ضرورة تعزيز الدور البيداغوجي للأستاذ كمدخل لإرساء الجودة التعليمية

لقد ارتبطت مكانة الأستاذ أو المعلم في مخيال المجتمعات عبر الحضارات والأحقاب التاريخية المتعاقبة بذلك الرجل الحكيم الوقور، والمربي الناصح الصبور، الباذل للمعرفة والمنشئ للفكرة والملهم للحكمة، فاحتفى به الشعراء وكرمه الأمراء، عرفانا بفضله في التربية والتعليم، وبناء الإنسان الصالح القويم، ولا أبدع فيما قيل عن الأستاذ مدحا وتفضيلا، مما قدح به زناد شوقي شعرا وتمثيلا، حين خلد مآثر الأستاذ وبجّله تبجيلا، فقال وقد أجاد السبك والتأصيلا:

قم للمعلم و وفِّه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا

أرأيت أفضل أو أجل من الذي .. يبني وينشئ أنفسا وعقولا

ولا غرو في هذا الثناء وذاك الاحتفاء، فالأمم الواعية تدرك بيقين راسخ أن الدور التعليمي والتربوي للأستاذ، هو أساس كل نهضة وحضارة، وعماد كل صنعة وعمارة، وما الخلل الذي يصيب بعض الأمم في إنسانها، إلا نتيجة حتمية لفساد تعليمها، وبصفة أدق لاختلال دور الأستاذ في المجتمع تربية وتعليما، وتزكية وتقويما، مما يشي بضعف الاهتمام بأحوال التعليم والمعلمين من ناحية التكوين والتمكين.

1- موقع الأستاذ ضمن خريطة الإصلاحات:

إن الارتقاء بمنزلة الأستاذ والمعلم يعتبر من المسؤوليات الكبرى للقيادة العليا للدول، التي تجسدها الإرادة السياسية الصادقة عبر التخطيط الاستراتيجي والسياسات التعليمية الرامية إلى النهوض بمستوى الأداء التعليمي للأستاذ والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، الأمر الذي سينعكس إيجابا وبصفة مؤكدة على جودة المنتوج الأكاديمي والتربوي وكفاءة مخرجات نظام التعليم.

غير أن مانلاحظه في مشاريع الإصلاح المتعاقبة في بلداننا العربية عموما وفي الجزائر خصوصا، رغم كثرتها إلا أنها اتسمت بسمة مشتركة مَثَّلَت معضلةَ الإصلاح التعليمي والعَقَبَةَ الكَأْدَاءَ التي أعاقت نجاح هذه المشاريع، وهي عدم إيلاء الاهتمام الكافي لأهم ركن في العملية التعليمية وهو” الأستاذ “. فمن خلال استقراء أغلب المحاولات الرسمية للنهوض بمستوى الأداء التعليمي بالجزائر مثلا، نلاحظ أن إهمال تنمية العنصر البشري وعدم وجود أي استراتيجية فعالة للاستثمار في رأس المال البشري التعليمي، كان أهم عائق لنجاح وفعالية البرامج الإصلاحية رغم توفرها على عدة محاور إيجابية، فتنمية الكفاءات التعليمية للأستاذ شكّل الحلقة المفقودة في جُلِّ هذه الإصلاحات، وهذا ما يثير “قلقا بحثيا” يدفعنا للتساؤل: عن نصيب المورد البشري في قطاع التعليم من الاهتمامات الحكومية ومدى تجسيد ذلك ميدانيا ضمن المشاريع الإصلاحية ؟ وهل فعلا يؤمن القائمون على رسم السياسات التعليمية والتخطيط الاستراتيجي لجودة التعليم بجدوى وأولوية الاستثمار في الموارد البشرية وتنمية كفاءاتهم التعليمية ؟ وهل يعتقد القائمون على رسم السياسات الإصلاحية أنه يمكن أن يكتب لهذه الأخيرة النجاح على يد مورد بشري غير مؤهل ومدرب وكفء ؟

2- الأستاذ هو مصدر الميزة التنافسية في المؤسسة التعليمية:

يجمع الباحثون أننا اليوم ” نعيش خصوصية حضارية وعلمية لم تشهد لها البشرية مثيلا، ولكن مع كل هذا التسارع الهائل في انتشار ثورة المعلومات عبر العالم، تبقى الأولوية لخيار الموارد البشرية، وهي ثروة غير قابلة للنضوب، على خلاف النفط والمعادن والعديد من السلع المنتَجَة، بل هي الثروة المتجددة دائما، فالإنسان هو الذي يبني الثروة والقيمة والحضارة إن أحسن استثمار وتوجيه فكره وقدراته البشرية، وهو الذي ينبغي له أن يتمتع بهذه المعرفة باعتبارها ثروة إنسانية تهم البشرية كلها. إن زيادة مدارك وقدرات الموارد البشرية تحسن بالتأكيد من دور الفرد في مجتمعه وتحسن حياته ونمط عمله، والتعامل مع المحيط الذي يعمل فيه، وتنعكس إيجابا على التنمية البشرية.”

وفي هذا السياق” يجمع علماء الإدارة على أن البشر هم سر صناعة الميزة التنافسية، بل سر التفوق والتقدم في جميع المجالات، فالإنسان هو العبقري الذي ينهض وراء اكتشاف مجالات صنع المزايا التنافسية، بل إن المزايا التنافسية للعنصر البشري قد تكون كافية لتميز أي مشروع… ومن ثم يمكن القول إن الموارد البشرية ليست فقط مجالا لصنع المزايا التنافسية بقدر ما هي الفاعل الرئيس في تحقيقها.” ويرى عالم الإستراتيجية بورتر (Porter) في كتابه الشهير”الميزة التنافسية (Competitive Advantages)” أن الموارد البشرية هي إحدى الكفايات المحورية (Core Competencies) التي يجب أن تمتلكها المنظمات كي تستطيع تحقيق الميزة التنافسية، وأن هذه الموارد يجب أن تلعب دورا مهما في صياغة استراتيجية المنظمة وتنفيذها.”

ويتبين مما سبق أن الموارد البشرية تمثل جوهر المنظمات الحديثة، فهي تمتاز بما تمتلكه من كفاءاته وعقول ابتكارية، وليس بما تمتلكه من رصيد مادي أو آلات متطورة أو قدرات تقنية فائقة، لأن كل هذه الوسائل تفقد جدواها في حال انعدام الكفاءات البشرية التي بمقدورها لوحدها الاستثمار في إمكانات المنظمة وتحويلها إلى مزايا تنافسية وتطوير مستوى الأداء المؤسسي للمنظمة، وهذه هي الفلسفة الجديدة للتعامل الموظفين في الفقه الإداري الحديث.

وتشير أدبيات الإدارة الاستراتيجية إلى أن المورد لكي يصبح استراتيجيا يجب أن تتوفر فيه خصائص معينة منها:

  • أن يكون المورد ثمينا.
  • أن يتسم بالندرة.
  • لا يمكن تقليده بسهولة.
  • لا يمكن إحلال بديل محله.

وعند تأمل هذه الخصائص سيتبادر للذهن تساؤل حول كيفية ومدى انطباق هذه الخصائص على المورد المعرفي أو رأس المال الفكري؟ يمكن القول أن قيمة وثمن المورد البشري يتجلى في أن المعرفة ستؤدي إلى تحسين العمليات والمنتجات وبذلك تمكن المؤسسة من البقاء منافسة للآخرين، وهذه الميزة التنافسية ليست بالقليلة. ومن جهة أخرى فإن كون المعرفة نادرة فهذا أمر مرتبط بكونها حاصل تراكم خبرات العاملين و معرفتهم التطبيقية، فإنها ستكون نادرة لأنها مبنية على الخبرات الذاتية السابقة لنفس المنظمة وليس لمنظمة أخرى. وبالنسبة لخاصية عدم التقليد بسهولة فإن المعرفة في أي منظمة هي خاصة بها ولها بصماتها المميزة التي لا تكتسب إلا عبر فترة زمنية ومشاركة مجاميع العاملين وتقاسم خبراتهم لذلك فهم مختلفون عن سائر المنظمات الأخرى، أما ما يخص عدم قابلية الإحلال فهو مرتبط بالقدرة المميزة للمجاميع والتذاؤب بين العاملين الذي لا يمكن نسخه وإحلاله محل المعرفة السابقة.”

وإذا أسقطنا معايير الميزة التنافسية التي يتم اشتقاقها من الموارد البشرية على الكفاءات والمهارات التعليمية للأستاذ باعتباره أهم حلقة في العملية التعليمية، سنلاحظ أنه يمثل المصدر الحقيقي لتحقيق الميزة التنافسية على مستوى المؤسسة التعليمية:

  • فباعتباره موردا ثمينا يعود ذلك إلى قيمة معارفه وكفاءته المتجمعة عبر الصقل والخبرة والتكوين، مما يولد لديه أسلوبا متميزا في التعليم والتواصل والتأثير في المتعلم، وإدارة العلاقات المهنية مع محيطه الوظيفي.
  • وبالنظر إلى اعتباره موردا نادرا فهذه الخبرات والمهارات لا تتجمع إلا عبر سنوات عديدة وتداريب متنوعة، إضافة إلى الخصائص الفطرية والاستعدادات التي قد لا تتوافر في غيره.
  • وبالنظر لعدم قابليته للتقليد فالمهارة التعليمية تعتبر ميزة يختص بها الأستاذ الحاذق عن غيره، وتسمى بالمعرفة الضمنية التي يصعب استخلاصها وتقليدها لكونها أصبحت لصيقة بالشخصية المهنية للأستاذ، فالأستاذ الماهر له طريقته الخاصة في تبسيط المفاهيم وإيصالها إلى ذهن المتعلم، وهذه الميزة ليس من السهل تقليدها.
  • وبالنظر لعدم إمكانية استبداله فهذه الميزة مرتبطة بسابقتها، كما أن من طبيعة الكفاءة التعليمية أنها تصقل عبر مشاركة المعرفة بين مجموع الموظفين، فهي ليست جهدا فرديا وإنما تتداخل في تكوينها عمليات التدريب والاندماج والخبرة والتعلم من الخطأ والاستفسار والاستكشاف …الخ، وهذا ما يجعل من عملية استبداله أمرا باهض التكلفة.

وانطلاقا مما سبق، فإن الكفاءات التعليمية للأستاذ تعتبر الحجر الأساس في بناء القدرات التنافسية والجودة التعليمية والتميز الأكاديمي في مجتمعات المعرفة، وعليها مدار نجاح دورة العملية التعليمية وجودة مخرجاتها، بل يذهب الباحث الأمريكي Armand V. Feigenbaum المختص في إدارة الجودة إلى أن “جودة التعليم هي العامل الرئيس في المنافسة غير المرئية بين البلدان.”

3- الاعتبارات الدالة على مركزية الدور البيداغوجي للأستاذ في العملية التعليمية:

لأجل بيان أهمية الدور البيداغوجي للأستاذ في صناعة المزايا التنافسية وجودة النظام التعليمي من منظور علمي وموضوعي، نشير إلى مجموعة الاعتبارات الدالة على مكانة الكفاءات التعليمية للأستاذ ودوره البيداغوجي في العملية التعليمية وفي إنجاح منظومة الإصلاح:

الاعتبار الأول: الأستاذ باعتباره مصدرا للمعرفة، فهو يمثل المرجعية الأساسية لاكتساب المعلومات لدى المتلقي، فرغم تعدد مصادر المعرفة في العصر الحديث، لم يفقد الأستاذ شرعيته ومكانته العلمية كمصدر موثوق للمعرفة، التي يعمل على تطويرها وإنتاجها بشكل مستمر.

الاعتبار الثاني: الأستاذ باعتباره المؤسس للقيم التربوية ومهندس النظام الفكري للمتعلم، فمن خلال عمليات الغرس الثقافي والتوجيه والمرافقة والإقناع والتأثير والتأثر الناجمة عن العلاقة الاتصالية التفاعلية بين المعلم والمتعلم، تتحقق الكفاءات المستهدفة وتتأسس القيم والقناعات، وتُرسى المفاهيم، وتصاغ التصورات المستقبلية، ويبنى النظام الفكري للمتعلم، وبالتالي فالأستاذ يساهم في تحسين مستويات التفكير لدى الأفراد وتنمية قدراتهم العقلية كالخيال العلمي والإبداع والتفكير الابتكاري والنقد العلمي.

الاعتبار الثالث: الأستاذ باعتباره المشرف على إدارة وتنمية العمليات المعرفية لدى المتعلم، من خلال استراتيجية البناء التعلمي، التي ترتكز على عملية استخراج المعارف الكامنة لدى المتعلم (المعارف القبلية) وتنقيحها وتهذيبها وتنميتها وجعلها منطلقا لإرساء المفاهيم والتعلمات الجديدة.

الاعتبار الرابع: الأستاذ باعتباره محلا للاقتداء من قبل المتعلمين من الناحية المعرفية والسلوكية، فالمتعلم يتخذ من أستاذه مرجعا معياريا لتصحيح المفاهيم والسلوكات الخاطئة وإرساء القيم والتوجهات، وهذا مؤشر على الأهمية الإستراتيجية للدور التربوي الأستاذ ووظيفته الحضارية في صناعة النموذج الفعال والرسالي.

الاعتبار الخامس: الأستاذ باعتباره محور عملية التقييم والتقويم البيداغوجي، التي تعتبر أساس جودة مخرجات العملية التعليمية، فالتقييم المستمر بمعاييره العلمية يساهم في صقل المواهب والمهارات والكشف عن الطاقات المبدعة والكفاءات المستقبلية، ومرافقتها نحو التميز والإبداع.

الاعتبار السادس: الأستاذ باعتباره قاعدة الارتكاز في منظومة الإصلاح التعليمي، سواء في التعليم القاعدي أو الجامعي، وذلك تبعا لمؤشر الكفاءة، ومدى قابليته وقدرته على استيعاب متطلبات الإصلاح ومتغيرات الحاضر وتحديات المستقبل، والتفاعل إيجابا مع استراتيجيات الإصلاح وأهدافه وإنجاحه على المستوى الميداني.

الاعتبار السابع: كما أن الأستاذ قد يكون الصخرة التي ستتحطم عليها هذه الإصلاحات، في حال عدم إعداده بصورة مسبقة وتنمية قدراته ومهاراته، وهذا ما سيؤدي حتما إلى اختزال هذه الإصلاحات في صورتها الشكلية وإفقادها جدواها ميدانيا.

الاعتبار الثامن: إن الأستاذ يستأثر بالمهمة الأصعب في سياسة البشر وتقويمهم، فمن خلال مهاراته التعليمية سيتمكن من تحسين أذواق وتصورات وسلوكات الأفراد، ويجعلها منسجمة مع المنطق العلمي السليم، والحس المدني الراقي، والتوجهات الحضارية للمجتمع.

الاعتبار التاسع: إن التطوير والاستثمار في الكفاءات التعليمية للأستاذ هو أساس نجاح تجارب الإقلاع الحضاري والتنمية الشاملة، فقد أثبتت الخبرات الإنسانية المتعاقبة والتجارب الإصلاحية والتنموية لبعض الدول الرائدة كاليابان وماليزيا وسنغافورة وتركيا وقطر وكندا وغيرها، أن الاستثمار في التعليم وإعادة الاعتبار لمكانة المعلم ضمن خطط الاقلاع الحضاري للبلاد كانت له نتائج جد مبهرة، حيث ازدهرت حركية الإصلاح والتغيير بسرعة كبيرة، مما يدل على أن الاستثمار في التعليم هو المقدمة الصحيحة نحو الارتقاء والبناء.

إن الاعتبارات السابقة تؤكد لنا على أهمية الدور البيداغوجي للأستاذ على مستوى الأقطاب الثلاثة للمثلث الديداكتيكي وهي: المعلم والمتعلم والمعرفة، ومدى تأثيره العميق في مسار الاصلاحات التعليمية سلبا أو إيجابا، مما يستوجب العمل الجاد على إصلاح منظومة التكوين البيداغوجي للأستاذ، وترقية مهاراته وكفاءاته قبل الاهتمام بإصلاح المناهج، فالأستاذ هو مصدر المعرفة ووسيلتها في آن واحد بالنسبة للمتعلم، والمهندس للقيم والفكر والسلوك، والموجه للطاقات الابتكارية والقدرات الفكرية للمتعلم.

4- هل الأستاذ هو محور العملية التعليمية أم المتعلم؟

شهدت المناهج البيداغوجية الحديثة ثورة عميقة في مقاربات وطرق التدريس وهندسة التكوين وأساليب التقويم وغيرها من القضايا البيداغوجية، وهذه الثورة العميقة جاءت متوازية ومتسقة مع مستويات التنمية المحققة في الدول المتقدمة على صعيد النمو الاقتصادي والإدارة الذكية والحكم الراشد والرفاه الاجتماعي وتقدم مستوى البحث العلمي والتحول نحو قطاعات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتسيير الإلكتروني، كل هذه الإنجازات مثلت البيئة المثالية التي ازدهرت فيها مؤسسات التعليم وتفاعلت معها، ولهذا فقد شهدت هي الأخرى تطورا بديعا على مستوى الهياكل والبناء الهندسي تماما كتطورها على مستوى البيداغوجيا، وموازاة مع ذلك تطور الدور البيداغوجي للأستاذ، فإضافة إلى كونه مصدرا للمعرفة أصبح يضطلع بمهمة مرافقة المتعلم للوصول إلى المعرفة، فيما يصطلح عليه “بالمرافقة البيداغوجية” وأصبح إشراك المتعلم في بناء المعارف يمثل عاملا حاسما في فعالية العملية التعليمية، وهي مهمة تعتبر في حد ذاتها من أهم وأصعب المهارات التعليمية للأستاذ في العصر المعرفي والرقمي، لأنها تتطلب كفاءات بيداغوجية وقدرات اتصالية ووسائل تعليمية ونظام مؤسسي فعال ومنهاج تعليمي منسجم مع بيداغوجيا المقاربة بالكفاءات، ومساعد على فعالية الأداء التعليمي- التعلمي، ومحفز على إثارة العمليات العقلية العليا، ودافع نحو تنمية التفكير النقدي والابتكاري لدى المتعلم، وتطوير الأداء المهني المتميز لدى المعلم.

ومهما حدث من تطور على مستوى الدور البيداغوجي للأستاذ، فبالنظر إلى الأقطاب الثلاثة للمثلث التعليمي، نجد أن دور الأستاذ يظل محوريا في العملية التعليمية وذلك من خلال ثلاثة أبعاد:

  • البعد البيداغوجي: ويتجلى من خلال العلاقة التفاعلية الحاصلة بين محور (المعلم-المتعلم)، أين يبرز دور الأستاذ في بناء المعارف وإرساء القيم والسلوكات وتبسيط المفاهيم والتعامل بمهارة مع إشكالية “العوائق التعليمية”، وهي مسألة ذات حساسية وأهمية كبيرة بحيث تُبرز مدى تمكن الأستاذ من التعامل مع صعوبات التعلم وإدارة الموقف التعليمي بكفاءة، وكذلك مدى تحقق ثقة المتعلم في كفاءة أستاذه.
  • البعد الإبستيمولوجي: ويتجلى هذا البعد من خلال العلاقة بين محور (المعلم-المعرفة)، أين يظهر من خلالها تميز الأداء التعليمي للأستاذ واجتهاده في تحقيق الاقتدار المعرفي والتعليمي، من خلال مواصلته للبحث وتحسين أدائه وتطوير مهاراته باستمرار، وتمكنه من المادة العلمية والمادة التعليمية، وهي المعارف التي تخضع لشروط التكييف المنهجي لتتوافق مع المستويات الإدراكية للمتعلمين (مستوى استيعاب المتعلم) وهو ما يسمى في علم البيداغوجيا “بالنقلة المعرفية”، وهذه تعتبر من أبرز الأدوار البيداغوجية للأستاذ، وفيها تتجلى مهارته في التبسيط والشرح والاختصار والتحوير المعرفي.
  • البعد البسيكولوجي: ويتجلى من خلال التفاعل الذي يتكون بين محور (المتعلم- المعرفة)، أين تبرز قضية ” التصورات المعرفية ” وهي المعارف المسبقة التي يملكها المتعلم حول موضوع معين، فيأتي دور الأستاذ في البناء على هذه المعارف للوصول إلى المعارف والمفاهيم التعليمية المستهدفة، وقد يحتاج إلى عملية تقويم وإثراء للمعارف القبلية، وهنا تتجلى مسألة “المرافقة البيداغوجية”، ومدى مهارة الأستاذ في تمكين المتعلم من البناء المعرفي انطلاقا من كفاءاته القبلية.

فنلاحظ من خلال هذه الأبعاد أن الدور البيداغوجي للأستاذ يعتبر محوريا في العملية التعليمية التعلمية من حيث كونه: مكونا أو باحثا أو مرافقا.

ومن جهة أخرى، إذا اعتبرنا أن كلمة “محور” تعني المركز الذي ترتبط به وتدور حوله كافة الأجزاء والعمليات، ويلزم من وجوده وجود كافة العمليات والسير الحسن للنظام، وبعدمه يختل هذا النظام وتتعطل العمليات والوظائف الحيوية له، فعند إسقاطنا لهذا المعنى على كل من “الأستاذ” و” المتعلم” سيتضح للوهلة الأولى أن الذي ينطبق عليه هذا المدلول هو الأستاذ لا المتعلم، لأن أساس كفاءة النظام التعليمي في أي مجتمع قائمٌ على كفاءة عملية التدريس وفعاليتها، وهذا هو الدور الأساس الذي يضطلع به الأستاذ من خلال مختلف المهام البيداغوجية، أما بقية العمليات الإدارية فهي تقوم بإحصاء وتسيير ومعالجة مخرجات العملية التعليمية، التي تتوقف جودتها على جودة أداء الأستاذ تعليما وتقويما.

وإذا ابتعدنا قليلا عن منطلق التقليد والمحاكاة للنماذج الإصلاحية المستوردة، وإذا اعتبرنا أن أي اجتهاد بشري هو قابل للتعديل والمراجعة والتجديد أو للرفض والتغيير، فإن قاعدة:” التلميذ أو المتعلم هو محور العملية التعليمية” التي تم تبنيها من قبل بعض المنظومات التعليمية بالدول العربية لاسيما الجزائر، من دون توفير بيئتها وأنساقها وشروط فعاليتها، هي قاعدة نسبية بيداغوجيا وعمليا، ولا تعبر إلا عن بعض التجارب المرتبطة بسياقات وظيفية خاصة، وبعض وجهات النظر الاجتهادية في بيداغوجيات التدريس، التي تتطور باطراد وتخضع لمتغيرات الواقع وخصوصياته ومشكلاته، وللأسف كان من جراء الإسقاط المتعسف والتطبيق المجتزأ من سياقه لهذه المقاربة البيداغوجية، أن تم اتخاذ أحكام قاسية في حق الأستاذ وأضحى ينظر إلى دوره من زاوية هامشية لا محورية، وهو ما تؤكده القوانين التنظيمية التي تم تعديلها للحد من السلطة البيداغوجية للأستاذ، وتقزيم دوره في عملية التقويم واتخاذ القرار البيداغوجي وصلاحياته البيداغوجية والتنظيمية في مختلف المجالس، وتغليب كفة المتعلم تحت ذريعة “مراعاة مصلحة التلميذ” باعتباره محور العملية التعليمية، مما أدى إلى تمييع الأداء البيداغوجي وتجاوز المعايير التنظيمية والبيداغوجية في التقويم والمتابعة والضبط التربوي.

في حين أن أغلب التجارب التنموية الرائدة تؤكد بأن” الأستاذ هو محور العملية التعليمية والتلميذ أو المتعلم هو المستهدف فيها من خلال الأنشطة التعليمية والمرافقة البيداغوجية”، ولهذا فسياساتها التعليمية وخططها التربوية ترتكز على ضمان عناصر الجودة والفعالية في المؤسسة التعليمية، من خلال توفير الإمكانات المادية والبيداغوجية للأستاذ، والاهتمام بالتكوين المستمر كأحد أهم شروط إرساء الجودة التعليمية، وتطوير مهارات الأستاذ ليكون أكثر نماء وثراء وعطاء.

5- نحو مقاربة شاملة متعددة الأبعاد لإرساء الجودة التعليمية:

في سياق البحث عن المقاربة الأكثر واقعية وموضوعية لإرساء الجودة التعليمية وتحقيق النجاعة والفعالية خلال الموقف التدريسي، وانطلاقا من فحوى النظرية البنائية في التعليم القائمة على إشراك المتعلم في بناء المعارف وصقل المهارات السلوكية، وتجنب الطريقة العمودية المعتمدة على أساليب التلقين والحفظ، وفي إطار تنمية الدور البيداغوجي للأستاذ فإنه من الجدير أن تضطلع الهيئات المسؤولة على التعليم في بلداننا، بتوفير تكوينات متخصصة للأستاذ في طرائق التدريس المختلفة ومداخله الفنية والمهارية، ثم تترك له حرية اختيار الطريقة الأنسب التي يطبقها وفق خصوصية كل مادة أو وضعية تعليمية أو سياق تعلمي، فلا ينبغي تقييد الأستاذ بمقاربة واحدة وتعميمها على جميع التخصصات والوضعيات، فهذا التوجه خلق إشكالات عديدة على مستوى التطبيق وفعالية العملية التعليمية، إذ لا يعقل أن يتم تغيير طريقة التعليم وفق المقاربة بالكفاءات، دون تغيير طريقة التقويم التي لا تزال وفق الطريقة التقليدية، كما لا تزال أغلب مؤسساتنا مفتقرة للتجهيزات والدعائم التعليمية الضرورية لتنمية الحس العلمي والتجريبي لدى المتعلم، وهو من أهم عناصر نجاح هذه المقاربة.

وبناء عليه أرى أنه من الأجدى في ظل المعطيات الميدانية أن توجه الجهود نحو التكوين الوظيفي والبيداغوجي للأستاذ، فالمهارات والتدريبات الجيدة هي العامل الوحيد الذي يحدث الأثر الإيجابي ويؤسس لقيم الجودة في المؤسسة التعليمية، ويجب في هذا الصدد أن يتم التركيز على أنواع التكوينات التالية:

التكوين البيداغوجي المتخصص: وهو أهم أنواع التكوين، ومن خلاله يتدرب الأستاذ على المهارات الفنية والبيداغوجية للتعليم والتقويم البيداغوجي، ويتلقى تدريبا عمليا حول طرائق التدريس المختلفة ومن أبرزها: طريقة المحاضرة التفاعلية، الطريقة النقاشية، الطريقة الاستقصائية، الطريقة القياسية، طريقة العصف الذهني، طريقة حل المشكلات، طريقة التعليم البنائي، طريقة المشروعات، الطريقة الاستكشافية، طريقة التعليم المتمايز، طريقة التعليم التعاوني وغيرها من الطرق التعليمية.

كما يتلقى تكوينا متخصصا حول مهارات التدريس كمهارات إدارة الصف الدراسي وفن المخاطبة والتواصل ومراحل وخطوات إنجاز الوحدة التعليمية، والتعامل مع الفروق الفردية وصعوبات التعلم ومهارات المرافقة البيداغوجية والقياس والتقييم والتقويم ومهارات بناء وصياغة الأسئلة التقييمية والاختبارية والتحفيزية والاستكشافية.

ومن خلال التمرس الميداني على هذه المهارات والطرائق التعليمية يستطيع الأستاذ توظيف الطريقة الأنسب لكل مقام تعليمي.

التكوين الوظيفي والتشريعي: وفيه يتم إرساء المهارات الوظيفية الحديثة لجودة الأداء، كالعمل الجماعي والاتصال التنظيمي ومنهجية التحسين المستمر ومعايير الجودة الشاملة، وكذلك تنمية الثقافة القانونية والتشريعية للأستاذ.

التكوين في تكنولوجيا التعليم: ويعتبر هذا النوع من التكوين ضروريا في عصر التكنولوجيا والتطور الرقمي، حيث يتم من خلاله اكتساب مهارات فنية وتقنية حول كيفية توظيف الوسائل التكنولوجية الحديثة في العملية التعليمية بطريقة فعالة، وذلك لإحلال نموذج التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد كروافد أساسية للتعليم التقليدي، وقد أبانت أزمة كورونا على أهمية إقرار التعليم الافتراضي وتطوير البنية القاعدية لتكنولوجيا التعليم في مؤسساتنا التعليمية، عن طريق وضع برامج وتطبيقات ذكية وفعالة لتطوير الأداء والممارسة الإلكترونية للفريق الإداري وهيئة التدريس، وإشاعة الثقافة الإلكترونية في البيئة التعليمية. وهذا النوع من التكوين له جانبان أساسيان هما:

  1. التدريب على استعمال الإعلام الآلي وتطبيقاته الأساسية وكيفية تشغيل الأجهزة الالكترونية ونظام سيرها وإجراءات الصيانة والأمن الإلكتروني.
  2. التكوين في المبادئ الأولية للبرمجة وصناعة المحتوى التعليمي، وهي مهارة فرضتها تحديات ومقتضيات عصرنة التدريس.

أعتقد موقنا أن التركيز على جودة التكوين واستمراريته والاستثمار في كفاءات المورد البشري عن طريق إنشاء مراكز متخصصة للتدريب والتكوين البيداغوجي، كفيل بأن يحقق نهضة تعليمية وينقل التعليم من وضعه الراهن إلى وضع أكثر فعالية واندماجا مع التحديات الحاضرة والمستقبِلة لمجتمعات المعرفة والذكاء الاصطناعي.

 

 


المراجع:

  • مصطفى يوسف كافي، اقتصاديات التربية والتعليم. ط 1، عَمّان: دار الحامد، 2017، ص 356
  • محسن أحمد الخضيري، صناعة المزايا التنافسية. القاهرة: مجموعة النيل العربية، 2004، ص135.
  • عبد الباري إبراهيم درة وزهير نعيم الصباغ، إدارة الموارد البشرية في القرن الواحد والعشرين منحى نظمي. الأردن: دار وائل للنشر،2008، ص 117.
  • مفهوم التذاؤب يشير إلى أن تكامل واندماج القوى والكفاءات البشرية يفرز قيَمًا إضافية (قوة، فعالية، إبداع، تحسين، تحفيز..) زائدة عن القيمة الحقيقية المجردة لمجموع قوى الأفراد لهذا يشار إلى التذاؤب بالعملية التالية: 2+2=
  • صالح مهدي العامري وطاهر محسن الغالبي، “رأس المال المعرفي: الميزة التنافسية الجديدة لمنظمات الأعمال في ظل الاقتصاد الرقمي”. ورقة مقدمة في: المؤتمر العلمي الدولي السنوي الرابع: إدارة المعرفة في العالم العربي، جامعة الزيتونة الأردنية، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، في 26-28 نيسان 2004، ص 12 .

Mukherjee, Quality Domains and Dimensions. Singapore: Springer Nature, 2019, P 214.

 

البحث في Google:





عن د. حرزالله محمد لخضر

باحث أكاديمي متخصص في إدارة الموارد البشرية. الجزائر

تعليق واحد

  1. د. عبد الغني المسباح

    مقال رائع، استطاع بسهولة مقاربة موضوع يتعلق غالباً ببيئة العمل في القطاعات الصناعية والخدمية العامة، بالبيئة التعليمية التربوية التي تعاني شحاً في التوصيف والتوظيف والماارسة الفاعلة فيما يتعلق بـ “مفهوم الموارد البشرية التربوية التعليمية – Pedagogical”. وبالرغم من السعة النسبية لللموضوع إلا أنه ولّد القناعة بالحاجة الى المزيد خصوصاً في البيئة الإسلامية والعربية. فشكراً جزيلاً للباحث الأكاديمي الدكتور لخضر، حرز الله… جعله دائماً في حرزه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.