بناء سلسلة منطقية متصلة بين:

  • الرؤية،
  • والمحاور الاستراتيجية،
  • والمحافظ،
  • والبرامج،
  • والمشاريع،
  • والمؤشرات.

غياب هذه القدرة يؤدي إلى:

  • رؤية بلا أثر،
  • تشغيل بلا اتجاه،
  • مؤشرات مسطّحة لا تُبنى على بعضها.
  1. القدرة على إدارة البيانات وصناعة القرار

في مرحلة المؤشرات الوطنية والمقارنات الدولية، لا يمكن للقيادة أن تعتمد على الانطباع.

هذه القدرة تشمل:

  • إدارة بيانات تعليمية دقيقة،
  • تحويل البيانات إلى معلومات وتحليل ورؤى،
  • بناء ذاكرة مؤسسية قائمة على البيانات.

منظمة بلا هذه القدرة:

  • تعمل كثيرًا،
  • لكنها لا تتعلم،
  • ولا تتغير.
  1. القدرة على الضبط الأكاديمي المؤسسي

وهي القدرة على التمييز المنهجي بين:

  • الرقابة،
  • والتدقيق،
  • والمراجعة.

وبناء منهجيات تدقيق أكاديمي تعليمية مستقلة، لا إسقاط النموذج المالي على المجال التربوي.

غياب هذه القدرة يؤدي إلى:

  • خلط أدوار،
  • تشويه القرار،
  • وضبط التعليم بالارتجال.
  1. القدرة على بناء رأس مال بشري مستقبلي

وهي القدرة على الانتقال من:

  • التوظيف الفوري،
  • إلى الاستقطاب طويل المدى،
  • ومن الصيد،
  • إلى الزراعة.

في هذه القدرة يُنظر إلى الإنسان بوصفه:

  • أعلى مورد تكلفة،
  • وأخطر مورد إهمالًا،
  • وأعمق أصل استراتيجي.

ثالثًا: أدوات التحول الاستراتيجي

إلى جانب القدرات السابقة، هناك أدوات لا تُبنى بوصفها قدرات دائمة، بل تُستخدم كروافع تحول لتمكين بناء القدرات.

  1. الاستعانة بالخبرة المتخصصة

الاستعانة بالخبراء وبيوت الخبرة ليست قدرة ذاتية، بل:

  • أداة اعتراف بحدود الذات،
  • ورافعة لتسريع نقل المعرفة،
  • وبناء القدرات الداخلية.

كما يُستعان بخبير مالي:

  • يجب أن يُستعان بخبير تخطيط،
  • وخبير بناء أنظمة،
  • وخبير قيادة وتحول.
  1. الفصل المنهجي بين التكوين والتقييم

وهي أداة لإعادة تصميم الأنظمة بحيث:

  • لا تُستخدم أدوات الحكم بوصفها أدوات بناء،
  • ولا يُحاسَب الإنسان على ما لم يُبنَ فيه.

هذه الأداة تُستخدم:

  • لفك الاشتباك،
  • وتصحيح المسار،
  • وبناء منظومة عادلة ومحفزة.

رابعًا: وحدات التجديد الاستراتيجي (القدرة على بناء القدرات)

في المرحلة القادمة، لا يكفي أن تبني الشركات التعليمية قدرات جديدة، بل يجب أن تبني قدرة على بناء القدرات نفسها.

وهذا يتحقق عبر إنشاء وحدات تجديد استراتيجية، وظيفتها:

  • إنتاج النماذج،
  • ترجمتها إلى أنظمة وأدوات،
  • وتجديد القدرات باستمرار.

وهذه الوحدات تبني ثلاث قدرات عليا:

  1. إنتاج النماذج.
  2. تحويل النماذج إلى أنظمة.
  3. استشراف المستقبل ومنع تكلّس المنظمة.

خاتمة: هذا المقال وما بعده

هذا المقال:

  • ليس تفصيليًا،
  • ولا إجرائيًا،
  • ولا نقديًا.

بل هو إطار تأسيسي جامع، يعلن الانتقال:

  • من مرحلة التشغيل،
  • إلى مرحلة بناء القدرات،
  • إلى مرحلة الريادة التعليمية.

وسيتم خلال المرحلة القادمة:

  • تناول كل قدرة من هذه القدرات في مقال مستقل،
  • وكل أداة من أدوات التحول في مقال مستقل،
  • وربطها بالواقع السعودي،
  • وبمؤشرات الرؤية،
  • وبمتطلبات التنافسية الدولية.

لأن التعليم في المملكة:

  • لم يعد مجال إدارة،
  • بل مجال قيادة محلية ، وريادة عالمية
  • ومن لم يبنِ قدراته… لن يقود.

البحث في Google:





عن د.أيمن أصلان

رئيس تنفيذي، مدير تنفيذي سابق لمركز صناعة القيادات، مدير إدارة إستراتيجية سابق، خبير نمذجة تنموية في الوعي الإنساني وتصميم النماذج المعرفية.

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading